عناية جابر ماذا تفعل فرنسا في مالي؟ تحارب الإرهاب المستشري في الساحل القريب جدا من أوروبا ومنع قيام ‘مالستان’؟ إعادة النظام والإستقرار الى جمهورية صديقة؟ إسترجاع الشمال المالي؟ باماكو؟ الدفاع عن الديمقراطية المهددة في هذه الجمهورية الراجفة؟ هكذا يقدم الإعلام الفرنسي عامة الموقف الرسمي من الحملة العسكرية التي باشرتها فرنسا في مالي. تحت هذه العناوين الساذجة يريد الإعلام اليوم أن يقنعنا نحن المجربين في ‘كذبة العراق’ الأميركية الكبرى حول أسلحة الدمار الشامل والدفاع عن ‘الديمقراطية’ في العراق بمصداقية الفرنسيين في حربهم الجديدة. ويجب الإعتراف مع ذلك أن تعقيدات الصورة الأفريقية لا تسمح للمواطن العادي أن يكوّن فكرته بوضوح وسهولة. حركات إسلامية معجونة بقبائل طوارقية معجونة هي الأخرى بعدد من عصابات التهريب التي تفرض الخوات على من تستطيع من خلال شبكة من العلاقات المشبوهة التي تقيمها جميع هذه التجمعات مع الدول المحيطة ومع الدول الخارجية كذلك. وعلى تعقيدات المشهد المالي جاءت عملية الرهائن في أهم محطة إنتاج للغاز على الحدود الجزائرية لتضيف تعقيداً الى التعقيد الموجود. أيا يكن الأمر فإن أسباب ما يحصل هناك لا يمكن أن يكون ‘دفاعاً عن حقوق الإنسان’ أو عن ‘المدنيين الآمنين’ الذين يتعرضون لحملة بربرية ‘لا سابق لها’. نعتذر فإن هذه الجمل الجميلة لم تعد تقنع أحداً بالرغم من الشحنة العاطفية الإنسانية النبيلة التي تحملها. وبدون الإدعاء في العلم معرفة فإن ما يجري لا يمكن فهمه بدون التوقف، على الأقل، عند عدد من العوامل التي سبقت الحدث. ففي تقرير بعنوان ‘على مشارف الاستراتيجية’ نشرته وزارة الدفاع الفرنسية في ابريل-نيسان 2012 نقرأ: ‘إن عالم الغد سيكون محكوما، رغبنا بذلك أم لم نرغب، بالشكل الذي ستأخذه العلاقة بين اميركا والصين’. وأزمة مالي المتعثرة لا يمكن أن تشذ حالياً عن هذه القاعدة. إنها أغلب الظن دولة فقيرة غنية وقعت بسبب ذلك وبسبب موقعها المهم ضحية هذا الصراع الدولي على التحكم بالمواد الأولية المهمة، اليورانيوم مثلا، والموجودة ربما في مالي وخصوصاً في محيطها المباشر كموريتانيا والنيجر والجزائر وغيرها. إضافة الى ذلك فإن حرب مالي الحالية لم تأتِ من عدم فقد تم التحضير لها عندما قامت ‘الأسرة’ الاوروبية بحجب المساعدات المالية في المرحلة الأولى مغرقين البلاد في فقر مدقع. حصار مالي تلاه فيما بعد حصار سياسي كامل شارك به الإتحاد الأفريقي كذلك ومنظمة الفرنكوفونية والمجموعة الإقتصادية لدول أفريقيا الغربية. بعض الحركات ‘الإسلامية’ المدعومة من بعض دول الخليج تولت، وفق بعض المعلومات الصحافية المنتشرة في الغرب، المساهمة على طريقتها في التحضير للديكور الحربي. فمن مزايدات لفظية مقصودة وتطرف مشبوه تزودت الحملة الفرنسية بما يلزم لتحضير الرأي العام الغربي لحملة عسكرية تحرر البلاد من ربقة ‘البرابرة الجدد’.في هذا الإطار تشير الباحثة في المركز الوطني للابحاث العلمية، وهو من أرقى معاهد الأبحاث الفرنسية، أيلين كلودو هواد، الى الدور المشبوه الذي يلعبه العلماني السابق الطوارقي آياد الغالي، المعروف بقيادة ثورة الطوارق الأزادية في عام 1990 والذي يقود حالياً تنظيم ‘أنصار الدين’ السلفي المعروف بارتباطاته السعودية. معلومة تؤكدها وتشدد عليها أيضا خبيرة الأمم المتحدة المعروفة السيدة ميراي فانون مندس فرانس التي تشكك بإسلامية بعض التنظيمات في مالي وتشير الى معلومات تؤكد تعاونها مع السعودية وقطر لحساب الامريكيين. أفريقيا، بثرواتها المتنوعة، تثير لعاب المتصارعين الدوليين. والأزمة المتفاقمة لبعض هؤلاء اللاعبين تدفعهم الى خلع القناع الحضاري والعودة الى سياسة الإحتلالات القديمة بدل الإكتفاء بالسيطرة الإقتصادية من الخارج. قديماً قيل الأمبريالية أعلى أشكال الرأسمالية لكننا اليوم نشهد بعد ليبيا ومالي حالة يبدو فيها الإستعمار القديم وكأنه عاد ليحتل مكان الأمبريالية.عواقب ما يجري في مالي اليوم لن تتوقف على هذا البلد الضحية حسب الخبراء في الشأن الأفريقي الذين يؤكدون أن الحدود المرسومة وفق خطوط مستقيمة وبدون أي نتوء هي حدود وهمية لن تستطيع مقاومة امتداد الحرب الى الدول الأخرى. فأفريقيا الغربية والسواحلية مهددة جميعها بألسنة هذه الحرب ابتداءً بموريتانيا ومروراً ببوركينا فاسو والجزائر وغينيا وساحل العاج وصولا إلى الصومال. ولهذا السبب بالذات قامت الجزائر بمحاولات مستميتة لرأب الصدع بين الحكومة المالية والمعارضين لها لكنها فوجئت بقيام حركة ‘أنصار الدين’ بهجوم غير مفهوم لاحتلال مدن جديدة. التركيز اليوم على العدو الإسلامي الظلامي في مالي يثير الريبة لا سيما وأن فرنسا ذاتها وأميركا كذلك تدعمان في الوقت عينه وبدون حساب الحركات الإسلامية في دول الربيع العربي وفي الخليج أيضاً.ولم يمر وقت طويل لكي ننسى دور الحركات الإسلامية التي دعمتها السعودية وأميركا في إفغانستان لحرق سفن الإتحاد السوفياتي في زمانه. ما يثير التساؤل أيضا هو تزاوج إنتاج العدو النموذجي بين الخارج والداخل. فالظلامي الإرهابي، المهرب للمخدرات والسارق والنشال وحارق السيارات في الغرب هو هو الإسلامي في الخارج، كما يظهر من خلال الخطاب الرسمي المتكرر مؤخراً على ألسنة السياسيين والنخب السلطوية في دول أوروبا. ‘شيطنة’ الإسلامي واستعماله كأداة في الوقت ذاته ، في الداخل، لتعبئة الناس ضد ‘العدو الأكبر’ في زمن البطالة والأزمة الإقتصادية الخانقة، وفي الخارج لتبرير التدخل العسكري بحجج إنسانية وأخلاقية، ترجمة لأزمة غرب بنيوية’عميقة بدأت تدفعها ربما نحو مشاريع حروب مخيفة. qlaqpt