تدشين قناة السويس الجديدة ومعنى الفرح والبهجة

أخيرا فرض مشروع قناة السويس الجديدة نفسه على الرأي العام المحلي والإقليمي والعالمي.. ويمكن التعرف على ذلك من الضيوف الذين حضروا الافتتاح وأوزانهم.. ومن الطبيعي أن يستجيب المرء للبهجة إذا ما شعر بها حوله، وقد كانت في كل مكان تقريبا، وبدا الناس متطلعين إليها ومنتظرين لها.. ويقرون بمبدأ «تفاءلوا بالخير تجدوه».. على الرغم من أنهم في عصر تغلب عليه الشخصنة؛ في الأشياء والأحداث والمشروعات.. وهناك من يرى في القناة الجديدة مشروعا سياسيا أو مسيسا.. وهنا يحق لنا أن نسأل هل يوجد مشروع بهذا الحجم والمستوى، وتتحمل الدولة فيه الجهد الأكبر وتغيب عنه السياسة؟!..
والجدوى المختلف عليها.. فقد سبق وطرح مشروع القناة الجديدة كجزء من مشروع تطوير محور قناة السويس في عهدي مبارك ومرسي.
وقيل عن جدواه الاقتصادية «ما لم يقله مالك في الخمر».. ومن نظموا قصائد الغزل عن جدواه السابقة هم أنفسهم الذين يلقون بقصائد الهجاء ويرفعون معلقات التشنيع عليه في المحافل والأسواق.. وتذكرت من طالبوا بهدم السد العالي بعد اتجاه ريح السياسة الرسمية غربا، مع أنه بالحساب الاقتصادي قد يكون المشروع الوحيد في العالم الذي غطي تكلفته في سنتين فقط.. وذلك التحول المضاد تم بفعل انتقال مصر من الاستقلال إلى التبعية وتنازلها عن سيادتها لصالح واشنطن.
من أيام قليلة اتصل بي صديق عزيز من مؤسسي «حركة كفاية»، ومن رموز «حركة 9 مارس» لاستقلال الجامعات، وأهم المدافعين عن ثورتي يناير ويونيو.. قال: إنه يريد أن يفرح مهما كانت الظروف.. ويتوق للفرح، ويعتبر يوم الافتتاح يوم فرح شخصي.. يستمتع به إلى أقصى درجة، ويشارك الناس فرحتهم البادية على صورهم، والمنعكسة على سلوكهم وتصرفاتهم.. قلت له من حقك وحق الناس أن تفرح.. ونحن معهم، وعلينا أن نشاركهم.. وقلت له أنني رتبت مقال هذا الأسبوع ليكون دعوة للفرح؛ على أمل أن يساعد في تجاوز الغلظة والخشونة، ويساهم في التخفيف عن النفوس المتعبة والمرهقة، فتعود لطبيعتها المتسامحة والهادئة والمرحة.. فيختفي الوجوم وتشرق الوجوه وتعلو الابتسامة!
ومن اعتبروا مشروع قناة السويس الجديدة مجديا في عصر نال تأييدهم، وغير مجد في عصر نفروا منه؛ فهذا يوصف بازدواج المعايير، والتوازن مطلوب من أجل الصحة النفسية والسلامة العقلية والروحية.
وبالنسبة لقناة السويس كان محمد علي محقا في رفضه طلبا فرنسيا بحفرها في عهده إلا بتوفر شرطين.. الأول: الحصول على ضمان من القوى العظمى بحيادية القناة‏‏ وحماية استقلال مصر‏.‏ والثاني أن يكون تمويل المشروع بالكامل من الخزانة المصرية، ولا يقبل فيها مليما واحدا من أحد‏.. والشرطان اللذان لم يتوفرا في حفر القناة الأولى، وقد بدأ في 1859 قد توفرا حاليا بفضل قرار جمال عبد الناصر تأميم القناة، وإخضاعها للسيادة المصرية.. وما تَحَسّب له محمد علي وقع فيه ابنه محمد سعيد؛ صديق فرديناند ديليسبس، وتحول فشل ديليسبس في إقناع محمد علي إلى نجاح في خداع ابنه محمد سعيد، الذي حكم مصر من بعده؛ وكان ذلك بتأثير جماعة السان سيمونيين (نسبة إلى عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي سان سيمون 1760 – 1825)، وكانت علاقته بهم قوية..
المهم أن مطلب حفر قناة تربط القارة الأوروبية بالكتلة الأفرو آسيوية، استمر أهم محفزات الصراع على مصر والوطن العربي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ومع ذلك تطورت القناة بعد التأميم حتى أضيف إليها مؤخرا مجرى آخر؛ فتح آفقا جديدا للتنمية والتقدم، ومن المتوقع أن يحد من عزلة سيناء عن الدلتا والوادي..
أعادت قناة السويس الجديدة الاعتبار لشعار «يد تبني ويد تحمل السلاح»، وكان قد اختفى مع وقوع مصر في أسر التبعية الأمريكية، واتساع مجالات التطبيع على أكثر من صعيد..
