ابراهيم درويش لندن ـ ‘القدس العربي’ السجائر والكوكايين بضائع تعتمد عليها الجماعات الجهادية في الصحراء الافريقية لتمويل عملياتها اضافة الى تجارة الاختطاف هذا ما تقوله تقارير بريطانية وتصريحات مسؤولين امريكيين وغربيين. فمنذ العملية في منشأة عين اميناس الجزائرية والتي انتهت نهاية دموية، يجري الحديث عن علاقة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي بتجارة التهريب. ويدور الحديث عن تجارة مربحة ومليارات من السجائر تهرب سنويا للاستهلاك المحلي واطنان من الكوكايين القادم من امريكا اللاتينية والعابر للصحراء الى اوروبا، حيث يقول خبراء ان سوق الكوكايين تضاعف اربعة اضعاف خلال السنوات الماضية. وتقوم الجماعات الجهادية بفرض ‘ضرائب’ او اتاوات على القوافل العابرة للمناطق التي تسيطر عليها، واحيانا تأمين نقله. وادى ازدهار التجارة وكثرة اللاعبين فيها الى حروب من اجل السيطرة عليها. وفي مركز هذا الحديث برز اسم مختار بلمختار زعيم جماعة الملثمون او الموقعون بالدم التي اعلنت مسؤوليتها عن العملية في منشأة عين اميناس والذي ترى تقارير انه تحول من هامش في كتاب تاريخ الحركات الجهادية في منطقة الساحل والصحراء الى مطلوب دولي رقم واحد. فقبل ان يملأ بلمختار الملقب باسم ‘مستر مالبورو’ السمع والبصر كان شخصا مجهولا للاستخبارات الامنية التي تراقب تحركات الجهاديين في منطقة الصحراء الافريقية. ولم يكن الرجل مهما في الخريطة السياسية الجهادية في المنطقة. لكن بلمختار الذي قاتل في افغانستان وفي صفوف الجماعة الاسلامية للدعوة والقتال في الجزائر وفي صفوف تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي كان رجلا طموحا. ففي عام 2003 خطط وبنجاح لاختطاف 23 سائحا اوروبيا، والفدية التي حصل عليها كانت رأسمال الذي كان بحاجة اليه لبناء تجارته المربحة عبر الطريق القديم الذي استخدمه الطوارق لنقل الملح والذهب من قلب القارة الى ساحل البحر الابيض المتوسط عبر تبمكتو. وعلى خلاف انسبائه الطوارق، حيث تزوج عددا من بنات شخصيات بارزة منهم، فقد صنع بملختار مملكته المالية من تجارة السجائر ولهذا السبب عرف باسم مستر مالبورو. وبحسب خبير نقلت عنه صحيفة ‘اوبزيرفر’ البريطانية فبلمختار لم يكن شخصية مهمة في تنظيم قاعدة بلاد المغرب الاسلامي و ‘كان شخصية مختلفة عن بن لادن’. ويقول مورتن بواس مؤلف كتاب ‘ حرب العصابات الافريقية’ والباحث في جامعة اوسلو ان بلمختار كان شخصية براغماتية همه ملأ جيبه بالمال اكثر من الجهاد. ومن هنا يتساءل مراقبون ان كانت عملية الجزائر الاخيرة التي قام بها بملختار محاولة منه لاظهار التزامه بفكر الجهاد بعد ان طرد من التنظيم العام الماضي لتوصل قادة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الى ان ‘مستر مالبورو’ مهتم بالمال اكثر من الجهاد. وفي هذا السياق يقول بواس ان ‘ايام بلمختار كمهرب قد انتهت’، لان اي مهرب لن يقترب منه لمعرفته انه سيكون في مدى هدف الطائرات الامريكية الموجهة.السجائر والارهابومهما يكن حال بلمختار فالحديث الان يدور عن دور السجائر في دعم الارهاب ومسؤولية شركات التبغ العالمية بتغذية عمليات التهريب وان بشكل غير مباشر. والسائد الان ان تجارة وتهريب السجائر قد لعبت دورا مهما في تمويل العمليات الارهابية عبر الصحراء وهو دور لم يلتفت اليه احد من قبل. ولكن مجموعة دولية للتحقيقات الصحافية قامت باجراء مقابلات مع مسؤولين امنيين وخبراء وتوصلت الى ان تجارة تهريب السجائر اسهمت في تمويل الكم الاكبر من عمليات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي. ويقول التقرير ان من الجماعات التي تعمل تحت مظلة التنظيم هذا هي انصار الشريعة الليبية التي يعتقد انها وراء قتل السفير الامريكي في بنغازي، خريف العام الماضي وان تهديداتها كانت وراء طلب دول غربية من رعاياها مغادرة مدينة بنغازي.وتقدر تجارة السجائر غير الشرعية بحوالي مليار دولار امريكي، فيما ويقدر مكتب المخدرات والجريمة التابع للامم المتحدة ان الافارقة يستهلكون 400 مليار سيجارة يتم شراء 60 مليار منها من السوق السوداء. ومن مجموع السجائر المستهلكة في افريقيا يدخن مواطنوا دول شمال افريقيا ـ تونس والجزائر وليبيا والمغرب- نسبة 44% من الحجم الكلي المستهلك في افريقيا. وفي ليبيا وحدها فان ثلاثة ارباع من السجائر المعروضة في الاسواق والاكشاك هي من السوق السوداء.حروب العصابات وعليه فان محاولة السيطرة على تجارة الممنوعات ادت الى حرب بين بملختار والجماعات الاخرى في تنظيم القاعدة اضافة الى مسؤولي الامن والجيش المرتشين والطوارق والذين حاول كل طرف منهم احتكار هذه التجارة المربحة. ويقول التقرير ان بعض السجائر المهربة عبر الصحراء هي مزيفة ومصنعة في الصين وفيتنام والاخرى حقيقية، حيث يتم اعدادها في دول المنطقة من خلال شبكة من الوسطاء والشركات بعضها مسجل في دول تعتبر ملجأ امنا للهاربين من دفع الضرائب. وفي العادة ما تصل السجائر للصحراء عبر دول غرب افريقيا- غانا وبنين وتوغو، اما الطريق الاخر فهو عبر غينيا حيث يزيد حجم الوارد منها طلب السوق ويتم نقل السجائر منه بالبر الى مالي او عبر نهر النيجر. وهناك طريق ثالث في موريتانيا، يورد السجائر للاسواق في المغرب والجزائر. ويستفيد بلمختار او تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي من هذه التجارة، اما من خلال فرض الاتاوات على القوافل التي تحمل السجائر لتأمين الحماية لها او نقلها عبر شاحنات ودراجات نارية. وفي العادة فالسجائر المهربة الى الاسواق الافريقية ليست عالية الجودة بل من الانواع الرخيصة التي تقوم شركات السجائر العملاقة بانتاجها كي تباع في الدول النامية في محاولة منها لايجاد موطىء قدم لها في هذه الدول. مسؤولية شركات التبغ ادى هذا الوضع لطرح اسئلة عن دور شركات صناعة التبغ العالمية التي تلعب دورا وان كان غير مباشر في ملء خزائن الجماعات الخطيرة كجماعة بلمختار. ويشير التقرير الى ان وثائق الشركة البريطانية ـ الامريكية للتبغ في افريقيا استخدمت شركة سوربيكس مقرها في دولة ليختنشتاين الملاذ الضريبي، كموزع رئيسي لمنتاجاتها في القارة، حيث اظهرت الوثائق التي تعود الى ثلاثة عقود ان الشركة هذه وفرت غطاء لعمليات سرية، مع ان سوربيكس تقول انها ضد كل انواع التهريب، ونفس الامر اتهمت شركة رينولودز التي تصنع سجائر وينستون في عام 2002 ببيع السجائر للعراق في انتهاك واضح لحظر التعامل التجاري مع العراق، حيث تم تهريب السجائر هذه عبر مقاتلي حزب العمال الكردستاني ـ بي ك كي، وقالت الوثائق ان السجائر كانت تشحن من امريكا الى اسبانيا ومن ثم الى قبرص فتركيا فالعراق.وفي العام الماضي قام الاتحاد الاوروبي بالتحقيق في نشاطات شركة تبغ يابانية التي اتهمت بتصدير السجائر لشركة سورية مرتبطة بالنظام عبر اسبانيا وهو ما نفته الشركة. ويقول الخبراء ان نشاطات تهريب السجائر تدعم نشاطات اخرى لتهريب المخدرات والرقيق والنفط لكن تهريب السجائر يعتبر الاقل خطورة ولهذا لا تهتم سلطات الامن في الدول بملاحقتها كما تلاحق تهريب المخدرات.ولهذا السبب تقوم الجماعات المسلحة باستغلال التجارةـ فالمكتب الامريكي لملاحقة تهريب المخدرات والكحول والاعيرة النارية والمتفجرات توصل الى ان الجيش الايرلندي الحر حقق 100 مليون دولار من تهريب المخدرات في الفترة ما بين 1999-2004 .المخدرات في بريطانيا و’القاعدة’من جهة اخرى قال تقرير لصحيفة ‘صاندي تلغراف’ ان المخدرات التي تباع في الشوارع البريطانية ويشمها المدمنون تسهم في تمويل الجماعات الجهادية في الصحراء الافريقية. ويشير التقرير ان الجماعات الجهادية توفر الحماية لقوافل تهريب المخدرات عبر الصحراء في طريقها للاسواق الاوروبية، ويتم نقل المخدرات والكوكاكيين عبر امريكا اللاتينية الى سواحل غرب افريقيا ومنها الى اوروبا عبر الطرق التي تسيطر عليها جماعات الجهاديين من المنتمين للقاعدة حيث تتلقى الفي دولار على كل كيلو هيرويين او كوكايين يهرب. ويقول مات ليفيت الذي عمل في ادارة بوش في مكافحة الارهاب ويعمل الان في معهد واشنطن ان كميات كبيرة من الكوكايين تصل الى الاسواق البريطانية والاوروبية من غرب افريقيا عبر المناطق التي يسيطر عليها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي وبحماية منه. ونقلت عن مسؤول امريكي في دائرة مكافحة المخدرات بوزارة الخارجية الامريكية ان الكميات المستهلكة من المخدرات في بريطانيا واوروبا اضعاف ما كان متوفرا لان المهربين يستفيدون من طرق التهريب القديمة في منطقة الصحراء، حيث قال ان الطرق هذه تمر عبر مناطق الجهاديين. ويقول ليفيت ان تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي يسيطر على مساحات شاسعة من الاراضي وانه يقوم بتقديم الحماية ووسائل النقل لمهربي المخدرات عبر الصحراء، مضيفا ان القاعدة وحلفاءها في المنطقة هم مجرمون كما انهم ارهابيون. وبحسب مكتب مراقبة المخدرات التابع للامم المتحدة ففي كل عام يتم تهريب 35 طنا من الكوكايين. وفي عام 2009 وجد في حطام طائرة بوينغ 727 فنزويلية سقطت قرب غاو في مدينة مالي 11 طنا من الكوكايين. بل هناك تقارير تقول ان المقاتلين الاسلاميين يستخدمون المخدرات لتحفيزهم على القتال. وزعم سكان بلدة ديابلي التي اجبرت القوات الفرنسية المقاتلين على الخروج منها، قولهم ان هؤلاء شوهدوا ومعهم ‘مسحوق ابيض’. وزعم مواطن نقلت عنه الصحيفة انه شاهد مقاتلين وهم يتنشقون المسحوق. ويقول سكوت ديكر من جامعة اريزونا ان منطقة الصحراء هي المكان المثالي لاي مهرب مخدرات. ويشير الى مالي بالتحديد التي تعتبر المكان المفضل فهي في منتصف طريق التهريب بين امريكا الجنوبية واوروبا، كما ان غياب الحكومة والاتصالات المتقدمة تعتبر عاملا في صالح المهربين.وكان يوري فودتوف، مدير دائرة مراقبة المخدرات في الامم المتحدة والسفير الروسي السابق في لندن قد تحدث امام مجلس الامن الدولي قائلا ان الطريق عبر الصحراء في غرب افريقيا يزود السوق الاوروبية بالكم الاكبر من الكوكايين حيث تضاعفت كمياته اربعة اضعاف بشكل يساوي حجم السوق الامريكية. وقال ان سوق الكوكايين من غرب ووسط افريقيا تصل قيمته السنوية الى 900 مليون دولار.qarqpt