الصراع على قوانين الإرهاب

حجم الخط
0

العملية في قرية دوما في نهاية الاسبوع، التي اعتبرها رئيس الحكومة عملية إرهابية بكل معنى الكلمة، دفعت الأجهزة الأمنية إلى المسارعة إلى سن قانون جديد لمكافحة الإرهاب، العالق في دواليب البيروقراطية في الكنيست منذ بضع سنوات. القانون يهدف بداية إلى اجراء اصلاح حقيقي في صلاحيات جهاز الأمن العام «الشباك» في الصراع ضد الإرهاب الفلسطيني. صائغو القانون لم يوجهوه ضد نشطاء الإرهاب اليهودي، رغم أنه لا يميز بين الإرهاب اليهودي والعربي. احراق بيت عائلة دوابشة قلص الفجوة في معاملة الاجهزة الامنية بين الإرهاب اليهودي والإرهاب الفلسطيني الامر الذي قد يؤثر في تطبيق القانون في المستقبل.
اقتراح قانون مكافحة الإرهاب الذي تمت المصادقة عليه بالقراءة الاولى في الكنيست السابقة، يشمل كل القوانين التي تختص بالإرهاب في قانون واحد ويستبدل قانونا للانتداب سيتم الغاء جزء منه، وهو يشمل تغييرا حقيقيا على كل مستويات مكافحة الإرهاب ـ بدءا بتشديد العقوبة من خلال تعريف الإرهاب وتغيير معايير اثبات التحريض على الإرهاب ومنع التضامن مع منظمة إرهابية وتغييرات في صلاحية شهادات لا يتم اعطاءها في المحاكم وحتى تحويل الصلاحيات المؤقتة إلى ثابتة مثل استخدام الاعتقال الاداري.
حتى الآن لم يطلب «الشباك» من وزارة العدل الموافقة على اعتقال اداري لنشطاء اليمين، الامر الذي يسمح باعتقال شخص لفترة متواصلة بناءً على مواد سرية ودون محاكمة تُمكنه من الدفاع عن نفسه.
وقد اكتفى «الشباك» باصدار قرارات تقييد الحركة التي تمنع البقاء في منطقة معينة. في وزارة العدل يتحدثون عن عشرات الأوامر التي صدرت في السنوات الاخيرة. وبعد العملية في يوم الجمعة توجه «الشباك» إلى المستشار القانوني للحكومة وقال إنه حان الوقت لاستخدام الاعتقال الاداري ضد نشطاء اليمين الذين توجد عنهم معلومات استخبارية، لكن لا توجد أدلة كافية لمحاكمتهم. المستشار القانوني للحكومة وافق مبدئيا على استخدام هذه الصلاحيات على ضوء التوقيت الحساس، لكن كل حالة تُدرس على حدة. وقد شكلت الوزارة ايضا جهازا قانونيا يُمكن من تطبيق أوامر تقييد الحركة مع أغلال الكترونية بناءً على طلب «الشباك».
صلاحية الاعتقال الاداري ضد نشطاء الإرهاب اليهودي توجد في القانون الاسرائيلي في اطار أوامر الطواريء. القانون الجديد لمكافحة الإرهاب يهدف إلى استبدال هذه الأوامر حيث أن استخدام الاعتقال الاداري مثلا لا يكون مشروطا باعلان حالة الطواريء، التي هي قائمة منذ قيام الدولة. القانون، القديم ـ الجديد، يتطرق للمواطنين الاسرائيليين (وليس الفلسطينيين الذين يسري عليهم القانون العسكري)، عربا ويهودا، ويمنح وزير الدفاع صلاحية الاعتقال الاداري. ويقوم رئيس المحكمة المركزية بالاطلاع على الأدلة خلال 48 ساعة، وتبقى هذه الأدلة سرية أمام المشبوه، ويُطلب من القاضي الموافقة على الاعتقال الاداري لفترة اقصاها ستة اشهر قابلة للتمديد.
في جمعية حقوق المواطن يحذرون من أن القانون الجديد يحاول «تطبيع» (جعله طبيعيا) استخدام هذه الأداة الاستثنائية. «هناك خوف كبير وحقيقي من أن تترسخ هذه الصلاحيات في وعي الجمهور كأدوات عادية وليست للحالات الاكثر استثنائية». كتبت الجمعية في رسالة موجهة إلى اللجنة الوزارية للتشريع. «المحكمة ليست فقط أداة رسمية بل ايضا جهاز تربوي، وهي تشكل المعايير والقيم المقبولة على المجتمع». ومع ذلك فان القانون الجديد يحدد بدائل أقل ضررا من الاعتقال الاداري مثل أوامر تقييد الحركة التي ستستند ايضا على المواد السرية.
قانون الإرهاب تقدم على خلفية الانفصال، بعد أن اشتكى «الشباك» من أن الحكم العسكري في غزة أُلغي، واضطر إلى استخدام القانون الاسرائيلي والاكتفاء بعرض المشبوه أمام المحكمة خلال 24 ساعة. عندها تم سن قانون مؤقت يُمكن من تمديد اعتقال المشبوه بتهم أمنية بدون وجوده أو اعتقاله مدة 96 ساعة بدون اذن المحكمة. القانون الجديد يحول القانون المؤقت إلى دائم.
تبلور القانون خلال فترة المستشار القانوني السابق للحكومة مني مزوز واستمر مع المستشار القانوني الحالي يهودا فينشتاين، بتركيز من قبل مساعده راز نزري. وزيرة العدل السابقة تسيبي لفني دفعت القانون، وأعلن الكابنت قبل سنة ونصف عن نشاط «شارة الثمن» كتنظيم محظور. وامتنع الكابنت عن تسمية «شارة الثمن» منظمة إرهابية، رغم أنه من الناحية الجوهرية لا يوجد فرق في الأدوات التي يملكها «الشباك» ضد تنظيم إرهابي أو تنظيم محظور.
الاعلان عن تنظيم محظور مكّن «الشباك» من منع المشبوهين اليهود من الالتقاء مع المحامي وعزلهم عن محيطهم.
حتى حل الكنيست السابقة كانت هناك 11 جلسة في لجنة الدستور حول القانون الجديد. وقد حضر نزري هذه الجلسات وكان احيانا مدعوما من ممثلي «الشباك»، وحاول اقناع اعضاء الكنيست بأهمية القانون. عندما أشارت عضوة الكنيست ميراف ميخائيلي (المعسكر الصهيوني) في احدى الجلسات إلى أن القانون يوسع تعريف التنظيم الإرهابي لدرجة تسمح بمحاكمة مربيات في رياض الاطفال يعلمن أغنية تؤيد حماس بطريقة غير مباشرة، انتفض نزري وطلب أن تُبين له كيف يجب العمل ضد الإرهاب اليهودي. «إن أخذ الامر إلى اماكن رياض الاطفال ونقطة الحليب استخفاف بالأمر». أجاب «اذا كان هناك تنظيم يسيطر على رياض اطفال يتم فيها تعليم مباديء «شارة الثمن» و»كهانا حي» فهل ستقولين لي إن هذا توسيع زائد؟ ولن تسألي لماذا هذه منظمة إرهابية؟ أنا على يقين من أنك ستقولين هذا. أتوقع من الجميع النظر إلى الامر من جميع الاتجاهات». وحينما اعتقدت زهافا غلئون أن اقتراح القانون هو أمر مبالغ فيه، كشف نزري عن أن «الشباك» ايضا يتحفظ من القانون حيث أراد اضافة امور اخرى. أما المستشار القانوني فقد حاول عمل توازن في الامر.
خلال الـ 11 جلسة انتهى اعضاء الكنيست فقط من نقاش البند الاول لاقتراح القانون من اصل 134 بندا. البند الذي يوسع تعريف «العمل الإرهابي»، «المنظمة الإرهابية» و»التنظيم الإرهابي»، يحظى بالانتقاد من منظمات حقوق الانسان. حسب القانون الجديد هناك ثلاثة شروط تراكمية لاعتبار عمل أنه إرهابي. الاول، تم على خلفية سياسية، ايديولوجية أو دينية أو عنصرية. الثاني، تم لاثارة الرعب والخوف عند الجمهور أو اجبار الحكومة على فعل شيء ما أو عدم فعله. الثالث، العمل أو التهديد بعمل يتسبب بأضرار شديدة وحقيقية بما في ذلك الاضرار بحياة الناس أو الممتلكان أو الاماكن الدينية.
التعريف الجديد يُمكن من اعتبار مجموعة من الاشخاص تنظيما إرهابيا. صائغو القانون أرادوا أن يشمل التعريف ما يسمى «التنظيم الاحتوائي»، وهو التنظيم الذي لا يقوم بالاعمال الإرهابية بنفسه بل هو يقوم بتقديم الخدمات الانسانية. ولتفسير اقتراح القانون هذا يُطرح مثال تنظيمات الدعوة التي تشجع نشاط حماس وتشكل الشبكة الاجتماعية لها بواسطة تشغيل مؤسسات التعليم وتوزيع الغذاء والملابس والعلاج الطبي واحتضان عائلات القتلى والاسرى في السجون الاسرائيلية.
في جمعية حقوق المواطن يعتقدون أن الحديث يدور عن تعريف شامل «اعطاء صلاحيات واسعة للاعلان عن تنظيم كتنظيم إرهابي دون دراسة كل حالة وفحص العلاقة الواضحة بين نشاط التنظيم وبين الإرهاب الذي يريدون منعه ـ يوسع الدائرة الجنائية بشكل غير معقول، وقد يلحق الضرر بالنشاط الاجتماعي المشروع»، جاء في موقف الجمعية الذي كتبته المحامية ليلى مرغليت.
ايضا تعريف عضو التنظيم الإرهابي واسع وسينطبق على «من وافق على الانضمام إلى تنظيم إرهابي، ومن يتم الاشتباه بعضويته في تنظيم إرهابي».
وحسب رأي المستشار القانوني للجمعية، دان يكير «اقتراح القانون يعطي تعريفا واسعا جدا لسؤال من هو إرهابي وما هو العمل الإرهابي، حيث أن مواطنين قد يُتهمون بالإرهاب دون وجه حق. ومكافحة الإرهاب الفعالة للإرهاب اليهودي والفلسطيني يجب أن لا تتم بأدوات مبالغ فيها واستغلال الصلاحيات بطريقة سيئة. مثلا إذا كان شخص ما عضو في المنظمة التي قتلت في قرية دوما، لكنه ترك المنظمة منذ فترة، فان اقتراح القانون سيطلب منه الدليل على تركه المنظمة. كيف سيثبت ذلك؟».
عموما القانون يقوم بترسيخ وترتيب صلاحيات كبيرة توجد في القانون الاسرائيلي، لكنه يحمل في طياته تغييرات بعيدة المدى مثل الأعمال التي تعبر عن التضامن مع منظمة إرهابية من خلال المديح والتأييد والتشجيع، رفع الأعلام، عرض مسرحي أو دعاية، واسماع أو نشر شعار أو نشيد، في حين أن الامر يتم بشكل علني، وهذا بخلاف القانون البريطاني الذي يشدد على التأييد الفعال وليس التضامن فقط. الصيغة الاسرائيلية لا تتطلب وجود النية لدى الشخص لمساعدة أو تأييد التنظيم.
حسب اقوال د. عمير فوكس من المعهد الاسرائيلي للديمقراطية: «المخالفة تسمح بحبس كل من يلبس قميص يخص حماس مدة ثلاث سنوات حتى لو حصل عليه من العائلة وهو لم ينوي تأييد التنظيم». وحول مخالفة منع التحريض على الإرهاب، الموجودة اليوم في القانون، قيل إنه يكفي اثبات وجود احتمال معقول بأن نشر التأييد أو التشجيع على العمل الإرهابي، سيؤدي إلى تنفيذ هذا العمل. هذا بدل الصيغة الحالية التي تستوجب اثبات «الاحتمال الحقيقي».
القانون يتشدد ايضا ضد من يساعدون في عمل إرهابي، ويمكن محاكمة من يساعد عن طريق الاهمال أو النقل أو النوم أو الاموال أو الملابس أو وسائل الاتصال وغيرها. حسب القانون الجنائي اليوم فانه من اجل اثبات أن الشخص قدم مساعدة يجب اثبات أنه كان يعرف عن ذلك، ويعرف من أراد تنفيذ المخالفة. القانون الجديد يشدد العقوبة للمساعد بنفس قدر العقوبة للمنفذ بدلا من نصف الفترة التي يحددها القانون الحالي. وبشكل عام فان القانون الجديد يضاعف العقوبة على الاعمال الإرهابية لتصل إلى 30 سنة سجن.
تغيير دراماتيكي في القانون يتعلق بالشهادات، حتى لو لم يقدموا الشهادة في المحكمة، وهنا يكون الاستثناء للقانون القائل إن شهادات التسجيل ليست مقبولة في المحكمة. وحسب الاقتراح الجديد فمن حق المحكمة الحصول على شهادات مكتوبة في حال عدم القدرة على احضار الشاهد. صحيح أن القانون يقول إنه لا يمكن ادانة شخص على خلفية شهادة كهذه، لكنها ستكون دعامة للأدلة مثل الاعتراف. وحسب د. فوكس «هذا سيسبب الضرر لقدرة الناس على الدفاع عن أنفسهم، ويمنع احضار الشاهد إلى المحكمة. أدوات من هذا النوع تضر بالشرعية الجوهرية اثناء محاكمة متهمين بالإرهاب». فوكس يخشى من الانزلاق حيث أنه «سيأتي يوم يطلبون فيه أن يسري القانون على مخالفات أخرى».

ريفتال حوفيل
هآرتس 4/8/2015

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية