لندن – «القدس العربي»: نشرت صحيفة «إندبندنت» البريطانية تقريرا عن شاب ألماني من أصل تونسي قال إن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام غرر به ووعده بأربع زوجات وسيارة نخب أول فارهة. ونقلت الصحيفة لقاء تم مع إبراهيم بي من سجنه قوله إن التنظيم شك بولائه عندما اكتشف أنه عضو في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني وسجنه في زنزانة قرب جرابلوس القريبة من الحدود التركية التي وصل إليها صيف العام الماضي، ولكن الشخص الذي جنده من بلدته «وولفسبرغ» الألمانية تدخل ودافع عنه. ويعمل ياسين القصيفي، الشخص الذي جند عددا من المقاتلين من نفس البلدة حاليا كـ»قاض» في واحدة من محاكم الشريعة التابعة لتنظيم الدولة.
ولم يكن إبراهيم بي الذي وصل والداه إلى ألمانيا في السبعينات من القرن الماضي متدينا قبل سفره إلى سوريا، فقد تعاطى المخدرات وكان يدخن السجائر ويتناول الكحول. ولكن القصيفي وعده بحياة جميلة ليكتشفت لاحقا أنه تعرض لعملية «خداع» كبيرة من التنظيم. ووجد إبراهيم بي الذي عمل والده في شركة «فوكسفاكن» الألمانية الحقيقة المرة، عندما وجد نفسه في غرفة ملوثة بالدماء وأجبر على الاستماع لجاره وهو يقتل، حيث قطع رأسه ورميت جثته المدماة في زانزنة إبراهيم بي. وكلاهما اتهم بالتجسس لكن القصيفي أنقذ حياة السجين الألماني إبراهيم بي. ويزعم هذا أنه هرب عندما طلب منه التنظيم مرافقة جريح من مقاتليه لمعالجته في تركيا، ومن هناك ترك الجريح وهرب وسلم نفسه للسلطات الألمانية. وقال في تصريحات لصحيفة ألمانية إن السجن في ألمانيا أفضل من الحرية في سوريا.
نزع السحر عن التنظيم
وأخبر إبراهيم بي صحيفة «ساداتش زيتونغ» أن تنظيم الدولة لا علاقة له بالإسلام. ويرى باحثون أن قصة إبراهيم بي تصلح للكشف عن حقيقة الجهاديين في سوريا، حيث إنها تكشف عن الوهم الذي يبيعونه للشباب الغربيين. ويقدر عدد الجهاديين الألمان الذين يقاتلون في صفوف تنظيم الدولة بحوالي 700. ويرى البرفسور بيتر نيومان من المركز الدولي لمكافحة التشدد والعنف السياسي بـ «كينغز كوليج» – جامعة لندن أن «كل أوروبا كانت تنتظر العائدين (من سوريا) كي يكشفوا للإعلام عن وهم ما تسمى بالحرب المقدسة». ولا تختلف قصة إبراهيم عن قصص الكثير من الشبان الأوروبيين الذين دفعهم الحرمان والتهميش للتعلق بحبال الوهم خارج بلادهم، فقد كان أمام إبراهيم مستقبل زاهر عندما حصل على موقع في مدرسة «وولفسيبرغ جمنازيوم» وهي تشبه المدرسة الخاصة، لكنه لم يحصل على العلامات اللازمة واضطر للدراسة في المدارس الحكومية وانتهى للعمل في مجال التدليك الطبيعي. ولكنه وقع في حبال المجند القصيفي الذي نشط في مسجد من مساجد وولفسبيرغ، قبل سفره إلى سوريا. ويصفه إبراهيم بـ»الكذاب» ويزعم أنه وعده بوعود وهمية. وتأمل الحكومات الغربية أن تخدم قصص عائدين جربوا الحياة في ظل تنظيم الدولة الإسلامية كدرس لمن يفكر من الشباب الأوروبي المسلم السفر إلى سوريا.
وركزت خطة مكافحة التشدد البريطانية الجديدة على هذا البعد، فبريطانيا تعاني من المشكلة نفسها حيث يقدر عدد البريطانيين المشاركين في القتال بحوالي 700 وقتل منهم حتى الآن 50 شخصا. ويعتبر المتطوعون من دول أوروبا والشرق الأوسط ووسط آسيا بمثابة خزان للتنظيم، حيث تعبر غالبيتهم إلى سوريا من تركيا. ولكن دخول الأخيرة الحرب ضد التنظيم وملاحقتها للمتعاطفين معه وتشديد الرقابة على حدودها الطويلة أدى لانخفاض الأعداد القادمة من الخارج.
قرقميس هادئة
ورصدت صحيفة «واشنطن بوست» بمقال لها قبل يومين هذا الوضع. ففي تقرير أعدته إرين كاكينغهام من بلدة قرقميس قالت فيه إن الحدود الطويلة بين سوريا وتركيا سمحت لتنظيم الدولة كي يهرب المقاتلين والسلاح إلى مناطق «الخلافة» ولكن الوضع يتغير الآن حيث تقوم قوات الأمن بدوريات مستمرة على الحدود وأقامت سياجات عازلة لمنع النشاطات غير المشروعة. وبدأت السلطات التركية كما تقول باتخاذ إجراءات مشددة قبل أشهر والتي كثفتها في الأسابيع القليلة الماضية بعد قرار الحكومة في أنقرة الإنضمام للجهود الدولية ضد تنظيم الدولة. وتوصلت تركيا لاتفاق يسمح للطائرات الأمريكية استخدام القواعد الجوية وإنشاء شريط أمني داخل الحدود السورية والتي ستكون ملجأ للسوريين الهاربين من النظام ومحلا لتدريب قوات المعارضة السورية لنظام بشار الأسد. وفي حال طبقت بنود الاتفاق فستلعب تركيا دورا مهما في إضعاف التنظيم، خاصة أن أنقرة تملك ثاني أضخم الجيوش في حف الناتو. وقال رئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو ان الدور التركي الجديد «سيغير قواعد اللعبة في سوريا والمنطقة».
وأكد المسؤول التركي في الأسبوع الماضي أن لا مكان لتنظيم الدولة على الحدود التركية. وأشارت الصحيفة هنا للموقف التركي من الأزمة السورية، حيث سمحت بتدفق المقاتلين الراغبين بالمشاركة في المعارك ضد نظام بشار الأسد لينضم لاحقا عدد منهم لتنظيم الدولة الذي أوجد حضورا له في العراق وسوريا. وكانت السلطات التركية قد اتهمت الغرب بالتلكؤ عن مساعدة السوريين الذين تعرضوا للذبح والتشريد على يد قوات الأسد. ولكن الموقف التركي تغير ثمانين درجة عندما استهدف التنظيم الأراضي التركية ونفذ هجوما قتل أكثر من 30 شخصا في بلدة سروج.
ونقلت الصحيفة عن المحلل في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدني سونير شاغباتاي «كنا نعرف دائما ان مواجهة ستحدث بين تركيا وتنظيم الدولة وهو ما كنا نحذر منه». وأشارت الصحيفة للبعد الثاني في الحملة التركية وهو المخاوف من الأكراد الذين واجهوا تنظيم الدولة داخل سوريا وكانوا يدفعون باتجاه إقامة منطقة مستقلة لهم قريبا من الحدود مع تركيا وهو ما دفع تركيا لضرب مواقع حزب العمال الكردستاني المعروف باسم «بي كي كي». وفي الدور الجديد الذي تلعبه تركيا في سوريا أكدت أنها لن ترسل قوات برية إلى داخل سوريا لكنها ستدافع عن الشريط الأمني العازل باستخدام الأسلحة والمدافع طويلة المدى. وعبرت الولايات المتحدة بحسب مسؤوليها عن ترحيبها بالاتفاق مع تركيا الذي سيقصر مسافة إنطلاق الطائرات المغيرة على مواقع تنظيم الدولة. واعتبره مسؤول «تطور مهم في الحملة المستمرة ضد داعش». ومنذ آب (أغسطس) 2014 قامت الطائرات الأمريكية بـ5.000 غارة ضد تنظيم الدولة ووعدت بتقديم الدعم الجوي للمعارضة السورية، لكنها لم تنظر للشريط الأمني كمنطقة حظر جوي. وفي الوقت الذي نالت فيه تركيا مديحا لموقفها إلا أنها تواجه مخاطر من التورط عميقا في الأزمة التركية. ويعتقد شاغباتاي أن فرص استهداف تنظيم الدولة لتركيا أصبحت أكثر احتمالا.
