تعد إعادة كتابة التاريخ مجازفة كبيرة، وإعادة إنتاجه روائيا مجازفة أكبر، كما تعد إعادة تحميل الرواية أبعادا أيديولوجية أو رمزية أو واقعية مجازفة كبرى، لذلك فإن الروايات التاريخية وتعدد مصادرها واختلاف بنيتها الدلالية والنصية تحيل النص الروائي الجديد المعتمد على التاريخ، إلى إشكالية ذات جدليات فكرية ومذهبية قد تصل إلى العقائدية أحيانا.
في رواية باسم خندقجي «مسك الكفاية- سيرة سيدة الظلال الحرة» سيجد الدارس العديد من الإشكاليات الجدلية التي تمس الدلالة الكلية لاستعارة حدث تاريخي موغل في التشعبات السياسية والاجتماعية والفكرية، إذ لم تقف الرواية عند مجرد إعادة القص لحكاية تاريخية، ربما بدت تلك الحكاية عادية لكثير من قراء قصص العرب وحكاياتهم، الذين لا يرون فيها سوى مادة للمتعة فقط.
تتضح من العنوان والعتبات النصية الأخرى المصاحبة للرواية، والمصادر التي اعتمد عليها المؤلف وأشار إليها في نهاية الرواية، الرؤية التي تحكم السرد وتوجهه ليخدم فكرة ما ولتشكل الحكاية الأم روحا تتمدد في جسد الرواية لتمنحها التشويق والمتعة، مع الجزم بأن باسما لم يكتب روايته للمتعة والتشويق، من دون أن يحملها أفكاره وأمنياته وتطلعاته، وأهمها وأجملها وقعا هزيمة واقع أسود للتخلص من سيطرته المرعبة.
تتشكل الرواية من عشرين فصلا، يختار الكاتب للفصول الفردية (1- 19) السرد على لسان سيدة الظلال الحرة، التي كان اسمها المقاء بنت عطاء بن سبأ، ثم الخيزران، والتي تسرد فيه بضمير «أنا» رحلة سبيها منذ اللحظة الأولى وحتى وصولها السوق، وبيعها بسبعة عشر درهما بعدد سنوات عمرها الغض. وفي هذه الفصول تكشف المقاء عن رحلة بحثها عن حريتها، فقد رمت نفسها في أتون الرق من أجل أن تنتزع حريتها انتزاعا من الذين سلبوها إياها، على الرغم من أن بمقدورها أن تظل حرة وتعود إلى ذويها، بعدما خلصها الفارس الصحراوي الأنهد بن الورد من قبضة العباسيين، لكنها لم تشأ أن تظل طريدة فارّة قابعة في ذيل السلم الاجتماعي، تعاني ما تعاني من قسوة أخرى، لذلك رمت نفسها في نيران مستعرة لتحرر نفسها على طريقتها.
أما الفصول الزوجية (2-20) فإن السارد يقدم وجهة نظر معينة للأحداث التاريخية الواقعة في العصر العباسي، والممتد إلى فترة زمنية طويلة منذ لحظة استلام العباسيين الحكم عام 132هـ وحتى ما بعد استلام هارون الرشيد للخلافة، حيت توفيت الخيزران «أم خليفتين وزوجة خليفة» سنة 173 هجرية. لم تخرج الرواية عن تلك الصورة النمطية للعصر العباسي، والمتمثلة في نقطتين مهمتين شهوة الحكم وشهوة النساء، وكأن هذا العصر عصر مواخير كبيرة متاحة في كل مكان، خاصة قصور الخلفاء والأمراء، وما يسود تلك القصور من دسائس ومكائد كبيرة من أجل تحقيق الشهوة الكبرى ألا وهي شهوة الحكم والسلطان.
وقد سادت هذه النظرة بين المثقفين والسياسيين المعاصرين وبعض المؤرخين القدماء، وظهرت في كتبهم، ولا سيما الكتب التي اعتمد عليها باسم في نسج روايته، وتكمن المشكلة هنا، في أن هؤلاء القوم أصحاب أيديولوجيات فكرية أو أهداف سياسية أو مجرد جامعي أخبار غير موثوق بها، تجمع لمجرد المتعة والمؤانسة، ويتعامل المعاصرون مع أحداثها التاريخية كأحكام مطلقة وحقائق مسلم بها، على الرغم من الانتقائية والتأويل المختلف لغيرهم، التي أشار إليها يوما جورج طرابيشي في كتابه المهم «مذبحة التراث».
وعلى الرغم من ذلك فإن الروائي لا يعيد كتابة التاريخ وليس مطلوبا منه ذلك، عليه أن يقدم جديدا، ويبثه بين ثنايا الفكرة والسرد، فما هو الجديد الذي قدمه باسم في هذه الرواية؟
لقد استفاد باسم من قراءاته المتعددة التي أتاحتها له سنوات السجن الطويلة ليقرأ ويتأمل معتمدا على نظرته الخاصة، وتحليله الشخصي، متسلحا بوعيه الفكري والسياسي، فيبني حكايته المتماسكة روائيا بقدر كبير من الشجن والحزن والكآبة الواضحة في ذلك المصير الأسود لكثير من الشخصيات الحقيقية والروائية في المتن الروائي.
لقد لجأ باسم إلى بناء استراتيجية روائية تتمثل في تجريد الأشياء من معانيها الخاصة المغلقة إلى رمزيات كاملة الدلالة ومكثفة، وتدور الرواية حول ثلاثة رموز مهمة كانت حاضرة في كل فصل أو حكاية أو حدث تاريخي، وهذه الرموز هي:
1. العباءة
يلتقط باسم هذا النوع من اللباس العربي المرتبط بدلالات كثيرة، ومنذ أن أسبغ الرسول الكريم «بردته» على كعب بن زهير في تلك الحادثة المشهورة بعد فتح مكة، حتى اشتهرت دلالتها الرمزية المتمثلة في الحماية، ينعم بها كبير القوم على شخص مستضعف فيمنحه القوة ويصبح معصوما لا يحق لأحد أن ينتهك هذه الحماية، وإلا سيعرض نفسه للموت.
وهكذا كانت العباءة في الرواية دالة دلالة أكيدة على هذا المعنى المشهور، والمصرح به في الرواية إلى حد الوضوح التام، ليبدأ هذا الرمز في التشكل منذ الفصل الأول وتخليص الأنهد للمقاء من الجند العباسيين، وإلقائه عليها عباءته بعد أن تعرض لها الأعرابي الجهم وأراد اغتصابها، ومنذ تلك اللحظة تتخذ العباءة في نفس المقاء بعدا روحيا وفكريا يقترب من القداسة، فتراها لا تغادرها، وتكون حافظة لها، وتصاحبها تلك العباءة حتى الليلة الأخيرة في قصر الخلافة العامر، فترتديها نازعة عنها كل غلالة أو ثياب غيرها، متنفسة عبقها ورائحة العشق التي فيها، لتموت وهي مرتدية هذه العباءة، ولعلها بذلك قد وفت بعهد عشقٍ حرمت نفسها منه، فكانت وفية روحية لذلك العشق جعلها تتساءل بشك إن كانت فعلا أحبت الخليفة المهدي أم لا؟
وغير تلك العباءة ثم عباءات أخرى تتساوق مع هذه العباءة في الدلالة، وإن لم تكن عباءات مادية، ولكنها عباءة بالمفهوم العام الدلالي الرمزي، فثمة عباءة للخليفة والخلافة والأمير.
2. الصحراء
تشكل الصحراء في الرواية بيئة جغرافية محملة بأعباء تاريخية وسياسية كبيرة، وغير بعيد عن أثر الصحراء في نفس العربي الذي ورث عنها القوة والصبر والكرم والمروءة، تحضر الصحراء في الفصول الفردية المشار إليها سابقا كرمز لبيئة عربية خالية من الأحقاد والضغائن، لا يعترف سكانها بثنائية السيد والعبد، ولا يخضعون لسلطان غير سلطانهم الذاتي، أحبوا الصحراء وأحبتهم، وكانت تعطيهم ما لا تعطيه لأعدائهم.
ومن جانب آخر كانت صحراء الرواية عاجة بالأفكار الأيديولوجية الاشتراكية، التي تمقت الطبقية على أساس العرق أو اللون أو الجنس أو الدين، حتى المرأة في الصحراء- صحراء الأنهد بالتحديد، منحت المرأة مكانا مرموقا، فكانت أما للجميع وعرافة وهادية، كأنها النبي والقائد الروحي والفعلي، كلامها صدق وقانون وشريعة لا تعارض.
هذه البيئة الصحراوية التي يتمناها باسم وكثير من رفاقه في الفكرة والحزب، تقف شاهدة ومضادة للبيئة الحضرية، التي كانت قائمة على التعدد الطبقي عبر ثنائيات متعددة، السيد والعبد، الفقير والغني، المرأة والرجل، الشريف والوضيع، المؤمن والكافر. بيئة يستعرّ فيها القتل من أجل شهوتي الحكم والجنس، بمقابل بيئة الصحراء التي لا يضطر إنسانها إلى القتل إلا كآخر حل، كما حدث مع الأعرابي الجهم الذي حاول الاعتداء على المقاء مرة أخرى في خيمتها، وهي تحت حماية الأنهد فلقي مصيره بعد أن تجرأ على انتهاك تلك القيمة المعنوية في البيئة الصحراوية.
كما تظهر في بيئة الصحراء التي لم تتمسح بمقولات دينية ظاهرة كبيئة الحواضر الأخرى، تحافظ على القيم الإنسانية في الحق الإنساني بالكرامة والعيش بحرية ومقاومة الظلم، لذلك عندما وقف الأنهد ومن معه ضد الدولة العباسية كانوا يريدون تحقيق هذه القيم، فجاءت البيئتان متصارعتين، ولكنه صراع خافت بدون مواجهة كبرى، إذ كانت سيطرة الحواضر أقوى، ولعل ذلك إشارة إلى تغلب الفكرة الرأسمالية على الفكرة الاشتراكية، من دون أن تموت هذه الأخيرة!
3. المرأة
من أكثر القضايا التي حضرت في الرواية قضية المرأة، ليس لأنها تتحدث عن المرأة ومسيرتها الرمزية في مراحل متعددة وحسب، بل لأن المرأة كيان إنساني كامل الأهلية، كالرجل تماما، فولدت حرة، وتعرضت للسبي، ثم تحررت جزئيا، ثم عادت إلى السبي مرة أخرى كمقدمة للحرية الكبرى، ثم الحرية، لتموت وهي متمتعة بكامل شهوتها في الحكم والسلطان.
لكل مرحلة من هذه المراحل دلالة خاصة، فالمرء يولد حرا بكل تأكيد، والمنطق العمري خالد في ذلك «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا»، وبفعل عوامل سياسية واجتماعية وفكرية واقتصادية يدخل المرء في معمعان الرق والعبودية، ثم يسعى الإنسان لحريته جاهدا ليعود كما ولد حرا طليقا.
هذه المسيرة الإنسانية كانت واضحة في الرواية، فقد مرت المقاء بكل تلك المراحل، وعلى الرغم من تدخل الأيديولوجيا الموجهة لصناعة الرمز المكثف للمرأة في الرواية، إلا أن هذا الرمز اكتسب دلالات فكرية عامة وعصرية، غير محصورة بفكر المؤلف، وهنا يكون المؤلف قد تحرر نوعا ما من سيطرة الفكرة الخاصة إلى فكرة إنسانية أرحب وأعمق.
لقد سار الكاتب في الرواية التاريخية سيرا وئيدا وهو يجازف في رمي الخطوة بعد الخطوة خلال بنائه رمزه الإنساني هذا، غير مهملٍ الإشارة إلى السياق السياسي الذي كتب فيه باسم روايته في ظل ربيع عربي متهالك، لم يؤت ثماره، لذلك اقترن مع المرأة الرمز رمز آخر متمثل في الوعي المؤسس على العلم، بعيدا عن رجم الغيب، متخذة الخيزران بوصفها حاملة الرمز والدلالة معا السؤال مفتاح العلم، مع وجود بصيرة مكتملة وعقل راجح، وبذلك يطمح المؤلف أن يقدم صورة للمرأة المكتملة في شخصيتها العلمية والفكرية والرؤيوية مع تمتعها بأهم ما يجب أن تتمتع به المرأة من أنوثة وجمال وغنج.
وهكذا جاءت الخيزران كاملة الأوصاف الروحية والفكرية والجسدية. متمتعة بحس إنساني مرهف، فعلى الرغم من ثورتها وغضبها في مواقف متعددة إلا أنها سرعان ما تحنو وترق وتعطف وتبكي وتصفح وتسامح، ولا تتنكر لتاريخها، وفية وعفيفة، ومحررة لكل جواري القصر، التي اعتبرت ذلك أحد أهم غاياتها التي كانت تتطلع إليها، ولا تتخذ القتل سلاحا وقد تعلمت كل ذلك في البيئة الصحراوية التي سبق الإشارة إليها، ولا تفكر بالقتل إلا حلا أخيرا، بعد أن تعرضت هي نفسها لمحاولة اغتيال أثيم من ولدها موسى الهادي.
ربما لم ينته الحديث عن هذه الرواية المرهقة الجميلة التي تثير الحزن والكآبة والشجن في نفس القارئ، فتترك في النفس أثرا لا يمحى في سعي الإنسان الحثيث في البحث عن قيمتي العدل والحرية، وتحدي المصير القاسي متسلحا بإرادة لا تقهر، لا يحتاجها فقط الأسير الفعلي في سجون الاحتلال البغيض والبغيضة، بل تحتاجها البشرية كلها لتنعم بالسلام والأمان لتؤدي مهمتها الإنسانية لصنع عالم أجمل في ظل الصراع الكوني المحتدم من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل في كل صنوف الحياة القاسية.
كاتب فلسطيني
فراس حج محمد