الابتعاد التدريجي عن الإسلام الأصيل كان من مميزات تلك الحقبة بين أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، وبدا للمسلمين في ذلك العصر أن قرون الخير نضبت وأن مشكاة النبوة خبت.
في ذلك الوقت أو قبله بقليل بدأ ظهور مثقفين جدد غير تقليديين، ينطلقون من ترجمات حديثة لكتب فلسفة قديمة مستفيدين من عزم الخلفاء على تحديث المجتمع باصطحاب الثقافات الأوروبية. هذه الكتب التي كانت من نتائج عصر الفتوحات الأولى، سمحت لجيل المثقفين الجديد بإعادة قراءة النصوص المقدسة وإعادة تفسيرها بما يتناسب مع حجج المنطق وفلسفة الكلام، وكان من نتائج ذلك ظهور مذاهب جديدة لا تعتمد على التفسير التقليدي السلفي وحده، بل تتعداه لتأخذ بالرأي والبرهان والحجة العقلية في كل الأمور، بما فيها جوهر العقيدة والشريعة.
التيار الأبرز هنا كان تيار المعتزلة، الذي تأثر به الخليفة المأمون، إضافة لتيار الرفض الذي استند إلى مشتركات كثيرة معه، وبدأ تنظيره بقوة في مسائل الإمامة والولاية والرجعة، وإعادة قراءة الدين الإسلامي على ضوء ما يعتبرونه حدث من أخطاء في التاريخ والتفسير. لكن تيارات أخرى نشأت مستفيدة من جو الحرية الجديد، منها ما يضمّن في كلمة «الباطنية» وهو كل تيار يفسر القرآن والأحاديث بحسب ما يراه معنىً باطنياً لم يصل إليه سواه، ومنها ما هو إلحاد تام أو زندقة، بحسب تعبير ذلك العصر، وإن كان أقل جهراً وشيوعاً من غيره.
في كتب التاريخ السنية أوصاف قاتمة لتلك الفترة من فترات التاريخ، فهي وإن كانت ما تزال «حكماً إسلامياً» وخلافة جامعة، إلا أن انتشار هذه الأفكار الدخيلة والبدع المرتبطة بعقائد الناس أفسد الكثير من أخلاق الناس، الذين لم يكن لهم حول ولا قوة وهم يرون المعتزلة وغيرهم من الفلاسفة، وقد مُهد لهم الطريق من أجل محاولة «تجديد الخطاب الديني»، على طريقتهم وعلى طريقة ولاة أمرهم.
ولاة الأمر كان لهم قصب السبق في كل ذلك، فهم لم يمهدوا الطريق فقط، بل تبنوا صراحة الأفكار الجديدة. نعم، المأمون والمعتصم والواثق كلهم كانوا بلاء على الإسلام، وهم يعملون على نصرة المعتزلة وتبني أقوالهم، خاصة في ما ذهبوا إليه من القول بخلق القرآن. المأمون الذي أجبر الناس على اعتقاد ما يعتقده المعتزلة ومنع المناصب إلا لمن يتفق معه جملة وتفصيلاً، بدأ حملة لإجبار الناس، خاصة العلماء والفقهاء والدعاة، على انتهاج ذلك بالقوة.
التناقض هنا هو ذلك التحالف بين تيار يعتبر حتى اليوم عند بعض المثقفين مثالاً للجرأة الفكرية والتنوير، وحاكم يقتنع بأن هذا التنوير يجب أن يفرض بالقوة والإرهاب، وأنه لا مكان في دولته «الحديثة» لمن لا يتفق معه حول ما ذهب إليه.
ماذا كان موقف العلماء من ذلك؟ كانت فتنة كبيرة بلا شك، ولم يكن يستطيع الصبر عليها إلا من أوتي إيماناً كبيراً وقوة، ولذلك فقد تساقط الغالب من العلماء مؤثرين عدم مخالفة الحاكم ومفضلين السلامة، في حين بقي آخرون على الحياد لا تستطيع أن تفهم عن آرائهم شيئاً، فلا هم بالمعارضين ولا بالموافقين، وظل قليل على منهجهم رغم كل شيء، ثم بقي منهم واحد لم ترعبه التهديدات ولم يخفه موت أحد رفاقه مكبلاً في الطريق الطويلة إلى المأمون. كان ذلك هو الإمام أحمد بن حنبل.
الإمام أحمد الذي نمر على اسمه ببساطة ضمن كتب الفقه والتراث، كان بحق شعلة حقيقية أضاءت ذلك العصر، ومثالاً يحتذى في الصبر والصمود والثبات على المبادئ. التعذيب الذي تعرض له هذا العالم الجليل في عهد المعتصم يحتاج لمقالات عدة من أجل التذكير بتفاصيله، حيث تم تقييده وحبسه لأكثر من ثلاثين شهراً، وكان لا يفك القيد عن قدميه حتى للصلاة والنوم. ثلاثون شهراً من العذاب ومن تزايد القيود ومن الجلد المتواصل. إذا كنا اليوم نعتبر بلال بن رباح، رضي الله عنه، مثالاً للقوة والجلد، ونحن نذكر كلمته المختصرة إبان حر التعذيب: «أحد.. أحد..»، فإن علينا أن نذكر بفخر أيضاً ذلك الشيخ الأسمر الصامد، وهو يراهم وهم يبحثون عن سياط أقوى من أجل أن تكون أكثر إيلاماً، فلا يفعل سوى ترديد كلمات الحمد والحوقلة والاحتساب، فيجلد حتى يتعب الجلادون، بل حتى يغمى عليه. وقد وثّق التاريخ كلمة لأحد الجلادين قال فيها: لقد ضربت أحمد ثمانين سوطاً لو ضربتها فيلاً لهدته.