يزرعون الألغام
ولاحظت الصحافية آثار التوتر على بلدة قرقميس التي لا تبعد سوى نصف ميل عن بلدة جرابلوس في الطرف السوري الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة. وتقول إن البلدة التي تعتبر معبرا يعج بالحركة أصبح مهجورا ومنذ عدة شهور. ويستمع السكان لأصوات قنابل الهاون وأزيز الطائرات التي تحلق في الجو، حيث طلب الجيش التركي من المواطنين المقيمين قريبا من الحدود مغادرة بيوتهم. وفي الساعات الأولى من الصباح يشاهد السكان رجالا بالزي الأسود وهم يزرعون الألغام على الجانب السوري من الحدود. وفي بعض الأحيان تمشي الشياه والكلاب فوق الألغام وتنفجر فيها، ما يعكر صفو الهدوء في البلدة.
ويخشى السكان من تسلل المقاتلين إلى داخل المناطق التركية، حيث يستمعون إلى أصوات الحفر والجرف الذي تقوم به الجرافات. وعبر أحد سكان البلدة أنه وبقية المواطنين يفضلون لو سيطر الجيش السوري على المناطق الحدودية داخل سوريا حيث يقيم منطقة آمنة. لكن الاستطلاعات تظهر أن غالبية الرأي العام التركي تبدي معارضة الغالبية لتورط أكبر في الحرب الأهلية السورية. وتأمل المعارضة السورية أن تجد تغطية لها من الطيران الأمريكي، خاصة أن عددا من سكان البلدة تحدثوا عن مخاوف الجيش السوري الحر من عبور نقطة قرقميس – جرابلوس.
غطاء جوي
وفي هذا السياق أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» إلى أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أمر باستخدام الطيران الأمريكي لتوفير الحماية للمقاتلين السوريين حال تعرضهم لهجوم من قوات النظام السوري ما يثير مخاوف من مواجهة أمريكية- سورية. ونقلت عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن القرار ينهي نقاشا حول الدور الذي يجب أن يلعبه الجيش الأمريكي لدعم حلفائه إن تعرضوا لهجوم داخل سوريا. وعبر العسكريون إن الدفاع عن القوات السورية المدعومة من البنتاغون قد تؤدي لمواجهة مباشرة مع القوات السورية. ومع ذلك يقلل المسؤولون الأمريكيون من مواجهة على الأقل في المستقبل القريب، خاصة أن القوى التي دربتها البنتاغون مكرسة لمواجهة تنظيم الدولة لا النظام السوري الذي لن يتصدى لهذه القوات، حسبما يعتقد بعض المسؤولين. ورغم أن المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، أليستر باسكي امتنع عن تقديم معلومات تفصيلية إلا أنه أكد على الخطوات الضرورية التي ستتخذها الولايات المتحدة «للتأكد من قيام هذه القوى بمهمتها بنجاح».
ولم تتعرض القوات التي دربها الأمريكيون للهجوم من نظام الأسد بل من جبهة النصرة التي اختطفت عددا من مقاتلي الفرقة 30 وقائدها العقيد نديم التركماني. ولم يتخرج من برنامج وزارة الدفاع الأمريكية سوى 60 معارضا سوريا حيث يرفض الكثير من الفصائل حرف اهتمامها عن قتال الأسد إلى تنظيم الدولة. ويرى المسؤولون أن وعد توفير الغطاء للمقاتلين السوريين قد يدفع عددا منهم للتسجيل في برنامج وزارة الدفاع الأمريكية. لكن هجوم جبهة النصرة يظلل الكثير من المشاكل التي ستواجه إدخال قوة إلى ساحة تعج بالفصائل المقاتلة. غير ان القواعد الجديدة للحرب تسمح للطائرات الأمريكية بالدفاع عن المقاتلين ضد النظام السوري وجبهة النصرة أيضا.
ونقلت عن مسؤول قوله «في العمليات الهجومية فهي موجهة ضد تنظيم الدولة ولكن في حالة تعرضهم لهجوم فسندافع عنهم ضد أي طرف يضربهم». وأضاف أن الولايات المتحدة لا تبحث عن فرص لمواجهة النظام «ولكننا اتخذنا عهدا للدفاع عن هؤلاء الأشخاص». وأكدت الصحيفة أن توفير الغطاء الجوي لن يتم توفيره إلا للجماعات التي تلقت تدريبها على يد الأمريكيين والموجودة الآن في شمال سوريا ولن تشمل القوى المعارضة في جنوب سوريا. وحتى الآن لم يتم استخدام القوة الجوية للدفاع عن المقاتلين السوريين ويأمل الأمريكيون أن لا يضطروا لاتخاذ قرار يضعهم في مواجهة مع قوات الأسد المدعومة من إيران وروسيا. وكانت جبهة النصرة قد هاجمت في العام الماضي جماعات سورية معارضة تلقى دعما من المخابرات الأمريكية، ونتيجة لذلك حرفت سي آي إيه جهودها لدعم فصائل في جنوب سوريا.
