عفوا سعادة السفير.. الشعب الجزائري ليس غبيا

حجم الخط
0

إسماعيل القاسمي الحسني بقدر ما يرى المرء شيئا من الايجابية في مقالات سعادة السفير البريطاني في الجزائر، السيد ‘مارتين روبير’ الذي يتمتع بخبرة وأقدمية متميزتين، من منصبه في الكويت قبل الغزو، ثم انتقاله مباشرة إلى مهامه بعد غزوها إلى العراق، ومساره المهني عبر باكستان وغيرها، ذلك أنه من الناحية الشكلية يقدم الرجل سياسة حكومته للقارئ الجزائري عبر صحفها، ويسعى جهده لإقناع المتلقي بصوابها وخدمتها لمصالحه، بقدر ما يقف المواطن مثلي على درجة الاستهانة بعقولنا التي بلغها مع الأسف الشديد، معظم قادة العالم الغربي وممثلوهم. لقد قرأت العام الماضي لسعادة السفير مقالا نشر بصحيفة ‘الشروق’، موضوعه كرم المملكة المتحدة حيال نجباء الجامعات الجزائرية، واستعرض مراحل وتفاصيل مساعدتها إياهم لاستكمال دراساتهم العليا في بريطانيا، بما في ذلكم طبعا المنح المادية المرصودة لهذا العمل (الخيري الإنساني الخالص)، وتوقعت حينها أن يتولى جهاز المخابرات الجزائرية فتح الملف، لما فيه من خطر على الأمن القومي للبلد، وتأملت أن أحدا من المفكرين الجزائريين، يقف على تحليل تلكم الحقائق وتداعيات خطط تكوين إطارات عليا جزائرية على حساب الخزينة البريطانية، ليعودوا بأوامر تكليف تدير مناصب حساسة في البلد، والحال أن الجزائر بلد ثري، ولا يوجد في العلوم السياسية على حد علمي عمل خيري لوجه الله، لكن شيئا من ذلك لم يكن.ولعل سياسة الصم البكم التي تمارسها السلطة الجزائرية ونخبها، شجعت سعادة السفير على مواصلة نشر مقالاته عبر ذات الصحيفة، مضمنا إياها بكل جرأة خطط وسياسة حكومته دون أدنى مداراة أو تمويه، وآخرها مقال مطول بعنوان: ‘النشاط الإرهابي استمد قوته من الفدية التي تدفع للخاطفين’ 16/01. جاء موضوعه حول عملية أمناس، التي راح ضحيتها مجموعة من بينها بريطانيين، تضمن المقال كثيرا من المغالطات وكذلكم تناقضات مشينة، ما كان ليقع فيها عقل دبلوماسي محنك، لولا استخفافه بعقل المتلقي، لا شك أن المقالة لا يتسع بحال لاستعراضها جميعا، ولكن يمكن الوقوف على قليل منها.يقول سعادة السفير:’ كان التهديد قبل أربع سنوات مصدره الأساسي التطرف الإسلامي في أفغانستان وباكستان. وقد بذلنا الكثير من الجهود لمعالجته وخفض حجم ذلك التهديد… لكن في نفس الوقت نمت جماعات تابعة للقاعدة في اليمن والصومال وأنحاء من شمال أفريقيا في منطقة الساحل..’. ما فات سعادته أن حرب حكومته على الإرهاب كما يسمونه أعلنت منذ 2001 باحتلالهم أفغانستان بشكل غير شرعي، وليس أربع سنوات، وما ادعاه من خفض التهديدات، ليس إلا ما أقر به هو ذاته بتوسع نشاط القاعدة، في كثير من دول العالم، ما يعني أنهم لم يعالجوا الظاهرة وإنما أذكوها بسياساتهم التي تقوم على الحل الأمني بعقلية الاحتلال بالقوة.بعد إصراره على الرد ‘الأمني الصارم’ يقول:’ يجب أن يوازيه رد سياسي ذكي، حيث إن الجماعات التابعة للقاعدة تنشط في المناطق التي تكون المؤسسات السياسية فيها ضعيفة، وتشهد حالة من عدم الاستقرار السياسي، وتفشل في معالجة المظالم السياسية القائمة منذ وقت طويل’. ما يغفله سعادته هنا، أنه قدم العربة عن الحصان، فإن كان قد أقر بأن نشاط القاعدة يكون في مناطق فاشلة حكوماتها، سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، كان عليه أن يصحح قراءته للواقع، وهو أن هذا النشاط نتيجة إفلاس أنظمة تدعمها بالدرجة الأولى الأنظمة الغربية، ومهما كانت القراءة فالحل لا يتقدمه منطقا ‘الرد الأمني الصارم’، وإنما إخراج الشعوب أولا من بؤر الفشل والإفلاس، ورفع اليد عن الأنظمة التي تسندها القوى العظمى. ثم يقول: ‘علينا إبداء الصبر والعزم. فنحن وشركاؤنا في المنطقة نتواجد وسط صراع أجيال ضد فكر يمثل صورة مشوهة عن الدين الإسلامي، ويَعتبر القتل الجماعي والإرهاب ليس مقبولا وحسب، بل ضروريا أيضا’. شخصيا أدين بشكل قاطع القتل الفردي أو الجماعي تحت أي ذريعة وأي مسمى، لذلك أذكر معاليه أن هذا السلوك المدان، ليس حكرا على القاعدة كما يزعم، إنما الأخطر منه، هو شرعنته من قبل الدول العظمى، ومن بينها تحديدا بريطانيا، لن أتحدث عن احتلال الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس أوائل القرن الماضي، ولكن من قضية الشعب الفلسطيني الذي تتم تصفيته منذ سبعة عقود تقريبا، بمباركة من بريطانيا وتغطية كاملة من الدول العظمى، إلى أفغانستان التي يتجاوز ضحاياها المدنيين مئات الآلاف، وأكثر من مليوني عراقي مدني والحبل على الجرار، أذكر سعادته أن فاتحة هذا السلوك الدولي البربري قد لخصه في صحيفة ‘لوموند ديبلوماتيك’ 07/2003 إنياسيو رامونه (المدير السابق للصحيفة) في مقاله ‘أكاذيب الدولة’، أقتبس منه مقدمته للتذكير فقط:’إنها حكاية السارق الذي يصرخ: ‘إلى السارق’. وكيف تعتقدون أن السيد جورج دبليو بوش قد عنون التقرير الشهير الذي قدمه في 12 أيلول/سبتمبر عام 2002 أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة موجهاً التهم فيه إلى السيد صدام حسين؟ ‘عشر سنين من الكذب والتحدي’. وما الذي أورده فيه وهو يفند ‘الأدلة’؟ سيل من الأكاذيب ومما قاله على وجه الدقة أن العراق يقيم علاقات وثيقة مع تنظيم ‘القاعدة’ الإرهابي وأنه يهدد أمن الولايات المتحدة لأنه يملك ‘أسلحة دمار شامل’، وهي العبارة المرعبة التي اصطنعها مستشاروه في التواصل والإعلام….’.و جدير هنا كذلك تذكير سعادته بما أوردته صحيفة ‘ديلي ستار صندي’ في 3/7/2012 معلومات لم تكذبها حكومته تقول: وحدات من القوات الخاصة البريطانية وعملاء جهاز الأمن الخارجي البريطاني (إم آي 6) انتشرت في سورية وعلى استعداد لمساعدة المتمردين في حال إندلاع حرب أهلية …'(لاحظوا وصف المتمردين). والحال أن بريطانيا وغيرها من الدول العظمى يعلمون جيدا أن قيادة من يصفونهم بالمتمردين تعود للجماعات الإسلامية المسلحة، وهي ذاتها سلوكا وعقيدة التي توجد في مالي، الذي جاء مقال سعادته لتبرير وتشجيع ما حدث في ‘أمناس’. كيف إذن يستقيم في عقل سوي دعم الجماعة الإسلامية في سوريا ومحاربتها في مالي؟ وكيف يحل للدول القتل الجماعي كما حصل في الفلوجة مثلا لا حصرا، وقد فصلت نتائجه الكارثية صحيفة ‘الأندبندنت’ في تقرير بتاريخ 3/8/2010 تحت عنوان:’ آثار قصف الفلوجة باليورانيوم أسوأ من كارثة هيروشيما’.و يحرم على الجماعات الإسلامية؟.أخيرا، أقول لسعادة السفير بأن أصدق عبارة وردت في مقاله، مع بعض التعديل في ذهن القارئ الجزائري قولك: ‘هذا الاعتداء (على مركب الغاز أمناس) يؤكد التهديد الذي تشكله الجماعات الإرهابية على دول وشعوب المنطقة – وكذلك على مواطنينا وشركاتنا ومصالحنا.’ والتعديل أنه لا وجود لدول بل أنظمة تقرون أنفسكم بفشلها وإفلاسها لكنكم تدعمون دكتاتوريتها، وهذا هو الخطر الأصيل على الشعوب الذي يراه الجزائريون ذلك أنهم ليسوا أغبياء كم قد تتصور سعادتك. وصحيح أن الجماعات تهدد مواطنيكم وشركاتكم ومصالحكم ولكن هذا خياركم وصنيعة سياساتكم.’ فلاح جزائريqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية