لعلّ الكثير منّا يشعر بالحيرة تارةً، وبالاستغراب والدهشة تارةً اخرى. حين يلتبس عليك موقف أحدهم تجاه قضيةٍ معينةٍ، واختلاف أسلوب التعاطي مع مسألةٍ معينةٍ. وقد يمثّل موضوع الثورة السورية، وموقف العالم منها قياساً إلى موقفهم من باقي ثورات الربيع العربي نموذجاً لما يثير هذه الحيرة والاستغراب، ويطرح تساؤلاتٍ عدّةٍ عن سبب هذه المواقف الملتبسة. وقد استوقفتني حادثةٌ صغيرةٌ ربما كانت السبب فيما بعد إلى خروجي عن موضوع الدرس الذي كنت أشرحه لطلاب مدرستي التي أعمل فيها.إذ تتلخص فكرة الدرس بقصة شاب يافع يتحلى بصفات الشاب المسلم، والمؤمن الحقيقي، يؤثر هذا الشاب على نفسه كلباً ضالاً يستجدي طعاماً، فيعطيه الشاب ما بحوزته دون أن يترك لنفسه ما يسدّ جوعه. وعندما يستوضح منه رفيقه عن السبب، يجيبه قائلاً: استحييت من الله أن ينظر إليّ مخلوقٌ جائعٌ وعندي طعامٌ ولا أطعمه.أثّرت هذه الجملة في نفسي كثيراً، وجعلتني أسهب في شرح أخلاق المسلم الحقيقي، وما يجب علينا فعله إزاء الفقراء والمحتاجين، ووجدت نفسي لا شعورياً أعرّج على ذكر أطفال سورية في مخيم الزعتري، وفي مخيمات اللجوء في تركيا ولبنان، وسرد تفاصيل أوضاعهم المعيشية داخل سورية والتي لا تقلّ سوءاً عن أوضاع اللاجئين في خارجها. فهم عرضةٌ للجوع والبرد والتشرد والموت في بلد لا حقيقة ثابتة فيه سوى الموت.وربما تكمن حيرتي ودهشتي في تعامل العالم أجمع، والمسلمين على وجه الخصوص مع أوضاع شعب لم يلق تضامناً من أشقائه العرب، ولا حتى ممن يحسبون أنهم ينتمون إلى ذات البوتقة الكبيرة المتمثلة بالأمة الإسلامية. بعيداً عن الشعارات وعن المواقف الإعلامية البرّاقة، وما نراه من تهافت مسؤولينا العرب لإبراز مدى دعمهم ومساندتهم للشعب السوري، أما على أرض الواقع فالأمر مختلف تماماً عما هو عليه على أجهزة الإعلام. إذ كيف لمسلمٍ أن يتحقق إيمانه وإسلامه وخجله وحياؤه من الله وهو يرى أطفالاً جوعى يقتلهم البرد والخوف والتشرد ثم يدير ظهرهم له؟!هنا أدركت أنّ ما أقوم به من شرح قد يجرّ عليّ تساؤلات ربما لا أقوى على الإجابة عنها، فكيف عساني أردّ على طالبٍ يسألني: ألا يستحي المسلمون في العالم وهم يشاهدون أطفال سورية يقتلهم البرد والجوع؟ ألا يستحون من وجه العزيز القدير؟! ألا يجب عليهم أن يتمثلوا أخلاق هذا الشاب المسلم الحقيقي؟! أم إنّ الإسلام لديهم هو عبارة عن بعض المظاهر العقدية التي لا تعدو أكثر من مظاهر يتشدق بها بعضهم أمام بعض. ما أظنه هو أنّ المبادئ لا تتجزأ، والإسلام بدايةً هو دين التسامح والمحبة، هو دين الاخلاق التي أكدّ عليها النبي الأكرم بقوله: إنما جئت لأتمّم مكارم الأخلاق.ولذا فإنّ من يرى هؤلاء الأطفال الذين يعانون شظف العيش، وقسوة الحياة والطبيعة التي تزامــــنت مع قســـوة جلادهم، إنّ من يرى كلّ ذلك لا أعـــــتقد أنه يمـــتّ بصلةٍ لا للإسلام ولا لأي دينٍ سماوي، وحتى لا ينتمي إلى الإنسانية جمعـــاء. ولكن ماذا نصنع بمن لا يستحيي مــــن الله، ولا يخجل من وجه ربّه؟! حقّاً: إنْ لم تستحْ فاصنع ما شئت!أحمد العجيلي ـ سوريةqmn