شركات التسلح
ولا تبدو نهاية في الوقت الحالي للحرب ضد الجهاديين وهو ما أدى لإثراء شركات صناعة السلاح. ففي تقرير لموقع «ديلي بيست» أعدته كيت برانين وفيه أشارت لزيادة الطلب على السلاح من شركات التسلح مثل لوكهيد مارتن التي تلقت طلبات لتصنيع ألافا من صواريخ «هيلفاير»، فيما تقوم شركة «أم أم جنرال» بتزويد العراق بـ160 عربة همفي جديدة، أما شركة «جنرال دايناميك» فهي مشغولة بتوفير ذخيرة للدبابات قيمتها بالملايين.
وتعتبر «أس أو أس» وهي شركة تملكها عائلة ومقرها نيويورك أكبر لاعب في العراق ولديها أكبر عدد من الموظفين الأمريكيين في العراق، بعد السفارة الأمريكية. ويعمل في مجلس إدارتها بول وولفوفيتز، نائب وزير الدفاع السابق وأحد مهندسي غزو العراق عام 2003 وبول باتلر، المساعد الخاص لوزير الدفاع السابق دونالد رمسفيلد. وبحسب الأرقام المنشورة على موقع الشركة فقد بلغت قيمة العقود التي وقعتها مع العراق هذا العام 2015 قيمة 400 مليون دولار أمريكي. وتضم عقدا بقيمة 40 مليون دولار لتقديم كل شيء من الوجبات الجاهزة إلى الإطفائيات والمواد الطبية. ومنح الجيش الأمريكي عقدا منفصلا للشركة بقيمة 100 مليون دولار لتقديم نفس الخدمات في قاعدة التاجي. وتتوقع وزارة الدفاع أن يستمر العقد حتى عام 2018. ويقول التقرير إن عدد القوات الأمريكية في العراق وصل منذ بداية الغارات الأمريكية العام الماضي إلى 3.500 جندي، ولكن ما لم تتم مناقشته هو عدد شركات التعهدات العاملة من أجل توفير الخدمات لهم.
وبحسب الجيش الأمريكي هناك 6.300 متعهد أمريكي يعملون في العراق اليوم يدعمون العمليات الأمريكية هناك. فيما تبحث وزارة الخارجية عن متعهدين لغويين وخدمات حراسة ومتعهدين أمنيين للعمل في منشآتها بالعراق. ومع أن الرقم يظل قليلا مقارنة مع 163.000 متعهد عملوا أثناء حرب العراق إلا أن عددهم في تزايد مستمر. ولأن الحرب ضد تنظيم الدولة قد تستمر لسنوات فإنها تمثل فرصة لشركات السلاح والمتعهدين الأمنيين خاصة أن فرص العمل بدأت تخف في أفغانستان. وتقول لورين ديكنسون المحاضرة في القانون بجامعة جورج واشنطن «تسمح لها بالظهور بمظهر من لا قوات برية على الأرض ولكنها تعطينا الفرصة لزيادة تأثيرنا». ولا تزال أفغانستان تمثل فرصة جيدة للمتعهدين المدنيين حيث ذكر تقرير للقيادة المركزية أن هناك 30.000 متعهد مدني يعملون الآن في أفغانستان، وهو عدد أقل مما سجل في العام السابق نفسه، أي نيسان (أبريل) 2014 حيث كان العدد 60.000 متعهد.
كما أن بيع السلاح للعراق يوفر فرصا للشركات كي ترسل مستشارين للعمل مع الجيش العراقي وقوات البيشمركة، حيث أرسلت شركة «أس أو أس» عددا من المستشارين العسكريين. وفي حزيران (يونيو) هذا العام حصلت على عقد بقيمة 700.000 دولار لتقديم مجموعة صغيرة من المشرفين والمستشارين الأمنيين ولمدة عام. وقد يتم تمديد العقد لمدة 4 أعوام إضافية وبقيمة 3.7 مليون دولار.
qal
إبراهيم درويش