ومن مصادر الفخر بالقناة الجديدة مصدران:
الأول: إعجاز التمويل واستجابة المواطنين، لنداء الرئيس السيسي وتقديم 64 مليار جنيه في ثمانية أيام، بدلا من ثلاثة شهور كانت مقدرة لجمع 60 مليارا. وهذه المليارات جاءت نظيفة من القروض.. متحررة من الشروط.. مبرأة من قيود وتدخلات الحكومات والمؤسسات المالية والاقتصادية والعسكرية الغربية والدولية.. ولو أحجم المواطنون كما أحجم «حيتان» المال والأعمال والمقاولات عن المساهمة في صندوق «تحيا مصر» لاضطرت مصر لمد يدها إلى المرابين والقبول بضغوطهم وشروطهم!!
الثاني: معجزة التنفيذ؛ وفيها تم تحدي الزمن.. وخلال 365 يوما؛ هي أيام السنة المقررة للتنفيذ تم حشد الخبرات والكفاءات والعمالة المدنية والعسكرية؛ المحلية والوطنية؛ مع شركات متخصصة محلية وعالمية في مجالات التكريت والحفر.. والتنفيذ في ذلك الزمن القصير مثل تحديا للذات، في جو من الحماس منقطع النظير؛ أعاد للمواطنين ثقتهم المفقودة بأنفسهم، وقدراتهم المعطلة من زمن. ورد الاعتبار للتاريخ الوطني، فاستعاد قرار تأميم القناة ونجاح المصريين في أدارتها، وإنجاز السد العالي وتحويل مجرى نهر النيل، ثم إقامة أكبر بحيرة صناعية في العالم..
ومع ذلك ما زالت هناك أصوات تطالب بهدم السد العالي.. وحجتهم اختفاء الطمي من مجرى النهر، وهو من الآثار الجانبية، وكانت معروفة سلفا.. ووضعت الخطط لعلاجها؛ تجاهلها المسئولون وأهملوها؛ مع أن أكثر أنهار الدنيا ليس بها طمي؛ ومياهها تجري بين صخور وليس بين رمال ومواد بركانية تختلط بالماء مكونة للطمي.. حتى الثروة السمكية الضخمة في البحيرة لم تنل الاهتمام الكافي بسبب أنانية وغباء وجشع وجهل رجال الأعمال والمقاولين والسماسرة الذين ما زالت فلسفتهم متحكمة في مفاصل الاقتصاد.. وهمهم تحويل شواطئ البحيرة للاستجمام وإقامة المنتجعات والقرى السياحية فقط..
ولنتصور أن تحالفا ماليا «كونسورتيوم» تولى التنفيذ.. فكم من المال سيحتاج؟.. وكم طول الوقت اللازم؟.. وما هو حجم العمولات المطلوبة لمسؤولين ووزراء هم في الأصل رجال أعمال ومقاولين وسماسرة؟.. وقد تداولت أوساط مصرية وعربية من فترة قصة عمولة تقاضتها شركة تعمل في مجال النقل مملوكة لوزير أسبق، وتولت التصرف في منحة قدمها بلد عربي خليجي لانقاذ مرفق السكك الحديدية بعد تفاقم حوادث القطارات.. وتردد أن تلك الشركة حصلت على عمولة قدرها 800 مليون دولار!! وسأترك الجواب على سؤال هذه العمولة لأولئك المسؤولين والوزراء؛ ممن زاملوا وشاركوا الوزير الأسبق في شركاته وما زالوا على صمتهم!!
هنيئا لمصر والعرب والعالم بقناة السويس الجديدة.. وهي مناسبة للفرح والبهجة.. ويبقى أثر هذه المناسبة إذا ما تم التخلص من الإدارة العشوائية للاقتصاد.. وعدم الاكتفاء بالنشاط الريعي والعقاري، مع وقف المضاربة على أصول الدولة، فليس من حق أي حكومة التصرف فيها.. وهي ملك للشعب، ليست للنهب أو لغسيل الأموال الحرام.. والحجة أنها ملك الدولة.. وهي ليست كذلك.. وليس من حق الدولة بيعها إلا بقرار من الشعب عن طريق الاستفتاء، أو بالتشريع من البرلمان.
والأمل هو أن تنجو قناة السويس من مخاطر الالتزام بهذه الفلسفة الفاسدة.. فتحصر وظيفتها في خدمة فئة متميزة من العاملين فيها؛ تخدم بدورها الاحتكارات الكبرى.. وهناك قلق من مقولة مميش أن القناة الجديدة «هدية مصر إلى العالم».. ولأكثر من أربعة عقود لم نجد من يهدي الفقراء شيئا..
ويبدو أن هناك من يقتدي بالسادات، الذي أهدى انتصار اكتوبر العظيم إلى واشنطن فور أن وضعت الحرب أوزارها؛ معلنا على العالم أن 99٪ من الأوراق السياسية ملك لواشنطن.. التي جعلت من نفسها جسر عبور ربط القاهرة بتل أبيب، وكانت هدية السادات من نصيب الدولة الصهيونية في كامب ديفيد؛ وإذا ما تكررت هذه «الهدايا» فلا نملك إلا قول: اللهم لطفك!!

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية