هل تستطيع السلطة الفلسطينية جرجرة إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية؟

حجم الخط
0

عبد الحميد صيام عقدت في قاعة مجلس الأمن يوم الأربعاء في الثالث والعشرين من شهر كانون الثاني (يناير) الجلسة الشهرية العادية لمناقشة مسألة الشرق الأوسط بما فيها القضية الفلسطينية. وقد امتدت الجلسة لأكثر من ست ساعات واستمعت إلى أكثر من 40 متحدثا. وقد تميزت تلك الجلسة بحضور وزير خارجية فلسطين السيد رياض المالكي الذي خاطب المجلس لأول مرة كممثل دولة مراقب وجلس خلف يافطة صغيرة تحمل اسم فلسطين. وعلى الرغم من رمزية التمثيل وأهميتها إلا أن الحقيقة تبقى أن عضوية فلسطين ما زالت ناقصة وأن التمثيل الحقيقي والكامل لا يتم إلا بعد خروج توصية من مجلس الأمن يتم اعتمادها في الجمعية العامة بأغلبية الثلثين. لقد أحسن سفير باكستان، رئيس مجلس الأمن لشهر كانون الثاني (يناير)، صنعا بدعوة ممثل دولة الفاتيكان، الدولة الأخرى المراقب، لحضور الجلسة كي ينطبق عليها ما ينطبق على فلسطين، مما أسقط في أيدي سوزان رايس، سفيرة الولايات المتحدة، فإذا احتجت على وجود ممثل فلسطين الدولة المراقب، فيجب قانونا، أن ينسحب نفس الاحتجاج على دولة الفاتيكان ولذلك آثرت تغيير إتجاه هجومها، وذلك إنسجاما مع تاريخها المعادي لفلسطين، فذكرت الوزير الفلسطيني بأن جلوسه خلف يافطة فلسطين لا يعني أنها أصبحت دولة.شروط انعقاد المحكمة الجنائية الدوليةأود أولا أن أذكر أن الوزير الفلسطيني لم يتطرق إلى جرّ إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية في كلمته الرئيسية والرسمية أمام المجلس. ولكنه أشار إلى أن بناء المستوطنة في منطقة (E1) يعتبر خطا أحمر ولا يمكن للسلطة الفلسطينية أن تتقبل مثل هذه الخطوة وقال ‘إن الأنشطة الاستيطانية تشكل انتهاكا جسيما لاتفاقية جنيف الرابعة كونها جرائم حرب، وهو ما تم إقراره أيضا وفقا للبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف ووفقا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية’. وفي وقفته مع الصحافة المعتمدة خارج قاعة مجلس الأمن وردا على سؤال لإحدى الصحفيات حول إمكانية رفع شكوى ضد إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية قال السيد المالكي ما يلي:’كل ذلك يعتمد على إسرائيل. فإذا ما استمرت إسرائيل في تنفيذ خططها للبناء في منطقة 1-E – شرقي القدس فالجواب نعم سنذهب إلى المحكمة الجنائية الدولية’.وأود هنا أن أجيب عن السؤال: هل بإمكان السلطة الفلسطينية أن ترفع شكوى للمحكمة الجنائية الدولية ضد إسرائيل لارتكابها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتجبرها على المثول أمام المحكمة؟ والجواب لا وذلك لسببين قانونيين:أولا: فلسطين لم توقع بعد على النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998بعد ثلاثة أيام من انتهاء عملية ‘الرصاص المصبوب’ أي بتاريخ 21 كانون الثاني (يناير) 2009 قدم وزير العدل الفلسطيني علي خشان طلبا للتوقيع على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية معلنا إلتزام الحكومة الفلسطينية بصلاحية المحكمة وقراراتها. إلا أن المدعي العام آنذاك، لويس مورينو أوكامبو، المعروف بعنصريته وتحيزه ضد العرب والأفارقة، لم يرد على الطلب الفلسطيني إلا بتاريخ 3 نيسان (أبريل) 2012 قائلا إنه غير قادر أن يقرر في ما إذا كانت فلسطين ‘دولة’ لديها صلاحيات الانضمام إلى نظام روما الأساسي أم لا. إذن الخطوة الأولى المطلوب من السلطة الفلسطينية القيام بها وفورًا هي تفعيل ذلك الطلب أو التقدم بطلب جديد للمدعي العام الجديد السيدة فاتو بنسودة الغامبـية، والضغط باتجاه استلام رد سريع.ثانيا: إسرائيل ليست عضوا في المحكمةمن المعروف أن هناك عددا كبيرا من الدول لم تنضم لنظام روما الأساسي من بينها الولايات المتحدة وروسيا والصين والسودان وإسرائيل ومعظم الدول العربية. وتمر العضوية في مرحلتين: التوقيع ثم التصديق. فهناك دول وقعت لكنها لم تصدق على النظام من قبل برلماناتها كي تصبح عضوا كامل العضوية مثل الكويت والجزائر ومصر وسوريا والمغرب والبحرين واليمن. والتوقيع يعني أن هناك نية للانضمام لكنه لا يعني العضوية الكاملة. وهو تكتيك مكشوف تستخدمه الدول للماطلة والتأجيل ودرء الانتقادات من الدول الأخرى. ويبلغ عدد الدول الأعضاء حاليا 121 دولة من بينها الأردن وتونس. وبعد إدانة الرئيس السوداني عمر البشير بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بتاريخ 14 تموز (يوليو) 2008 طالب عدد من الدول الأفريقية بالانسحاب من المحكمة لأنها منحازة ولا تولي أي اهتمام إلا للقضايا الأفريقية ومن بين تلك الدول جيبوتي والسنغال وجزر القمر. والأغرب من هذا أن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا قد وقعتا على النظام الأساسي بتاريخ 31 /12/ 2000 (في عهدي كلينتون وإهود باراك) وعادتا وسحبتا توقيعيهما عام 2002 (في عهدي بوش الإبن وشارون). وقد بررت إسرائيل سحب توقيعها بأنها تخشى من تسييس المحكمة مشيرة إلى نص يقول ‘إن نقل سكان من دولة الاحتلال إلى مناطق محتلة يعتبر جريمة حرب’.ولكن كيف يمكن تقديم مجرمي الحرب من دولة غير عضو بالمحكمة الجنائية الدولية للمحاكمة وتوجيه تهم لهم وملاحقتهم وإصدار مذكرات إعتقال بحقهم كما حدث مع عمر البشير؟ الجواب يكمن في إعطاء صلاحية لمجلس الأمن لتقديم مذكرة للمحكمة. والمذكرة تصدر على شكل قرار يتم التصويت عليه بغالبية تسعة أصوات إيجابية دون استخدام حق النقض (الفيتو) من قبل أي من الدول دائمة العضوية. لهذا السبب تم أعتماد قرار 1593 بتاريخ 31 آذار (مارس) 2005 من مجلس الأمن لإحالة ملف البشير إلى المحكمة. وكذلك أحال القرار 1970 (2011) ملف جرائم الحرب التي ارتكبها القذافي وأولاده وزبانيته إلى المحكمة الجنائية الدولية. ولنفس السبب تم إرسال رسالة من سويسرا بتاريخ 14 كانون الثاني (يناير) 2013 إلى مجلس الأمن وعليها تواقيع 58 دولة تطالب أعضاء المجلس باعتماد قرار يحيل ملف الرئيس السوري وشخصيات في الحكومة والمعارضة تم توثيق ارتكابهم لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية للمحكمة الجنائية الدولية. وما زالت الرسالة لم تبحث في جلسات علنية. وعندما يأتي الوقت لبحثها نتوقع أن تتصدى روسيا والصين لوأد أي مشروع قرار بهذا الخصوص. ففي حالة ما تحقق الشرط الأول وقبلت عضوية فلسطين بعد التوقيع والتصديق على النظام الأساسي لا بد من الخطوة التالية وهي إما انضمام إسرائيل للمحكمة وهو أمر مستحيل لمعرفتها ما جنت يداها من جرائم أو إعتماد قرار من مجلس الأمن يحيل ملف مجرمي الحرب الإسرائيليين إلى المحكمة وهو أمر أيضا شبه مستحيل بسبب مظلة الحماية التي يؤمنها الفيتو الأمريكي. وكما انتهى تقرير غولدستون الذي وثق جرائم الحرب في غزة في عملية الرصاص المصبوب في نهاية 2008 وبداية 2009 إلى طيّ النسيان لأن أحدا لم يجرؤ على تقديمه لمجلس الأمن للبت فيه واعتماد قرار لإحالته للمحكمة الجنائية الدولية، فقد لا يجرؤ مسؤول فلسطيني أو عربي أن يعيد الكرة مرة أخرى وإن كنا نتمنى ذلك عند اكتمال الشروط القانونية، ودع مشروع القرار يتعرض للفيتو مرة وراء مرة ليكشف أكثر دور الولايات المتحدة في حماية مجرمي الحرب الإسرائيليين. ولكن الولايات المتحدة تتبع مؤخرا تكتيكا خطيرا وهو إفشال أي مشروع قرار من هذا القبيل عن طريق عدم ضمان حصوله على تسعة أصوات إيجابية مما يعني فشل المشروع دون حاجة لاستخدام الفيتو، بالضبط كما فعلت في مشروع قرار الإعتراف بفلسطين كدولة. ونتوقع نفس الحكاية في حالة ما إذا تم تقديم مشروع قرار أمام المجلس لإحالة ملف مجرمي الحرب الإسرائيليين إلى المحكمة خاصة وأن تركيبة مجلس الأمن الجديدة الآن بعد دخول خمسة أعضاء جدد تميل لصالح الدول المنصاعة للإملاءات الأمركية مثل: كوريا الجنوبية وأستراليا ولوكسمبورغ ورواندا. ولكن إذا كان طريق المحكمة الجنائية صعبا للغاية في هذه المرحلة إلا أن طرق الاحتجاجات وتصعيد النضال السلمي والاعتصامات والتظاهرات مفتوحة على غواربها ليست بحاجة إلى قرار من مجلس الأمن ولا من الجمعية العامة. فالنضال السلمي والجماهيري الشامل والمتواصل والمتصاعد سيعيد القضية إلى مركزيتها الأساسية وسيلم الدنيا حولها كما كان يلمها أيام الانتفاضات ويفرض على المجتمع الدولي الإصغاء إلى الشعب الفلسطيني المقهور والمظلوم وهو يدق أبواب العالم مطالبا بحريته ومدعوما من محيطه العربي والإسلامي وكافة الشعوب المحبة للسلام الحقيقي القائم على العدل إلا من حفنة من الدول لا تزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة، إلا إذا أضفنا إليها دولا إفتراضية مثل بالاو وكريباتسي ومملكة تونغا وجزر سليمان. فهل هناك من يعتبر ويتخلى عن فكرة تحقيق الأهداف الفلسطينية والعربية عن طريق المجتمع الدولي وأوهام التسوية القائمة على الاستجداء والتذلل وتقديم التنازلات دون ثمن؟. أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك qmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية