‘المهاجرون’ فيلهلم موبيرغ: كتاب جديد من ‘دار المنى’

حجم الخط
0

ستوكهولم ـ ‘القدس العربي’: عن ‘دار المنى’صدر كتاب جديد بعنوان ‘المهاجرون’ وهو للكاتب السويدي فيلهلم موبيرغ الحائز على جائزة ‘نوبل’. والذي يعتبر من أهم الكتاب السويديين، ونال شهرة عالمية من خلال رباعيته عن الهجرة التي قدمت السينما عملان منها على الشاشة الفضية.لمناسبة صدور الكتاب هنا إطلالة على حياة وأعمال وعالم موبيرغ.موبيرغ والهجرةمنذ نعومة أظفاره، ظلت أميركا واقعاً دائم الحضور بالنسبة لموبيرغ. وليس هذا مفاجئاً على الصعيد التاريخي. فمن بين 1.2 مليون مهاجر ممن غادروا السويد إلى أميركا في الأعوام ما بين 1845 و1930، كان أكثر من 300.000 قد هاجروا من منطقته، سمالاند. وقد ذكر موبيرغ التأثير الذي أحدثته فيه موجات الهجرة. وفي مجموعته من المقالات التسجيلية لسيرته الذاتية ‘حكايات من حياتي’ كتب أن والده ووالدته انحدرا من عائلات جد فقيرة، حتى أن كافة أشقائهما هاجروا إلى الولايات المتحدة، تاركين فقط والديه لإدامة سلالات عائلتيهما المتعاقبة في السويد. (5) وكان له أقارب في أمريكا أكثر مما كان له في السويد نفسها.في خياله الصبوي، تصوّر موبيرغ كلمة ‘أمريكا’ على أنها تعني ‘مير ريكا’ أي ‘أكثر غنى’. وكان الدفق المستمر من رسائل أمريكا، وتحويلات الأموال التي تأتي منها بالدولار، والصحف السويدية-الأميركية التي وصفها موبيرغ بأنها ‘كانت تغزو’ موطن صباه، قد أشعلت خياله كثيراً حتى أنه خطط للهجرة عندما كان عمره 18 عاماً، فقط ليتوقف في اللحظة الأخيرة، كما قال، بسبب حسرة أمه وجدّته وقولهما بأن رؤية الابن وهو يغادر إلى أمريكا من محطة القطار كانت تماماً مثل حضور جنازة الفتى. (6)ربما كبديل عن آماله المجهضة، حلم موبيرغ في وقت مبكر من العشرينيات بإقامة نصب تذكاري أدبي لأولئك من أفراد عائلته الذين استقروا في ‘العالم الجديد’. ولم يتحقق ذلك الحلم حتى أواخر الأربعينيات. وخلال الثلاثينيات، هاجم موبيرغ، الذي كان مؤيداً قوياً وقديماً للتحولات الاشتراكية، الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم بسبب إدامته للبيروقراطية، ولدعمة لكنيسة الدولة السويدية. وفيما بعد، عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، انتقد الحكومة في استوكهولم على إخفاقها في اتخاذ موقف حازم ضد النازية. وقد قرأ الكثيرون روايته الأكثر مبيعاً ‘نزهة ليلية’Rid i na ، ولو أن أحداثها تجري في القرن السابع عشر، على أنها تعليق على استبداد الحقبة النازية.أنتجت ميول موبيرغ المعلنة فيما يتعلق بالقضايا الوطنية تأثيراً شخصياً ثنائي الأبعاد. أولاً، ضمنت له مشاعر الاستياء وعدم التفضيل لدى العديد من الشخصيات العامة النافذة. وفي حقيقة الأمر، بقي موبيرغ متورطاً في الجدالات الثقافية حول القضايا الحساسة خلال كامل الأربعينيات وأوائل الخمسينيات. وقد احتج على قضايا الابتزاز وعمليات التغطية والتكتم في قوات الشرطة السويدية والنظام القانوني، وجادل ضد استمرار وجود الملكية السويدية.