بلغ الضيق مداه حتى تمنى الإمام أن يتهور أحد الجلادين فيزيد في تعذيبه حتى يموت، أو أن يقوم آخر بطعنه بسيف أو رمح، لكن ذلك لم يحدث، حيث كان القصد هو الاستمرار في التعذيب، لأنه وكما قال أحد مستشاري المعتصم، «إن قتل أو مات قال الناس: صبر حتى قتل»، لكن الدهاء اقتضى أن يتم اخراجه وهو بين حي وميت من زنزانة التعذيب، حتى لا يلبث أن يموت في منزله وينتهي أثره.
كان صبر الإمام أحمد كبيراً، وهو يحرص على ألا يشمت به أعداءه ولا شك أن الطبيب الذي أتاه ليعالج جروحه استغرب صموده ولسانه الذي لا يمل من ذكر الله حتى في أحلك المواقف.
من مظاهر قوته المعنوية أنه كان يصر على متابعة عادته القديمة في مداومة الصيام حتى وهو تحت التعذيب، وفي أضعف حالاته، حتى أن جلاده القاسي نفسه طلب منه يوماً أن يفطر فرفض. المحنة لم تنته بوفاة المعتصم فقد كان خليفته الواثق بمثل جرأة من هم قبله وحرصهم على نشر مذهبهم وفرضه، لكنه بدلاً من التعذيب اكتفى بفرض إقامة جبرية على الإمام أحمد، محولاً داره المتواضعة إلى سجن لا يدخله أحد، ولا يتمكن الإمام من مغادرته حتى للصلاة، ليبقى الأخير على هذا الحال حتى تولى الخلافة المتوكل، الذي أعاد الأمور إلى نصابها ورفع الظلم عن المظلومين وعلى رأسهم إمام أهل السنة الذي عاد مرة أخرى لدروسه وطلابه.
هنالك عدة نقاط يمكن أن تدور بخاطر من يسترجع تلك الأحداث، أولها هو السؤال عما كان يدور بعقل ذلك الحاكم وهو يشرف على تعذيب رجل لم يعرف عنه إلا الخير، ولم يسخر حياته إلا لطلب العلم والحديث والسنة حتى أنه جمع، بمعنى حفظ، أكثر من مليون حديث.
أولئك الخلفاء لم يكونوا عملاء لدولة أجنبية ولم يتهمهم أحد بذلك، حيث أن نظرية المؤامرة لم تكن قد ظهرت بعد، لكنهم كانوا يؤمنون حقاً بفساد الإمام أحمد وما يشكله من خطر على دولتهم، وهو ما يشبه إلى حد كبير ما قاله فرعون وهو يعلن حربه على موسى عليه السلام وجماعته: «وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أو أن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ». نقطة ثانية وهي أيضاً مهمة تتلخص في السؤال: لماذا لم يساير الإمام أحمد جلاديه طالما أن قلبه مطمئن بالإيمان وطالما أن الإكراه عذر مقبول شرعياً..؟
لقد سأله أحد المشفقين فعلاً هذا السؤال فما كان منه إلا أن طلب إليه أن يخرج وينظر إلى الناس. في الخارج كان مئات من طلبة العلم يمسكون بكتبهم وأوراقهم وينتظرون ما يفتي به شيخهم ليدونوه.
هنا علم ذلك المشفق ألا خيار أمام الإمام، فهو ليس مجرد أحد من الناس، بل هو رجل صار رمزاً للدين وللسنة ولهذا، ربما أمده الله بكل تلك القوة وذلك الصبر الذي حيّر أعداءه.
هي رسالة ماضية لعلماء السلطان الذين يتبرعون بالفتاوى التي تدعم الظالمين والذين يساندون كل حاكم بحجة الخوف والمداراة والتقية. وكما قال غير واحد من الرواة: لولا صبر الإمام أحمد لضاع الدين وتبدل، وهكذا أيضاً وفي كل مكان وزمان فإنه لولا صبر المخلصين الصادقين على ما يلقون في سبيل الحق لضاع الحق ولتفرقت السبل بالمؤمنين ولعلا صوت الباطل للأبد.
نقطة أخيرة لا مجال للتعليق عليها هنا، وإن كان من المهم التذكير بها، هي أن المعتصم الذي ورد ذكره أعلاه، والذي كان يشرف بنفسه على جلد وتعذيب الإمام أحمد، بل أنه جلده بيده مرات، هذا المعتصم هو نفسه الذي نحفظ من سيرته أنه قد سيّر جيشاً من أجل الثأر للمسلمة التي استنجدت به قائلة في صرختها المشهورة: وا معتصماه..!
نعم.. التاريخ لا تنقضي عجائبه.. ولا تناقضاته..!
٭ كاتب سوداني
د. مدى الفاتح