شيفرة الديمقراطية على طريقة إثيوبيا… هندوراس والمقهورين العرب

حجم الخط
1

في الواحد والعشرين من يوليو المنصرم، وخلال جولته الأفريقية حطّ الرئيس الأمريكي أوباما رحاله في إثيوبيا، ليتحف مستمعيه بخطاب الثناء على «الحكومة الديمقراطية المنتخبة في إثيوبيا» أكثر من مرة، وهي نفسها حكومة الحزب الحاكم الذي فاز بمئة في المئة من مقاعد البرلمان الوطني البالغة 547 مقعداً.
وهي ذات الحكومة التي وصفها تقرير منظمة «هيومن رايتس ووتش» بأنها حكومة «تسلطية تعتمد الاعتقال التعسفي، والمحاكمات الشكلية ذات الدوافع السياسية لإسكات الصحافيين والمدونين والمتظاهرين، وكل من يُظن بتعاطفه مع أي من التشكيلات السياسية المعارضة في إثيوبيا».
وفي المقام نفسه يرى البروفيسور هوراس كامبل أستاذ العلوم السياسية في جامعة سيراكوز الأمريكية بأن الدور المحوري للولايات المتحدة في أفريقيا الشرقية، خاصة في إثيوبيا والصومال وأوغندا وجنوب السودان، لم يرتبط بأي جهد «للتنمية الحقيقية» في تلك الدول، وارتبط واقعياً في تعزيز «عسكرة المنطقة»، بعملقة هياكل التنظيمات العسكرية، وشبه العسكرية المرتبطة عضوياً بمشروع تأسيس وإدامة احتراب مجتمعات أفريقيا الشرقية في داخل دولها، وفي ما بينها كدول في حروب طاحنة ومزمنة، تحت يافطة المشروع الأمريكي العالمي لمحاربة ما تسميه الولايات المتحدة بالإرهاب.
حروب أنهكت وشردت الملايين من فقراء أفريقيا الشرقية، إلى درجة الموت مع وقف التنفيذ، وأفرزت دعم حكومات قمعية كتلك التي في إثيوبيا وكينيا، وتنظيمات مافيوية كمثل تلك التي أدت إلى فصم جنوب السودان عن شماله، وفق منهجية الولايات المتحدة التي وصفها البروفيسور كامبل بأنها «استثمار ليس له علاقة بتنمية البنية التحتية في أفريقيا الشرقية»، وإنما استثمار على المستوى الأيديولوجي والتنظيمي، المتمثل في عسكرة الدول والمجتمعات في أفريقيا الشرقية، والأهم من ذلك كله توطيد دور الكنيسة والبعثات التبشيرية، وصناعة القوى الاجتماعية والعسكرية ذات الطابع الديني المسيحي المتطرف، التي تشيع العنف والكراهية في عموم القارة الأفريقية»، بالإضافة إلى الاستثمار في الحقل اللغوي، لاعتماد اللغة الإنكليزية لغة رسمية، وهو الذي أثمر عن هوية هجينة لجنوب السودان، الذي لم يعد قادة مليشياته قادرين على التحدث بلغة عربية أو إنكليزية سليمة في الحدود الدنيا لكلتيهما.
وعلى الطرف الآخر من الكرة الأرضية في أمريكا الوسطى، وفي هندوراس تحديداً، يسير عشرات الألوف في مسيرات شعبية كما لو أنها استنساخ من المشاهد الملحمية لشباب الربيع العربي في سورية ومصر واليمن، تطالب برحيل نظام الرئيس خوان هيرنانيدز، الذي جاء بانقلاب عسكري مبرمج ومدعوم من قبيل إدارة الرئيس أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون آنذاك في عام 2009 على الرئيس الشرعي المنتخب ديمقراطياً مانويل زيلايا.
السبب الظاهري لانتفاضة جحافل الشعب في هندوراس على الرئيس المدعوم أمريكياً هو، كشف الصحافي ديفيد روميرو استخدام الرئيس هيرنانيدر لحوالي 400000 دولار أمريكي من الأموال العامة العائدة للشعب المفقر لحملته الإنتخابية، التي فاز بها مؤخراً. أما السبب الحقيقي لتلك الانتفاضة فلخصه الرئيس السابق زيلايا، في مقابلة متلفزة حديثة عن حال وطنه منذ الانقلاب الذي أطاح به وحكومته المنتخبة شرعياً، بأنه «انقلاب عسكري مبرمج في الولايات المتحدة، حطم هياكل المؤسسات الوطنية الهشة، وحوّل الوطن إلى مجتمع استغلالي تتحكم فيه الشركات العابرة للقارات، والمصارف العالمية، والشركات الاستثمارية العملاقة، وشركات النفط العالمية. مجتمع يقوم على الفساد السياسي والاقتصادي، وعلى إرهاب المجتمع بقوة الأجهزة الأمنية والعسكرية، والاعتقال التعسفي. نظام أمني لم يوفر فساده الهيئات القضائية الوطنية، التي تحولت وظيفتها من حماية حقوق المواطنين الأساسية والدستورية إلى أداة لتنفيذ الأجندات السياسية للنظام الأمني العسكري في قمع كل المعارضين له».
ويحق للمتلقي العربي أن يتساءل ببديهية عن التطابق الواقعي للومضتين الديمقراطيتين على الطريقة الأمريكية في إثيوبيا وهندوراس، مع قريناتهما المشخصة في التراجيديا العربية الراهنة في غير موضع من انكفاء الربيع العربي. نعم إنها الديمقراطية الأمريكية التي تقوم على صناعة وتوطيد الأنظمة الاستبدادية، التي تستطيع القيام بدورها الوظيفي في تحقيق المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في الوصول إلى كل الموارد الطبيعية التي تحتاجها من دون قيود، والتغلغل اللامشروط في كل الأسواق التي تستطيع تصريف نتاجها فيها، وفي ضمان استقرار وريعية استثمارات الشركات الأمريكية على حساب كل المفقرين والمقهورين الذين يزدادون فقراً وتهميشاً في كل موقع من أرجاء الأرضين.
وعندما يخفق ذلك المستبد في القيام بالدور الوظيفي المناط به، يتم الترتيب لانقلاب عسكري لإحلال الديمقراطية الأمريكية وتوطيدها من جديد، بغض النظر عن التغايرات التزويقية، والتراجعات التكتيكية لغرض تماسك الإخراج الديمقراطي لإدارة المارد الأمريكي. أما في حال عدم توافر الشروط الملائمة لتحقيق تلك الإرادة مرحلياً، فيتوجب حينئذ دفع أبناء الشعب الواحد عنوة إلى سعار الاقتتال والاحتراب الأهلي، إلى أن ينال منهم الوهن واليأس الجمعي المطلقين من إهلاك الوطن وكل ما يرتبط به من بنيات مؤسسية، فتصبح الحال حينئذ صالحة لتصنيع المستبد المخلص لأولئك اليائسين في سياق حبكة درامية مهولة، يقف الغول الديمقراطي الأمريكي في كواليسها، أو في واجهتها حسب السياق الإخراجي الأكثر إقناعاً للمتفرجين، والأكثر قدرة في تسريع تحقق الأهداف الاستراتيجية الآنفة الذكر، والمناط بذلك المستبد المخلص قيادتها بسرعة الصوت أو الضوء من حيز الوجود بالقوة إلى حيز التحقق بالفعل، حسب توصيف فلسفة العقل للألماني هيجل. ولأن العقل يقتضي أيضاً ألا يلدغ صاحبه عشرات ومئات المرات من الجحر نفسه، أما آن للعقل الجمعي لكل أولئك العرب المقهورين أن يعقل شيفرة الديمقراطية الأمريكية العابرة للقارات؟

٭ كاتب سوري مقيم في لندن

د. مصعب قاسم عزاوي٭

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية