القاهرة ـ «القدس العربي»: في سياق الكتابة عبر النوعية ومحاولة المزج بين الشعر والرواية داخل إطار واحد صدرت عن المجلس الأعلى للثقافة رواية «دافنشي» بنصوصها الشعرية مغايرة للسائد والمطروق، وحاملة جرأة كاتبها شاعر العامية المصرية سعدني السلاموني.
الرواية من عنوانها توحي بالمضمون، فالشاعر يدخل منطقة إبداعية جديدة ويقيم حوارا داخل النصوص، مع رموز الفن التشكيلي العالميين وبالقطع يأتي على رأسهم ليوناردو دافنشي، باعتباره بطل الرواية طبقا لتصور الشاعر.
يبدأ التصدير باستهلال يربط فيه سعدني بين فكرته وبين الكون فيقول: الأرض فرشة ـ السما ألوان – موجودون لخدمة الإنسان ـ مخلوقون ـ بسن أزميل فنان، وهنا يعطي إشارة بأن كل ما يحيط بنا هو محض تشكيل وتجسيم وألوان وفرط حساسية تدرك الجمال المحسوس والملموس في الطبيعة والأشياء والأشخاص، وأن أي زعم خارج هذه الافتراضية هو زعم باطل، إذ لا أصل للكون ولا صفة بغير النحت والتشكيل والألوان والتذوق.
تلك هي الفلسفة المستخلصة من ربط الشعر بالجنس الفني والإبداعي الخاص، غير أن الشاعر يضيف أبعادا أخرى مادية لتلك العلاقة الهلامية التي يدلل عليها بأبطاله التشكيليين الكبار دافنشي ومايكل أنجلو وساندرو وبتشيلي وفرانشكو بيكون وبيكاسو وغيرهم، ممن يفتح حوارات ويخلق سجالات ويشكو لهم وجعه كمبدع وفنان يمتلك الموهبة ولديه القدرة على قلب العالم رأسا على عقب بالقصيدة والقافية، ومع ذلك يعاني مرارة العيش والتجاهل والنكران، شأنه في ما يقول شأن كل الكبار والعلامات في التاريخ الفني القديم والحديث والمعاصر.
يخلق سعدني السلاموني صراعا بين أبطال روايته الاستثنائية التي يرفض تسميتها بالديوان لزوم التصعيد الدرامي، فيحدث التراشق الشعري بين المتصارعين فيحاول كل منهم نفي الأخر ويحتل هو نفسه مكانا بارزا بينهم، ويدخل شريكا في المبارزة ويشن هجوما على دافنشي طاعنا في موهبته مستترا وراء شخصية أحد فناني النحت فيكتب: «ليوناردو دافنشي مين؟ ده ولد شاذ بسن أزميلي أوجده وأنفيه ـ أكتبه وأشطبه ـ أفرده وأتنيه! ويمضي في السخرية والهجاء من كل النجوم المصنوعين وأباطرة الحركة التشكيلية العالمية الذين حصلوا على أكثر مما يستحقون لأنهم فقط كانوا البادئين وولدوا في أزمنة عاشوا فيها وحدهم صاروا كبارا ليس لأنهم كبار بالفعل، ولكن لأن أحدا لم ينافسهم على القمة.
إنه التجاوز في الخيال وآخر مستويات الجنون الفني في الافتراض الحواري بين ذات الشاعر والشاعر أو ذاته وذوات فنانين ماتوا من مئات السنين ينتمون لثقافة مختلفة وحياة مختلفة، ولم تربطهم بشعر العامية غير قاذفات ذلك الشاعر الآتي من زمن آخر.
إنها الحالة الغرائبية الخيالية أو أنها الحداثة الشعرية في مراحلها النهائية يدخلها سلاموني إلى قاموسه قسرا أو طوعا للتأكيد على أن ما كتبه في إصداره الأخير معنونا غلافه بـ«دافنشي» رواية وليس ديوانا، لا سيما أنه حاصل على اعتراف من أعلى جهة ثقافية في مصر منوط بها الإجازة والطبع والإصدار وهو سند منطقي في إطاره الرسمي ولعله مسوغ كاف لخروج إصدارات أخرى لسعدني السلاموني أو غيره، المهم أن البداية حدثت والجرأة باستحداث صنف أدبي جديد اكتملت وصارت قيمة مضافة للشعر والأدب والكتابة بشكل عام، حتى إن كانت محل شك أو حكم بأن ما يخالف اللغة الشعرية السائدة هو في جوهره لغو وليس لغة.
ما يميز «دافنشي» كإصدار ديواناً كان أو رواية أنه كتابة عبر نوعية تتوافر فيها عناصر الجمال من موسيقى وأجواء وشخصيات وأفق تعبيري وبلاغي مختلف مهما كان التحفظ والخلاف، إذ لا يمكن إنكار الموهبة ولا نكران تميزها فهكذا دائما يبحث سعدني السلاموني عما يثير العواصف فهو يهوى ضرب الكرسي في الكلوب.
كمال القاضي