ثانياً، عمل نشاطه السياسي بالإضافة إلى القيود المفروضة على التنقل خلال الحرب العالمية الثانية- على تأخير الوقت الذي استطاع فيه الشروع بالكتابة عن الهجرة السويدية حتى العام 1947. وبحلول ذلك الوقت، كان موبيرغ في الخمسين من عمره تقريباً. وقد حظي بالحفاوة في السويد، لكنه ظل مع ذلك خائب الأمل إزاء قيادة البلاد. ولأنه نظر إليها عبر عدسة سخطه الشخصي ومن منظور أوروبا التي مزقتها الحرب، فقد بدت الولايات المتحدة لموبيرغ في أواخر الأربعينيات باعتبارها ملاذ العالم الأخير للحرية والديمقراطية. ويبدو أنه شعر برغبة أصيلة في تسجيل الإسهام الذي قدمه المهاجرون السويديون للبلد الذي اعتقد بأنه كان أمل العالم الوحيد المتبقي. وبينما ينظر وراء إلى ذلك الزمن في العام 1968، كتب موبيرغ: ‘أعلم أن لدي مسحة أصيلة من العناد، وهي صفة يمكن أن تذهب بالمرء إلى الأفضل أو الأسوأ. وكنت قد عقدت عزمي على عبور المحيط الأطلسي من أجل البحث عن أقاربي الذين لا أعرفهم. ولأنني لم أستطيع أن أبعد أقدارهم عن ذهني. وكلما كبرت، كلما كان ذلك يستأثر بالمزيد من اهتمامي’. (7)في العام 1945، بدأ موبيرغ دراسة الخلفيات لما أصبح رباعية ‘المهاجرون’، ويبدو أنه قد شرع بالعمل الفعلي على الروايات بعد سنتين من ذلك. وقد ظهر المجلد الأول من ‘المهاجرون’ في العام 1949، تلته بعد سنتين في العام 1952 رواية ‘إلى أرض طيبة’ Invandrana. أما المجلدان الأخيران ‘المستوطنون’ و’الرسالة الأخيرة إلى الوطن’ فقد نشرا في العامين 1956 و1959. وقد أشار الكاتب كثيراً إلى هذه الكتب جميعاً باعتبارها عملاً واحداً ‘روايات المهاجرين’، وأصر على قراءتها باعتبارها رواية وثائقية.من أجل ضمان مطابقة قصته للواقع، قام موبيرغ بإجراء بحث تاريخي شامل في كل من السويد والولايات المتحدة. ودرس سجلات البلد في سمالاند وقرأ مجموعات عديدة من الرسائل التي كان المهاجرون في أميركا قد أرسلوها إلى أقاربهم في السويد خلال القرن التاسع عشر. كما شملت دراساته أيضاً رحلات قام بها إلى ‘متحف ماريتايم’ في غوتنبيرغ. وقد زوده ذلك البحث بسجل لظروف العيش في سويد القرن التاسع عشر، وبشعور عن العيش على سطح سفينة شراعية في الأيام التي لم تكن الهجرة قد أصبحت فيها بعد صناعة تدعمها شركات البواخر الكبرى.شعر بعض القراء بأن مجلد ‘المهاجرون’ هو الأكثر نجاحاً بين المجلدات الأربعة، فيما يعود في جزء كبير منه إلى أن موبيرغ كان يكتب عن مروج موطنه، الريف السمالاندي. ولا يمكن لأحد أن يشك بأن روايته تقدم وصفهاً دقيقاً وملهماً للطريقة التي عاش بها أسلاف الكاتب ونظروا بها إلى العالم. ومن وجهة نظر منيسوتا، يتم تذكير القارئ بأن هذا المجلد الأول يتعقب بدقة عادات السملانديين، الذين كانوا الأكثر عدداً بين المهاجرين السويديين إلى هذه الولاية، والذين ما يزال أبناؤهم يشكلون العدد الأكبر من العرق السويدي في مينيسوتا.من أجل بناء إطار تاريخي تستطيع فيه شخصيتاه الروائيتان، كارل أوسكار وكريستينا، أن تتحركا فيه في ‘العالم الجديد’، وخاصة في منسوتا الحدودية، قام موبيرغ في العام 1948 برحلة بقصد الدراسة عبر الولايات المتحدة. ومع أنه كان رحّالة قليل الخبرة وعلى معرفة قليلة بالإنجليزية، إلا أنه جمع مع ذلك مجموعة مثيرة للإعجاب من الوثائق التي وضعت مهاجريه في خضم خبرة الحدود.تابع موبيرغ دراساته في ملفات المتحف السويدي-الأمريكي في فيلادلفيا، وبين السويديين في مينسوتا، وفي الطبعات القديمة من الصحف السويدية-الأمريكية. وقد أتاحت له اتصالاته المباشرة مع السويديين الأمريكيين في مقاطعات تشيساغو وواشنطن معلومات لا تقدر بثمن عن حياة أسلاف أولئك المهاجرين. وتضع روايته ‘إلى أرض طيبة’ المهاجرين على التراب الأميركي. أما ‘المستوطنون’ و’الرسالة الأخيرة إلى الوطن’، فتعرضان نظرة عامة دقيقة لحياة المهاجرين الرواد في مينسوتا. وتقدم هذه الروايات تفاصيل رحلة قارب نهري في مجرى نهر الميسيسبي، وتحدي انتزاع المرء مُلكية له في البرية، والتأثير المدمر لبلاء الجراد، ورعب الهنود، ووتيرة الحياة خلال فترة الحرب الأهلية، والصعوبات التي واجهها المهاجرون الأوروبيون في التكيف مع ثقافة ‘العالم الجديد’.لم يترك موبيرغ شيئاً للصدفة في توثيق الحياة اليومية والأحداث التاريخة لمنيسوتا منذ العام 1850 (عام وصول كارل وكريستينا إلى منيسوتا) وحتى العام 1890 (عندما يموت كارل أوسكار). وقد تحدث أقارب الروائي في منيسوتا عن تلقيهم رسائل منه يستعلم فيها عن طبيعة العواصف الرعدية في الولاية، وثمن طوابع البريد في القرن التاسع عشر، وعدد ساعات النهار في الصيف، وكذلك عن المسافات بين الأجزاء المختلفة من الولاية. بل لقد أصر موبيرغ على أن يريه الأصدقاء مباشرة كيف تبدو الحيوانات التي كانت غريبة على السويدي، مثل الصراصير والظرابين. (9) وكان موبيرغ في الحقيقة شديد الإصرار على أن يتم استخدام حكايته الخيالية أيضاً كتاريخ تعليمي، حتى أنه ألحق ببلوغرافيا لمصادره بالطبعة السويدية من روايات ‘المهاجرون’. ويتم نشر هذه الببلوغرافيا للمرة الأولى في هذه الطبعة الصادرة عن ‘كتب بوريليس’.في نقطة تاريخية رئيسية واحدة فقط، سمح موبيرغ لمقتضيات بناء الحبكة الحكائية أن تتداخل مع ضرورات الدقة التاريخية، إذ ليست هناك حالات معروفة عن مجموعة من المستوطنين السويديين الذين ارتحلوا مباشرة إلى منيسوتا واستقروا فيها بشكل دائم قبل العام 1860. وفي منتصف القرن، كان الشكل الثابت لنمط الهجرة الداخلية السويدية في وسط الغرب الأميركي يتضمن إقامة أولية للعديد من السنوات في ألينوي وأيوا. وفقط بعد أن يثبث المهاجرون أقدامهم على الأرض بين مواطنيهم في تلك المناطق، كانوا يغامرون بالصعود إلى أعالي المسيسيبي، إلى منيسوتا النائية الأكثر بعداً. وبأخذه كارل أوسكار وجماعته مباشرة من الساحل الشرقي إلى منيسوتا، أكد موبيرغ على الطبيعة الرائدة الجسورة والأصيلة لشخصيات رحلته.كتابة روايات المهاجرينمثل كارل أوسكار في الحكاية، أراد موبيرغ نفسه أن يكون الأول في المشهد. ونظر إلى نفسه كمستكشف أدبي ورائد، وهي حقيقة تطرح بعض الأسئلة المثيرة للاهتمام بالنسبة للقراء الأميركيين. ويمكن لمعرفة شيء عن علاقات موبيرغ الشخصية بأميركا أن يكون دليلاً مفيداً لفهم بعض الثيمات التي طورها في روايات المهاجرين.’إننا نغادر من أجل بداية جيدة’، قال موبيرغ للصحفيين في ستوكلهولم عندما كان يغادر في رحلته الأولى إلى الولايات المتحدة في شهر حزيران (يونيو) 1948. (10) وفي تلك المناسبة، سلّى الأصدقاء والصحفيين بعزف الهارمونيكا. وللأفضل أو للأسوأ، لم يكن قادراً دائماً على الاحتفاظ بمثل هذه الروح العالية خلال السنوات التي أعقبت وصوله إلى أميركا. وفي حقيقة الأمر، كان لقاؤه بأمريكا موسوماً بالبهجة الممتزجة بخيبة أمل مريرة.استمرت فترة إقامة موبيرغ القانونية في الولايات المتحدة من العام 1948 وحتى العام 1955. وخلال تلك الفترة، كان يحمل تأشيرتي مهاجر مختلفتين ويتحدث باستمرار عن الاستقرار بشكل نهائي. وكما قال لأحد الصحفيين السويديين: ‘الأمر الذي أراه أكثر جاذبية (في أمريكا) هو الحس بالحرية. ويبدو لي كما لو ان السلطات هنا تكنّ للفرد احتراماً أكبر مما هناك في الوطن. وأنا أحب ذلك’. (11)كتب غوستاف لانيستوك Gustaf Lannestock، مترجم موبيرغ، عن آمال الروائي العالية بكسب الثروة والشهرة في الولايات المتحدة. وقال لانيستوك إن موبيرغ استشرف في أواخر الأربعينيات مستقبلاً واعداً لنفسه ككاتب، وكابن بالتبني لأمريكا، حتى خابت تطلعاته فجأة في أواسط الخمسينيات مع سلسلة من التراجعات الشخصية، وخاصة خلافاته مع ناشريه الأمريكيين، الذين شعر موبيرغ بأنهم يمارسون الرقابة على ‘روايات المهاجرين’ بلا مبرر. (12)ومع ذلك، يبدو الآن واضحاً أن موبيرغ شرع على نحو فاجأه هو نفسه- باختبار مشاعر مختلطة إزاء ‘العالم الجديد’ في وقت مبكر، في العام 1948. فمن ناحية، كان معجباً بنجاح الأمريكيين المادي، وكان يقدر كرم الناس العاديين. وكان يروق له بشكل خاص حس الاستقلال والاعتماد على النفس الذي يعرضه العمال الأمريكيون. وفي أميركا، لم يجد أياً من ذلك التذلل للطبقات الثرية، الشائع كثيراً في السويد. هنا، كان يُحكم على الإنسان ‘بما يستطيع أن يفعله’. (15)ومن الناحية الأخرى، بدت بعض عناصر الحياة الأمريكية أقل جاذبية. كانت حرارة الصيف القائظة، والغياب المحسوس لحياة أدبية نابضة لدى الناس العاديين، والسياسة الدينية المحافظة في وسط أمريكا، من بين مواطن شكوى موبيرغ الأولى. ومع بدايات الخمسينيات، امتد عدم رضاه إلى المنطقة السياسية، فأغضبته الاضطرابات التي أثارتها مطاردة السيناتور جوزيف مكارثي للشيوعيين، وكان الاشمئزاز ردة فعله على طرد تشارلي شابلن من البلاد بسبب ميوله اليسارية. وفي مواجهة شخصية مثيرة للحفيظة في العام 1955، طلب ‘جهاز العوائد الداخلية’ في نيويورك من موبيرغ إيداع مبلغ 9 آلاف دولار كتأمين لقاء ضرائب متأخرة محتملة قبل أن يستطيع العودة إلى السويد للزيارة.تبلورت آراء موبيرغ العامة في الولايات المتحدة من خلال نظرته اتجاه ولايتين: منيسوتا وكاليفورنيا. وقد عاد إلى منيسوتا عدة مرات بعد زيارته الأولى في العام 1948، ووجد الناس هناك يعملون بجد. كان المزارعون السويديون في منيسوتا قد هيأوا مساحات من الأرض للفلاحة خلال 100 سنة أكثر مما استطاع تهيئته المزارعون في السويد منذ عصر الفايكنغ، كما قال موبيرغ بافتخار. وقد راقت له مناطق الاستيطان السويدية، والريف الشبيه بسمالاند حول ليندستورم في وسط مقاطعة تشيساغو. كما شكلت زياراته للمقابر السويدية في منيسوتا مصدر إلهام لبعض من حكاياته الشاعرية غير القصصية عن أمريكا، حيث كان يتخيل حياة ومصارع مزارعيه السويديين المحبوبين في الحقول بعيداً عن الوطن.لكن الحياة اليومية في منيسوتا برهنت أنها أكثر عادية وابتذالاً، مع ذلك. وقد نعى موبيرغ كآبة البلدات الصغيرة في الولاية، وكان صقيع تشرين الثاني (نوفمبر) يجلب تذكارات غير مريحة عن السويد. ومع ذلك، كان غياب التسامح والتعصب الديني الأعمى الذي وجده في الكنائس اللوثرية في أعالي وسط الغرب هو الذي استفزه أكثر ما يكون. وعلى المدى البعيد، تبين أن جوّ منيسوتا، المناخي والروحي على حد سواء، كان مفرطاً في القسوة. كانت ولاية النجم الشمالي قد حملت البصمة التي لا يخطئها العين، كما كتب موبيرغ، للكالفينية، والزوينغلية، والنزعة التطهيرية لشمال أوروبا.إذا كانت لموبيرغ علاقة حب مع أميركا، فقد كانت مع ولاية كاليفورنيا. وقد أقام منذ بداية خريف العام 1948، في ‘كارميل’، حيث استأجرت له إحدى عماته الأمريكيات بيتاً. وفي الشمس المشرقة هناك، وفي شبه كبير بكانيري راو في روايات شتاينبيك، نعم موبيرغ بما أسماه ‘روح بيترارك وبوكاشيو الجذلة’. وهنا استكمل رواية ‘المهاجريون’ وشرع في كتابة ‘إلى أرض طيبة’.وهناك التقى بغوستاف لانيستوك، الذي أصبح مترجمه. وكان لانيستوك سويدياً الأصل، ترعرع في كارميل، حيث عمل في قطاع العقارات وجمع الكتب النادرة. وقد التقيا صدفة بينما كانا يسيران على أحد شواطئ كاليفورنيا في أواخر الأربعينيات. وأقنع موبيرغ لانيستوك بالقيام بترجمة الروايات، وانكب لانيستوك على مشروع ترجمة الرباعية كاملة. واستمرت الصداقة التي تشكلت خلال هذا المشروع حتى وفاة موبيرغ.ومع ذلك، لم يقدر لموبيرغ أن يبقى مستقراً. كانت حالة من حب السفر وشهوة الترحال (والتي لازمته حتى أواخر السبعينيات) قد سيطرت عليه، كما فسر بعد سنوات من ذلك. فانتقل إلى فلوريدا في العام 1953، وعاد إلى منطقة مونتيري-كارميل، ثم لاحقاً إلى شاطئ باغونا في كاليفورنيا، بل إنه قضى بعض الوقت في مكسيكو، مع وقفات قصيرة متفرقة في نيويورك. وفي العام 1955، عاد إلى أوروبا، منزعجاً من الرياح السياسية والأدبية في أمريكا، ومعترفاً بفشله في التكيف مع الثقافة الأمريكية. وأكمل رباعية المهاجرين في أوروبا.ثيمات ‘روايات المهاجرين’كانت لموبيرغ نظرة شعبوية قوية للتاريخ، ورفض منهج ‘الرجل العظيم’ الذي يضفي حساً أسطورياً، والذي كان شائعاً جداً بين المؤرخين والروائيين السويديين قبل زمانه. وجادل بأن الكتّاب الأقدم كانوا يمتدحون خصال الملوك السويديين ورجال الدولة، في جهد يرمي إلى الإبقاء على العامة موضوعات موالية للطبقات الحاكمة، ومن دون استنطاق. وقد وصف هذا النهج بأنه إفتاء تاريخي في قضايا الضمير، وألقى عليه اللائمة في خلق مشاعر ‘المَلَكية المتطرفة’، ‘الوطنية المفرطة’، و’البطولية الفائقة’. (14)خلال عملية الهجرة، رأى موبيرغ حركة تاريخية وهي قيد الحراك، والتي أدامها الناس العاديون الجريئون ممن تصرفوا من دون وجود شخصية مركزية هامة لتكون قائداً لهم. وقد غيرت الهجرة التاريخ، حسب أطروحاته، في أنها قد حرمت السويد من مورد الايدي العاملة الرخيصة، وساعدة أمريكا في بناء مجتمع جديد. وعلى أساس مادي، كانت أميركا هي الأرض التي يمكن فيها لأناس ذوي وسائل متواضعة، وإنما يمتلكون القدرات المناسبة، أن يزدهروا.ولم يكن كارل أوسكار مميزاً كقائد للرجال، وإنما كان وحسب ‘مهاجراً واحداً بين الكثير من المهاجرين’، وفقاً لأحد نقّاده، (15) ومع ذلك، كان ناجحاً كمزارع في أميركا لأنه يمتلك المهارات العملية المناسبة. وفي حين كان كارل أوسكار محبطاً في السويد، فإنه يري عمله الجاد وهو يُكافأ بثراء متزايد باطراد في منيسوتا.كان موبيرغ شديد الاهتمام بهذه الثيمة الرائدة، حتى أنه قدم تصرفاته الخاصة في ضوء مشابه، ولو أنه أكثر شخصانية. وكان يريد أن يُنظر إليه باعتباره الأول في السويد، الطي مارس فن كتابة الرواية التوثيقية. وبنفس الطريقة، دافع أوسكار عن أهميته كمكتشف لعنوان الهجرة السويدية. وكان المفكرون والكتّاب السويديون قبله قد أهملوا الموضوع، كما شعر، لأن الحركة كشفت عن افتقار الحكومة السويدية للبصيرة، عبر فشلها في منع الهجرة.تماماً كما كسب كارل أوسكار حصته في مقاطعة تشيساغو قبل أربع سنوات من الاستيطان التاريخي الدائم الأول للسويديين هناك، كذلك حول موبيغ، بحساباته الخاصة، التربة الأدبية البكر من خلال تصوير حياة السويديين الأمريكيين العاديين في منيسوتا. وفي هذا الخصوص، سيطر خيال موبيغ الخصب والخلاق على حسّه القوي بالواقعية. وبينما لم يستنطق أي من النقّاد الدقة التاريخية في ‘روايات المهاجرين’، يبقى من الواضح أن الكتاب الآخرين (سواء كانوا سويديين أو أمريكيين) كانوا قد سبقوا موبيرغ في تسجيل أنماط الاستيطان السويدي في الولايات المتحدة. وفي حقيقة الأمر، سجل موبيرغ قائمة بأسماء بعض أولئك الباحثين في الببلوغرافيا التي وضعها لرواياته.ومع ذلك، يبقى تصوير موبيرغ المخلص لحياة الناس المتواضعين المنخرطين في المهمة التاريخية ثابتاً في كامل روايات المهاجرين. ويعتبر ثبات وتساوق هذه الحكاية واحداً من نقاط قوة السلسلة.ربما تكون قراءة ‘روايات المهاجرين’ كتاريخ نفسي لموبيرغ وأمريكا الخاصة به، تنويرية بنفس قدر البحث عن الموتيفات التاريخية. وغالباً ما تساءل الدارسون عن الكيفية التي أثرت فيها انطباعات موبيرغ الشخصية عن أميركا بعد العام 1948 على الاتجاهات التي تسلكها ملحمته الحكائية. ومن المغوي النظر إلى خط القص باعتباره ممتداً باتجاه خطّي من الفقر والاضطهاد في ‘العالم القديم’ إلى الثراء والحرية في ‘العالم الجديد’. لكنها تمكن رؤية مجموعة أكثر تعقيداً من المتغيرات النفسانية وهي تدخل الروايات، مع ذلك.في هذا الصدد، أوضح الروائي السويدي سفين ديلبلانك Sven Delblanc كيف قادت إملاءات الواقعية موبيرغ إلى استنتاج أن الحالة البشرية الأساسية تبقى ثابتة، بغض النظر عن الزمان والبلد. (16) وكذلك، درس البروفيسور روتشيلي رايت Rochelle Wright كيف أن موبيرغ على الرغم من افتتانه المبكر بأميركا- غالباً ما صور الأرض الجديدة على أنها ‘مملكة ظل’، أرض اختفى فيها أقارب المرء، وبحيث لا يعود يسمع عنهم مرة أخرى. كان أميركا مشتتاً عظيماً للعائلات. (17)ويجسد كارل أوسكار وكريستينا هذه الثيمة. فبينما يعتقد كارل أوسكار بمستقبلهما في أميركا بتفاؤل شبه كامل، ترى كريستينا هجرتهما باعتبارها التخلي عن التقاليد القديمة، وخسران حق قديم في السويدية. ولم يسمح موبيرغ أبداً لقارئه بأن ينسى أشواق كريستينا وحنينها الموجع لموطنها الأصلي في سمالاند.وحتى نجاح كارل أوسكار المادي يكون ملطخاً. أولاً، لأنه لا يفهم أبداً وبشكل كامل التأثير العاطفي لمغادرته والديه المسنَّين في السويد. وبنفس الطريق، يكون بطيئاً في إدراك المفارقة في قوله لكريستينا بأن أبناءه سوف يشكرونه ذات يوم على أخذه لهم إلى أمريكا، بينما يكبروا في الواقع ليتزوجوا من جماعات عرقية أخرى ويغادرون كارل أوسكار خلفهم كما كان قد غادر والديه من قبل. وهناك أيضاً المفارقة المتمثلة في أن فترة ازدهار كارل أوسكار المتصاعد في مزرعته في منيسوتا تتطابق مع الوقت العام لموت كريستينا. ويكون بعد وفاة كريستينا حين يختم كار أوسكار قدره عن طريق استنطاق الله للمرة الثانية في حياته.وبالإضافة إلى ذلك، تنبغي الإشارة إلى أن أحد الموتيفات المتكررة في كتابات موبيرغ غير القصصية كان إعجابه بروح المؤسسة التي رآها في الأميركيين. ومع ذلك، كان مصدوماً بنفس المقدار مما رآه فردانية قاسية والافتقار إلى التعاطف مع الأقل حظاً في مجتمعهم. (18) وليس هناك شخصية تجسد هذه الخصائص أكثر من كارل أوسكار، التي تتم موازنه صفاته من الاجتهاد والعملية بقلة صبر روبرت وافتقاره إلى الفهم، وهو الحالم الذي لا شفاء له. كما ينظر أوسكار بتشكك إلى السكان الأمريكيين الأصليين لأنه يعتبرهم كسولين.ينبغي النظر إلى ‘روايات المهاجرين’، باختصار، في تجليها الواقعي الكامل. فهي قصص الآلام المحبطة بقدر ما هي قصص الرضى الشخصي. ومن بين شخصيات موبيرغ كلها، فإن أولريكا ويوناس فقط هما اللذان يكسبان نوعاً من السعادة المقيمة. أما معظم الآخرين (من إنغا-لينا إلى كريستينا) فيستسلمون سريعاً بعد وصولهم إلى هنا، أو قبل وقت طويل من وقتهم. وفي النهاية، يبقى كارل أوسكار، مسناً ووحيداً، قاطناً في منيسوتا بالجسد فقط.رأى موبيرغ مباشرة صعوبة التكيف الكلي المستمر مع ثقافة جديدة. لكنه بقي سويدياً للأبد، ربما على الرغم من نفسه. وفي رواياته، قام بمسرحة مشكلات التكيف. ومع ذلك، وأكثر من أي كاتب سويدي آخر، نجح موبيرغ في جسر الهوة بين العالمين، القديم والجديد، بين السويد ومنيسوتا. وكان انبعاث الاهتمام العرقي في أوساط الأمريكيين السويديين وأقاربهم في السويد، الذي بدأ في الخمسينيات والستينيات، قد جاء متأثراً بروايات المهاجرين إلى حد كبير.ناضل موبيرغ ليفضح زيف الأساطير البطولية للتاريخ السويدي. لكنه نجح في حكاياته عن المهاجرين إلى منيسوتا، وعلى طريقته الخاصة، في خلق صورة شعبية مهمة. وتتحدث شخصيات كارل أوسكار وكريستينا، اللذان يمثلان العموم في نهاية المطاف، تتحدث بقوة لخيالنا حتى تحتلان بعداً أكبر من الحياة نفسها. ومثل التناقضات الأخرى الكثيرة في حياته، كانت هذه الالتفافة المنطوية على مفارقة تجد ضالتها في فيلهلم موبيرغ وتروق لحساسيتهالأدبية.كان أسلوب موبيرغ في الكتابة موضوعاً للمناقشة منذ الستينيات، عندما أنكر عليه الناقد غونار برانديل Gunnar Brandell أي مكان بين الفنانين المبدعين العظام للأدب السويدي الحديث. ووفق برانديل، فإن موبيرغ كتب نثراً يومياً عادياً صارماً، لم يعبر بشكل مناسب عن ظلال التميز أن يصور الشخصيات بالعمق المناسب. وخلص برانديل إلى أن موبيرغ يفتقر إلى ‘الموارد الغنائية’. (19)منذ ذلك الوقت، دافع العديدون عن أسلوب موبيرغ في الكتابة. فأوضح غونار هيلدن Gunnar Heldn’n نقاط قوة موبيرغ في التعامل مع ثلاثة موتيفات في الغنائية الكلاسيكية: الطبيعة، الحب، والموت. (20) ووصف سفين دبلبلانك Sven Delblanc أسلوب موبيرغ النثري على أنه أسلوب يولي عناية مستمرة بالتفاصيل الصغيرة، خالقاً بذلك تناغماً وشعراً في الحياة اليومية ذاتها، من دون اعتماد على التحويل الأنيق للعبارات أو على الصور اللافتة. (21) وأخيراً، شرح فيليب هولمز Philip Holmes استخدام موبيرغ للجناس، وأزواج العبارات والتكرار في نثره. وقد أتاحت هذه الأدوات لموبيرغ تبطيء إيقاعه الحكائي، وأن يناضل ‘من أجل الوضوح واكتمال التعبير’. (22)وذكر هولمز ‘العهد القديم’ والقوانين السويدية من العصور الوسيطة باعتبارها مؤثرات رئيسية على أسلوب موبيرغ الكتابي. وقد جهد موبيرغ في نثره لإنتاج أنماط تفكير الناس الريفيين من القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من كونهم غير متعلمين، فقد ووجه أولئك الناس وأجبروا على التكيف مع عالم جيد من التعبيرات والعواطف المركبة. وكانت مهمة موبيرغ هو أن يعطي صوتاً واقعياً لشخصياته. ويتحدث نجاحه في العثور على هذا الصوت عن إبداعه.روجر ماك نايتRoger McKnightGustavus Adolphus Collegeالكالفينية: مذهب مسيحي بروتستانتي يعزى تأسيسه للمصلح الفرنسي جون كالفن، وكان هذا الأخير قد وضع بين عامي 1536م و 1559م مؤلفه (مبادئ الإيمان المسيحي) الذي يعتبره الكثيرون من أهم ما كتب في الحركة البروتستانتية.الزوينغلية: مذهب إيماني مسيحي أسسه فى سويسرا ألريخ زوينغلي (1484-1531)، وهاجم الكثير من طقوس مجمع روما المسيحي، مثل صكوك الغفران وصلوات الكنيسة والبتولية، ودعا إلى حرق الصور والأيقونات وتحطيم التماثيل.qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية