بعضها مسروقة وأخرى تعتمد على شهرة أصحابها: إعادة ترجمة الكتب الأدبية بين المبررات والأهداف

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: أن تقرأ ماركيز بأكثر من ترجمة، ربما يعود هذا إلى نقص في الترجمة الأولى أو الثانية، لكن بمجرد أن تقارن بين الترجمات التي تلت الأولى، ستصاب حينها بخيبة أمل كبيرة.
ربما لا يترجم الكتاب مرّة أخرى في أمريكا أو أوروبا إلا إذا كانت هناك أخطاء فادحة وقعت فيها الطبعة الأولى، غير أننا نجد في بلداننا العربية عموماً، والعراق على وجه الخصوص، ترجمات ثانية وثالثة لكتب صدرت طبعتها الأولى قبل فترة ليست بالبعيدة، وأفضل مثال على ذلك المترجم كامل عويد العامري، الذي (أعاد) ترجمة روايات غابرييل غارسيا ماركيز، بعد أن صدرت ترجمة صالح علماني لها… أما الفضيحة الأكبر فهي بعد صدور الطبعة الثانية من رواية «اسم الوردة» لإمبرتو إيكو التي ترجمها عن الإيطالية، فقد أعاد الصمعي طباعة الكتاب مرة أخرى بمقدمة طويلة يكشف فيها كيف سرق كامل عويد العامري ترجمته حرفياً وبأدلة المقاطع اللاتينية التي كتبها إيكو أولاً، والحيوانات الخرافية التي ابتكر لها الصمعي أسماء من خياله، وغير ذلك الكثير.
أما مؤخراً، فقد فوجئ سالم الزريفاني؛ صاحب دار الكتاب الجديد، بوجود ترجمة لرواية إيكو «مقبرة براغ» لخضير اللامي، وقد صدرت عن دار الشؤون الثقافية، وقد كان الزريفاني قد اشترى حقوق ترجمتها ونشرها من الناشر الإيطالي، وهو ما دفعه لتوزيع نسخته من الرواية في السوق العراقية بكميات كبيرة ليغطي على سرقة الحقوق.
لكن السؤال الأهم هنا: ما الذي يدعو لترجمة ثانية لأي كتاب؟ وما المبررات التي تجعلنا نعيد قراءة الكتاب بترجمة ثانية إذا لم يكن (الثاني) له خبرة ولغة (الأول)؟

جرم مضاف

يشير الروائي والمترجم عبد الهادي سعدون إلى أن الترجمات المتوالية للعمل نفسه ليس جديداً، بل هو تقليد تتبناه كل لغات العالم، لاسيما أن كل مترجم يرى أن العمل المترجم السابق لم يأخذ حقه بترجمة وافية حقيقية، مما يشغله ويقوم بالعمل عليه مجدداً. ولكن حتى هذه الترجمات لها شروطها ومقرراتها الخاصة، فالغرض الأول منها إنصاف النص والكتاب وكاتبه فيما لو رأينا النص المترجم لا يفي النص الأصلي حقه، بل يتجنى عليه تماماً؟ ومن هنا يتصدى مترجم بين الحين والآخر لكتاب نعرف أنه مترجم ومنذ سنين، والسبب لا يخرج عن إنصافه وإعادته للعربية بحلة تشبهه أو مقاربة له بلغته الأصل.
ويضيف: لكن أن يتم العمل على ترجمات لكتب بسبب من شهرة مؤلفها أو الكتاب نفسه ولأغراض دعائية تجارية لا غير، فذلك بحد ذاته جُرماً أدبياً، إذا ما عرفنا بعدد الترجمات الأخيرة التي عمل أصحابها على إخراجها بالعربية من دون وجه؛ بسبب من أن الترجمات السابقة جيدة ومتمكنة من نقل النص ومن إجادة اللغة المنقول عنها وأهمية المترجم وعراقته، وأيضاً أن الترجمات الجديدة لو كانت حريصة على نقل النص للعربية فأول الأمر على المترجم أن يتقن اللغة المنقول منها وليس عبر لغة أخرى وسيطة.
ويعتقد سعدون أن سوق الكتاب المترجم بات بحاجة كبرى للترجمات، ومن هنا التسابق على نقل كتب سبق أن ترجمت، وكان الأحرى بمترجميها أن ينقلوا أعمالاً أخرى لا تتوفر عليها المكتبة العربية، وبهذا يكونون السباقين بالكشف عن أعمال وأسماء جديدة قد تحقق لهم السمعة الطيبة في المستقبل.
الترجمة مهمة في كل الأحوال؛ من وجهة نظر سعدون، وإعادة الترجمة ضرورية لو كانت الحاجة حقيقية لها، ولكن وضع اسم المترجم على عمل مترجم لغاية لا علاقة للأدب والثقافة بشيء، لا يشفع له ولا للكتاب المترجم ولن يمنحه التعريف الضروري به.
من وجهة نظر الشاعر والمترجم قحطان جاسم، فإن الترجمة كانت سابقاً احتكاراً على المختصين في حقول اللغة الذين يتقنون لغة أو لغتين، إضافة إلى لغتهم الأم. كان هؤلاء المختصون، وبسبب ندرتهم، يتقاضون مقابلاً مادياً، سواء على شكل مكافآت أو عقود أو رواتب ثابتة تقدمها المؤسسات الثقافية التابعة للدولة، التي كانت إلى حد ما فعالة في هذا المجال. إلا أن غياب هذه المؤسسات أو ضعفها حالياً، إضافة إلى التطور التكنولوجي الهائل في حقول الاتصالات، الذي أتاح فرصة أكبر للتداول اللغوي خارج المؤسسات التعليمية، وتوفر عشرات القواميس اللغوية ووسائل الترجمة فيها، إضافة إلى التهافت على النشر وتوفر إمكانية هذا النشر وجهل المشرفين على الصفحات الثقافية حول خلفيات هذه النصوص وأصحابها، أغرى ويغري البعض للإقبال على الترجمة، ناسين أن الترجمة ليست نقلاً لكلام من لغة إلى أخرى، بل هي عملية إبداعية شاقة تتطلب مثابرة ومعرفة وصبراً لا يوصف. وعلى الرغم من أن هذا الأمر يحمل بعض إيجابياته، إلا أنه من الجانب الآخر ينطوي على سلبيات كبيرة، لأن الترجمة تشبه النار التي يمكن أن تلتهم كل شيء إذا لم يحسن الشخص الذي يشعلها السيطرة عليها.
وهو يفسر إلى حد ما هذه الفوضى في الترجمة وغياب المنهج العلمي لنقل الآثار الأدبية والعلمية والفكرية العالمية أو إعادة الترجمة، على الرغم من أن إعادة الترجمة لا تمثل مشكلة بحد ذاتها. فعلى سبيل المثال، «أوشك حالياً على الانتهاء من ترجمة كتاب لفردريك نيتشه عن شوبنهاور، وقد قمت بمقارنة ثلاث ترجمات مختلفة للنص نفسه باللغة ذاتها. المشكلة تكمن في الأساس في دخول بعض الهواة مجال الترجمة، وهو أمر يمكن التساهل فيه في مجال النثر إلى حد ما، لكن المخاطر تكون كبيرة حين يتعلق بنصوص فكرية أو فلسفية أو شعرية، التي تتطلب ليس فقط نقل جوهر تلك النصوص، بل أيضاً معرفة الأجواء والخلفيات الفكرية والمعرفية والتخّييلية التي أنتجتها، مع أنني أقرأ نصوصاً جميلة وترجمات ذكية وعديدة لمترجمين مبتدئين، وينبغي دعم هذه المهارات اقتصادياً، وفتح ورش عمل لها وإتاحة الفرصة لها للسفر للبلدان الأصلية لتطوير إمكاناتها». فالترجمة تفتح أبواباً مهمة أمام التلاقح الحضاري والفكري وتساعد على تعزيز مفاهيم الحرية، وليس كما روج البعض أخيراً؛ للأسف، محذراً من «فيروس» ثقافي مطالباً بوجود «رقيب ذاتي» لفحص واختيار النصوص المترجمة.

متعة الكشف

الشاعر والمترجم رعد زامل يبين أن من بواعث الأمل أن يولد في عالم المعرفة كتاب يحمل ملامح ثقافة أخرى، ولكن يجب أن يشكل هذا الكتاب إضافة نوعية مهمة. أما ما نراه من إعادة إنتاج لكتب مترجمة فهذا الأمر له وجهان؛ أولهما الوجه التجاري حيث يكون السبب وراء الطبعة الثانية هو الربح فقط، وهنا لا تختلف العملية كثيراً عن أي عملية تدوير أخرى. وثانيهما الوجه المعرفي، وهو أن يحتوي الكتاب بنسخته أو بترجمته الثانية على ما يبرر ولادته معرفياً. ففي عالم الترجمة يمكن أن يكون الكتاب بترجمته الثانية أفضل من الأولى أو على أقل تقدير هناك إضافة من صميم العمل أو هناك كشف جديد أو كأن يعتقد المترجم الثاني بأنه أكثر مهارة من الأول في تعريب العمل. هذا ما يحتم الولادة الثانية للعمل هذه الولادة التي تعكس ملامحه بشكل أكثر نضجاً، لكن هذه العملية نادرة جداً. أما ما يحدث من إعادة إنتاج كتب قديمة بطبعة جديدة كما تفعل مؤسسة المدى مع كتب ماركيز مثلاً من دون أن يكون هناك كشف جديد أو إضافة على أعمال ماركيز السابقة، فالباعث على إعادة الإنتاج هنا ليس معرفياً. كما يجب ألا ننسى بأن قراءة الكتاب بنسخته الثانية تفتقد لمتعة الكشف التي خبرها القارئ في القراءة الأولى.

مبررات الإبداع

في حين يرى الشاعر سلام دواي أن هناك مسوغات كثيرة لإعادة ترجمة بعض الكتب، على الرغم من حصولها على عدة ترجمات، فمترجم الأدب على نحو خاص ليس مجرد ناقل، أو جهاز تحويل من لغة إلى أخرى، فهو أيضاً مثقف له رؤيته الخاصة لمرامي المؤلف التي تختلف إيقاعاتها من قارئ إلى آخر في كتاب باللغة نفسها، فكيف الحال بكتب مكتوبة بلغة أخرى. «شخصياً كلما قرأت كتاباً باللغة الانكليزية كنت قد قرأته مترجماً إلى العربية، وجدته مختلفاً بدرجات متفاوتة حسب قدرة المترجم وحجم ثقافته ونوعها، وشدة وعيه، والوعي هنا قد يكون أهم من اللغة، لأنه القدرة على الإمساك بفكرة الكاتب وفهمها قبل الإمساك بالكلمات ومعانيها في اللغة المقابلة، فللكلمات معانٍ ثابتة تحركها الفكرة».
ويضيف دواي: خلال دراستي لترجمة النصوص، كان عليّ كجزء من اختبار القبول أن أترجم قصيدة للشاعر إليوت، ترجمتها أولاً بحرفية شديدة، وترجمتها بنسخة ثانية بحرفية أقل ووعي أكبر بالفكرة، وبعد اجتيازي للاختبار الذي دفعت إليه النسخة شديدة الحرفية، استأذنت الأستاذ بقراءة النسخة الثانية، فقال لي هذه أقرب إلى القصيدة من النسخة الأولى، فأجبته: أنا أدرك ذلك، ولكنني يجب أن اجتاز الاختبار بقوانينه الحرفية، حين عدت إلى البيت قارنت ترجمتي بترجمة أخرى للشاعر سعدي يوسف فكانت تختلف، وقارنت الثلاث ترجمات فوجدت فرقاً شاسعاً، لقد كانت فكرة الشاعر في القصيدتين الحرفيتين مقتولة تماماً. ألا يكفي هذا كمبرر لإعادة ترجمة الكتب المهمة لأكثر من مرة.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية