أبوتمّام لأمير تاج السرّ: في سرّ الكتابة

أتابع ما يكتبه الكاتب المرموق أمير تاج السر، بمتعة كبيرة. وآخر ما قرأت له مقاله «ما تلهمه كتابات الآخرين» (القدس العربي 02 أغسطس/آب 2015). وهو من الموضوعات والمسائل التي نعالجها نحن أساتذة الأدب في باب «التناصّ» أو «التداخل النصّي» أو «حواريّة النصوص» وما إليها؛ ممّا لا أحبّ أن أخوض فيه، حتّى لا يتحوّل هذا المنبر الثقافي إلى منبر علميّ محكم. وقد تمثّل الكاتب برواية ماركيز «ذكريات عن عاهراتي الحزينات»، ولا أدري لِمَ ترجمها بـ«ذكرى غانياتي الحزينات»؛ والغانية ـ والغواني يغرّهنّ الثناء، كما يقول أحمد شوقي ـ تقف على طرف النقيض، من النساء اللاتي صوّرهنّ ماركيز في روايته. والكلمة في لسان العرب تعني المرأَةُ التي استغنت بحسنها وجمالها عن الزينة، أو استغنت بزوجها. وفي عربيّة المعاصرين هي الراقصة التي تعمل في الملاهي الليليّة.
على أنّ ما يعنيني في السياق الذي أنا فيه أنّ ماركيز لم يفعل، في حقيقة الأمر، أكثر من أن يوقظ جميلات الياباني ياسوناري كاوباتا النّائمات! ذلك ما قلته بيني وبين نفسي، وأنا في القاهرة، شتاء 2004 ألتهم رواية ماركيز. وقد أهدانيها مترجمها عن الإسبانيّة إلى العربيّة صديقي المصري طلعت شاهين. دسّها في محفظتي، حتّى لا يراها الآخرون، ونحن في دار الأوبرا، هامسا: «إنّها النّسخة الوحيدة، وقد جلبتها للتّوّ من المطبعة». وتعزّز لديّ هذا الانطباع، وأنا في الطّائرة إلى تونس؛ أستكمل الرّواية وأستحضر مقدّمة ماركيز لرواية كاوباتا «بيت الجميلات النّائمات»، وقصّته القصيرة «طائرة الجميلة النّائمة»، التي كتبها عام 1982. وهي تؤكّد أنّ ماركيز لم يسلم من سحر «الجميلات النائمات». يقول ماركيز ـ أو السّارد ـ وهو في الطّائرة من باريس إلى نيويورك، مسترقا النّظر إلى الجميلة النّائمة بجواره في كرسيّها، حذو النّافذة؛ وأنا أترجم كلامه عن الفرنسيّة: «كان الأمر لا يصدّق! الرّبيع الماضي كنت قرأت رواية رائعة لياسوناري كاوباتا عن عجائز بورجوازيّة كيوتو، الذين كانوا ينفقون أموالا طائلة، لقضاء اللّيل في تأمّل صبايا المدينة الأجمل، عاريات مخدّرات، فيما هم دنفون من الحبّ، في السّرير نفسه. كان عليهم ألاّ يوقظنهنّ، ولا يلمسنهنّ، ولا حتّى مجرّد التّفكير في ذلك، فقد كان كنه متعتهم يقتصر على النّظر إليهنّ وهنّ نائمات. هذه اللّيلة وأنا أرعى نوم جميلتي، توصّلت إلى أكثر من فهم هذا التّرف الخاصّ بالشّيخوخة: فقد عشته بتمامه وكماله».
نعم أيّ نصّ ـ مهما يكن حظه من الجدّة والطرافة، محكوم بملابساته ومواقيت كتابته. وقد يجمعه صاحبه من تفاريق في الذّاكرة هي كباقي الوشم، وخطوط كمدارج النّمل! وهل»المذكّرات» أو «اليوميّات»، في حقيقتها، إلاّ «روايات» الذين أخذوا أنفسهم بعيشها، قبل أن يكتبوها؟ كما يقول فيليسيان مارسو.
ينتقي الكتّاب ما ينتقون، وينسبون إلى أنفسهم ما ينسبون، ولكنّ البارعين منهم يخترعون أيضا. وقد يغني بعضهم عن الشّاهد بالغائب، وقد يضمّن من النصوص، كلّ ما هو مغمور مستور في الذاكرة، ليتحايّل علينا نحن القرّاء، ويتغلغل بنا بين وقائع وأخبار قد يستعصي علينا فكّها والكشف عن معمّياتها.
والنصّ الأبي أشبه بمخطوط لحقت بأصله آثار رطوبة وطمس، أتت على أوراق كثيرة منه. وربّما زاد في عدم وضوحه أنّ ما سلم منه مكتوب على ورق فيه أثر كتابة أخرى. وقد يكون فيه أسقاط يتنوّع إلى سقوط حرف وكلمة وكلمتين وسطر وأكثر من ثلاثة أسطر أحيانا! وكأنّ وظيفة الكاتب أن يستكمل النّاقص ويوضّح المطموس! وربّما حفلت نسخته بزيادات ليست من الأصل.
وها أنا أسوق هذه الحكاية التي نقلها ابن رشيق في عمدته، عن بعض أصحاب أبي تمّام. قال: «استأذنت عليه [أبو تمّام] ـ وكان لا يستتر عنّي ـ فأذن لي، فدخلت، فإذا هو في بيت مصهرج، قد غسل بالماء، يتقلّب يمينا وشمالا، فقلت: «لقد بلغ منك الحرّ مبلغا شديدا « قال: «لا، ولكن غيره». فمكث ساعة ؛ ثمّ قام كأنّما أطلق من عقال، وقال: «الآن، الآن». ثمّ استمدّ، وكتب شيئا لا أعرفه. ثمّ قال:
«أتدري ما كنت فيه؟» قلت: «كلاّ! «قال: «قول أبي نواس :
كالدّهرِ فيه شراسةٌ وليانُ…
أردت معناه، فشَمَسَ عليّ، حتّى أمكن الله منه، فصنعت (من مِدْحَة في المعتصم):
شرستَ بل لِنْتَ، بل قانيْتَ ذاك بذا فأنت لا شكّ فيك السّهلُ والجبلُ
وعقــّب ابن رشيق على هذا النصّ: «ولعمري، لو سكت هذا الحاكي، لنمّ هذا البيت بما كان داخل البيت، لأنّ الكلفة فيه ظاهرة، والتّعمّل بيّن».
إنّ عمل الشّعر في بيت أبي تمّام، طريقة في تدبّر اللـّغة، تتوخّاها ذات ظاهرة بيّنة تنشد صياغة معنى شموس أو عقيم « بعبارة عبد القاهر، من خلال وفرة الكلمات المتدافعة. والكلام في هذا السّياق كلام يساوق كلاما (بيت أبي نواس) ويسير على هداه. ولكن من دون أن يكون متسهّلا أو متوطـّئا، كما نستنتج من تعليق ابن رشيق. فثمّة نصّ (بيت أبي تمّام) يجاهد نصّا، حتّى لكأنّ الأمر أشبه بتنازع نصّين أو بـ»شيء مجرّد» (الدّهر) في بيت أبي نوّاس:
حذر امرئ قصرتْ يداه على العدا كالدّهــر فيه شراسةٌ ولـِيـــانُ
يتعذّر نقله، في لحظة صمت، إلى سياق المدح الخالص؛ ثمّ يتسهّل ويلين، إذ يتوضّب فيه فعل الكتابة وفعل النّظر معا. ورؤية أثر ما يمكن أن تكون كتابة تتولـّد من التلفــّظ بالأثر (القراءة الباطنيّة) والخطابات الثـّانويّة التي تلازمه. والكتابة، بهذا المعنى، إصغاء ونظر أو هي كتابة مضاعفة: فأبو تمّام يختبر تجربة الزّمن الجماليّة في بيت أبي نوّاس، ويجول بـ «البيت» ويطوف، حتّى يتسنّى له أن ينقله عبر الفاصل بين الرّؤية والقراءة. وهذه اللـّحظة إنّما تتعلّق بالنّظر، أي نظر ما هو ماثل أو حاضر في البيت، حيث حلّ «السّهل» و»الجبل» محلّ «الدّهر».
ومن الصّعوبة بمكان، التسليم برأي ابن رشيق في أنّ أبا تمّام، نصب لبيته هذا (وهو الرّابع والعشرون في القصيدة) قافية «الجبل» قبل أن ينظمه. وإنّما الأقرب إلى الصّواب أنّ أبا تمّام، ولـّد القافية والاسم المعطوف عليه «السّهل» من كلمتي «شراسة» و»ليان» في بيت أبي نواس.
إنّ خطابا كهذا لا يمكن إلاّ أن يكون تفكّريّا، يصدر عن نظر وتأمّل وتدبّر حيث صمت «الدّوال» في بيت أبي نوّاس يشحذ دواعي الشّعر عند أبي تمّام. وكأنّ الخطاب وجه وقفا أو فوز على «صمت» ما، كما تدلّ على ذلك نبرة أبي تمّام، وقد ازدهت بالظّفر: «أردت معناه فشمس عليّ، حتّى أمكن اللـّه منه…» غير أنّ الجهد في إخفاء الأثر أو في إسكات الأصل، جهد باطل عقيم، كما نستخلص من تعليق ابن رشيق. والبيت الذي ينشأ متنكـّرا أو مـقـنـّعا، قد يظهر أكثر ممّا يخفي، على ما بيّنته في رسالتي عن «الجسد المرئي والجسد المتخيّل فيشعر أدونيس «في غير موضع من بحثنا. ولكنّه قد يسوّغ القول بأنّ «الأثر Oeuvreهو الأثر Voieالذي نترسّمه» وهي عبارة أنقلها عن الرسّام بول كلي؛ وأجد العربيّة أبلغ في الدلالة عليها، لأنّ كلمة «أثر» تعني الأثر الأدبي أو الفنّي والخبر… مثلما تعني الأثر أي العلامة التي نقتفيها، أي أنّ العمل الأدبي أكان شعرا أم نثرا، أو أيّ نوع؛ لا يكون إلاّ وهو يمهّد السّبيل إلى تكوّنه الذّاتي؛ فلعلّ في هذا ما يبيّن أنّ الكتابة عند كاتب يتوكّفها، ويستنزلها، ويأخذ لها عدّتها، ليس بالأمر الذي يسهل النّفاذ إليه، حتّى لو نهض لنا منه نصّ «غائب» أو خبر كالذي سقنا. فربّما أفادنا ذلك في فهم اصطلاح مثل الصّنعة والكلفة والتّعمّل ؛ وفي ما عداها، تظلّ الكتابة محتفظة بسرّها، إذ نجهل كلّ شيء عن التّصحيحات التي يجريها الشّاعر أو الكاتب وهو يكتب، ويدفع كلمة بأخرى، ويتحقــّـقُ هذه مثلما يتحقــّـق منها، ومن تلك التي لا تفي بغرضه، ويملي على الأشياء قواعده؛ لأنّها محكومة في رؤيته الخاصّة بتأويل استعاريّ، تتأدّى فيه الكلمات وتتراكب من حيث هي كلمات ــــ أشياء. هذا المزج بين النصوص يمكن أن يفضي إلى لغة نوعيّة ذات إيقاع خاصّ، قادحه تفاعل بين كلمات مختلفة أصلا وطبيعة، وعلائق حواريّة بين خطابين متحاوزين، ولكن يغني كلّ منهما الآخر. ولعلّ هذا التّجميع وهو أقرب ما يكون إلى «تهجين» لغويّ، أن يكون خير دليل إلى اكتناه عالم الكتابة مراحل ومنازل، والكيفيّة التي ينشأ بها النّصّ، ويدرج ويقول؛ فضلا عن كونه سمة مفارقة في الخطاب وأمارة على تفاوت إنشائيّته.

ناقد تونسي

منصف الوهايبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية