ما إن يتجه الحديث في أي منبر من المنابر عن الموضوعات التي تتعلق بالعلاقات الخارجية السودانية إلا وتتداعي للأذهان وبكثافة تعقيدات العلاقات الخارجية السودانية ومعها إحباطاتها، هذه التعقيدات تشهد الأن وصولها الذروة ويمكننا القول عليها أن ليس بالإمكان أسوأ مما كان في السياسة الخارجية السودانية. إن أردنا أن نصنف علاقات السودان بتصنيف تحليلي فيمكن ان نقول بأنها تندرج تحت ثلاث مجموعات: 1. علاقات مع دول تتسم بالعداء السافر وإحاكة المكائد وتسخير كل الإمكانات ضد السودان سراً وعلانية أبرزها الولايات المتحدة وحلافائها الغربيون وبعض تبيعاتها الإفريقيات.2. دول لها مصالح في السودان وهذه تتحكم مصالحها في مد وجزر علاقاتها مع السودان.3. النوع الثالث دول تربطنا بها روابط تأريخية وجغرافية ودينية، لكن هذه الروابط لم تكن كافية لعصم العلاقة من التوتر والإهتزاز وعدم الثقة ؛ ويرجع ذلك بسبب مواقف السودان السابقة في مختلف الأحداث والحوادث.إن وزارة الخارجية السودانية تمارس أنشطة راتبة وكثيفة ومشاهدة إلا أننا إن أردنا أن نتحسس مخرجات ومنتوجات هذه الأنشطة فإننا سنعاني ونحتاج للتمحيص والتدقيق لنتمكن من قياس هذه المنتوجات. فالعام 2012 كان كفيلاً بكشف خللاً يتعلق بركائز أساسية في عملية إدارة وتنسيق السياسة الخارجية، فعدم وجود جسم واضح لتخطيط وتنسيق السياسة الخارجية ظهرت أهميته في التخبط الذي ظهرت معالمه في إدارة شأنها وتدخل أكثر من جهة في اتخاذ قرارات تتعلق بالعلاقات الخارجية نيابة عن وزارة الخارجية أو بدون علمها، وهذا أبرز ماكشفه وزير الخارجية علي كرتي في لقاء تلفزيوني العام الماضي.كما إن عدم وجود سياسة متخصصة تتعلق بإختيار الشخصيات الدبلوماسية وأقله للمواقع المهمة والإعتماد فقط علي الطريقة البروقراطية القائمة علي الإختيار بناءً علي نظام الترقي الوظيفي والأقدمية يعتبر تخلفا عن مواكبة العصرنة ومحدثاتها، فمعايير العالم لهذه الوظائف تغيرت فباكستان عينت في يوليو 2011 حنا ريحاني وعمرها 34 سنة وزيرة خارجية، لتكون بذلك أول امرأة في باكستان وأصغر شخص يتولى وزارة الخارجية هذا بالاضافة لعشرة أخرين من نظرائها العالميين في نفس الفئة العمرية. هذا ًفضلاً عن التأهيل الأكاديمي والدبلوماسي اللذين أثارا مشكلة داخل وزارة الخارجية العام المنصرم مع امتحان القدرات الذي أجراه الوزير للعاملين في الوزارة رغم عدم سلامة منهج الإمتحان إلا أنه اظهر ثغرات أبجدية في المقدرات البشرية لم أكن أتوقعها في مؤسسة عريقة مثل الخارجية.إن القرارات المتخذة من مجلس الأمن تجاه السودان في عهد حكومة الإنقاذ والتي زادت عن الثلاثين قراراً وتقرير حالة لهي مثال واضح علي ضعف منتوجات النشاطات الكثيفة للخارجية وتوضح سطحية العلاقات مع الدول النافذه والتي لها قول فصل في هذا المضمار.إن علاقاتنا بالجوار الإفريقي اتسمت بتنافر واضح، وفي إعتقادي أننا ضيعنا فرصة تأريخية للتغلغل في العمق الأفريقي إستهانتاً منا بفاعليته علي الصعيد العالمي ؛ ونتيجة لهذا الاستهتار فقد باعنا الأفارقة بأبخس الأثمان فقد سمعنا أن رئيسة دولة إفريقية مستعدة لتسليم البشير مقابل ملايين من الدولارات، وكنتيجه أيضا لتدهور علاقاتنا مع المحيط الأفريقي أدي ذلك لان تُقدِّم هذه الدول دعماً مباشر لحركات التمرد التي تقاتل الحكومة. إن الإندفاع والتورط في علاقات غير واضحة المعالم مع إيران تسبب لنا في مشاكل ما زالت تجر علينا ويلاتها. فإيران المثقلة بالتحديات وإثارة المشاكل مع محيطها القريب وأندادها البعيدين تريد أن تجد منفذا لها في العالم العربي والإسلامي وتبحث عن من يتشارك معها مشكلاتها وحتي الحكومة إن سُؤلت ماذا تمثل إيران بالنسبة للسودان (شقيق، صديق، حليف) فإنها لاتستطيع أن تجيب علي هذا السؤال، إذا فالأولّي بعلاقتنا هذه الجار ذي القربي من الأشقاء.تمثيل السودان الخارجي عبر سفاراته الـ (62) و(ملحقياتها الإعلامية) يتسم مجهودها بالروتين وليس السعي لإحداث إختراقات دبلوماسية تساهم في جلب منافع أو إبعاد مضرات، فصورة السودان الخارجية مازالت نفسها العالقة منذ زمان بعيد؛ فيُستحضر السودان في المنابر العالمية علي انه البلد المأزوم بصراعاته وبأنه موطن النزاعات، وأطرف الأخبار أن بعض شعوب الدول الغربية تعرف السودان علي ان شعبه أكل للحوم البشر. إن السعي لتطوير العلاقات الخارجية السودانية ينبغي ان يكون مفتوحاً لا إنتقائياً، ترجحه الأولويات والمصلحة العليا للوطن، يستهدف هذا الإنفتاح العلاقات المعقدة لا السهلة فما معني أن يزور وزير الخارجية السويد والنرويج والنمسا لمرات عديدة في سنوات قليلة، فما ماهي أولوية هذه الدول وأهميتها لدي السودان؟ عبدالوارث الطيب أبو الساري [email protected]