القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: تواصلت أعمال ومشاركات ضيف الشرف الليبي ضمن فعاليات الدورة 44 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب كيف تبني الدولة نفسها بعد الثورة على النظام الديكتاتوري وخلعه.. سؤال ملح يطرحه الشارع في دول الربيع العربي التي ثارت على الظلم وخرجت تطالب بالحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية وتبحث عن مكان يليق بها تحت الشمس، لكنها مازالت تتلمس طريقا، معولة على نخبتها التي هي الطليعة في عملية البناء.ومع تشابه الظروف إلا ان لكل دولة طبيعتها التي تستلزم إجراءات بعينها نحو نهوضها وخروجها من النفق المظلم الذى عانت منه طويلا بفعل أنظمة جرفت الأرض، وشوهت الحياة السياسية.وفي هذا الإطار نظم الجناح الليبي في معرض القاهرة الدولي للكتاب برواق القويري محاضرة ألقاها الدكتور ‘علي عبد اللطيف حميدة’ بعنوان ‘إشكاليات بناء الدولة في ليبيا الحديثة والمعاصرة’ حضرها عدد كبير من المثقفين والمهتمين من جمهور معرض الكتاب.. وتناول فيها كيفية بناء بلاده للدولة الحديثة.. وانتهت بدعوة المثقفين الليبيين للتوحد خلف هدف بناء الدولة.ففي ختام المناقشات بالمحاضرة دعا الشاعر والكاتب إدريس المسماري رئيس الوفد الليبي كافة المثقفين والإعلاميين الليبيين الذين يجتمعون الآن في معرض القاهرة الدولي للكتاب لتشكيل لجنة تحضيرية صغيرة لإصدار بيان حول ما يحدث في ليبيا، موضحاً أن المعرض فرصة للالتقاء بالمثقفين حيث لم تتح لهم فرصة اللقاء بهذا الشكل الموسع على أرض الوطن، وأن نخبة ليبيا يجب أن تقول كلمتها ويسمع صوتها قبل الاحتفال بالذكرى الثانية لـ17فبراير.وكانت المحاضرة قد بدأت بمقدمة أكد خلالها د.علي عبد اللطيف حميدة أن التحول الديمقراطي يحدث في المجتمع وبعدها القيادات تحاسب وتراقب بشكل طبيعي وشفاف، وقد بدأنا هذا التحول بهذا الجيل الرائع الذي يعطينا الأمل في أن المعركة القادمة هي المعركة الكبرى لإحياء وتقوية المجتمع الذي سيكون الأساس القوي في بناء التحول الديمقراطي.ويؤكد أن النظام السابق كان يتعمد تشويه القيم وتحطيم المؤسسات وتشويه الحياة اليومية في الرياضة والفن والموسيقى وفي كل شيء قائلا: كان هناك وطن اسمه ليبيا ووضح أن الاهتمام ببناء وطن ديمقراطي وتعددي يضم الجميع بكل تنوعه هو في الحقيقة ليس تعصباً ولكنه أساس لبناء الدولة الحديثة حيث يواجه المجتمع الليبي بعد ثورة 17 فبراير المجيدة وسقوط النظام الدكتاتوري، إشكاليات أخرى غير سقوط الدكتاتوريات، وقبيل بناء الدولة المدنية الديمقراطية لابد من التفكير الجاد والجماعي في المعوقات والعقبات التي تراكمت فيما أسميه عبء التاريخ والدولة التسلطية بعنفها، وقمعها وتدميرها ليس فقط للمؤسسات الاجتماعية والأهلية ولكن أيضاً تشويه القيم المدنية وغرس الغبن، والأحقاد وإحياء النعرات القبلية مما يدعو قبل أي شيء آخر بضرورة الوعي والاستيعاب لهذا العبء، وأيضاً الكفاءة الأخلاقية والمهنية من أجل بدء حوار وطني جاد.هذا الهدف لن يتحقق إلا بالتفكير وتطبيق العدالة الانتقالية من خلال لجنة إنصاف حقيقية ومصالحة بالكشف عن الحقائق، وإظهار التاريخ المهني للمظلومين، والمهمشين، والمساجين، والمنفيين والمعذبين خلال المرحلة التسلطية الديكتاتورية.ومن ناحية أخرى نستطيع القول بأن الدولة الحديثة كان لها عدة مراحل من دول وأنماط.. نماذج كلاسيكية، ثم ما قبل الحديثة وهناك أخيرا الدولة الحديثة ولابد من الاختلاط الصائب على الماضي في التاريخ العالمي ما قبل الرأسمالية وما قبل الدولة الحديثة.وأكد عبد اللطيف أن الماضي هو في الحاضر ونحتاج مساحة لنعرف.. فهناك جوانب متوسطية، وجوانب عربية، وأمريكية لننظر بوضوح كيف نأكل وكيف نلبس وسوف نجد أن التعددية هي جزء منا وممن حولنا، ولكن هذا لم يشكل عائقاً للشعب الليبي فأظهر عبقريته في خلط مزيج ليبى خاص به.وقال: إن التحديات المعاصرة الآن والإبحار في الماضي هي الأساس لبناء الدولة الحديثة، ونحن بلد كبير النخبة استطاعت الوصول إلى حل وسط في بناء العمل الديمقراطي الحديث.أما ما يتعلق في ما أسست له دولة الاستبداد فقد كان هناك جيل يريد أن يبني دولة حديثة، وللأسف فإن تقدم الحياة المدنية أعطانا عبء تشويه القيم والإنسان ولا بد من مرحلة الاستقلال والتكوين من جديد، وأضاف إن مسألة الأحزاب السياسية كانت كارثية فقد طرد زعيم طرابلس من ليبيا وسحبت منه الجنسية وهناك جيل رفض الاستقلال وأدى إلى دخول العسكر.وعن المخرج من هذا قال د.عبد اللطيف إننا نستطيع أن نتجاوز هذه الإشكالية فمازلنا في مرحلة تأسيسية والوضوح والتواضع سوف يفيدنا في التعدد الحزبي والسياسي في المستقبل، ونرجو أن تبدأ مرحلة جدية في النشر والعلم حتى نستطيع أن نعبر هذه المرحلة الأكبر والأصعب مستقبلا.وشدد عبد الطيف حميدة في سياق حديثه على دور المجتمع المدني بالإضافة إلى النقابات والأندية والاتحادات وغيرها ومطالبا بالتفكير في التعامل بشكل جماعي أي (العمل الجماعي)، ومطالبا في رده على سؤال الأعباء والمعوقات أن تتخلص المؤسسات السلبية التي عوقت ووقفت أمام العمل الأهلي المدني بالإضافة إلى تخلصنا من مفهوم الدولة الراعية والاعتماد على مصدر النفط الذي جعلنا ننظر إلى الدولة كغنيمة، بالإضافة لذلك أيضا ينبغى التخلص من ثقافة عبادة الرأي الواحد والرئيس وإقصاء شرعية الاختلاف، مضيفا: يجب أن نكتشف الأشياء الايجابية التي ورثناها من قبل وأن نكون واعين ببداية مرحلة التحول الديمقراطي وبناء الدولة الليبية الحديثة التي ستبنى على مؤسسات المجتمع المدني المتعافى المتماسك الذى يستطيع أن يدرب وينشط الكوادر في مختلف المؤسسات والروابط والتنظيمات قبل ممارسة حق الانتخاب وهنا تكمن أهمية المجتمع الأهلي.جدير بالذكر أن علي عبد اللطيف حميدة هو رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة نيو انجلاند، في مدينة بدفورد، بولاية مين، بالولايات المتحدة الأمريكية وهو حاصل على جائزة أفضل باحث علمي في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1993م وجائزة كرسيلودكي للآداب والعلوم (2010-2011).وحميدة باحث مشهود له بالكفاءة دوليا في مجال تاريخ وسياسات شمال أفريقيا، وقد وُلد في مدينة ودان (ليبيا)، الواقعة في منطقة ‘الجفرة’، وقد حصل على درجة الليسانس من جامعة القاهرة عام 1976، وعلى درجة الماجستير من جامعة واشنطن، بالولايات المتحدة عام 1982 في مجال العلوم السياسية، ودرجة الدكتوراه في مجال العلوم السياسية عام 1990 من نفس الجامعة. ومجال اهتمامه الرئيسي هو النظرية السياسية، وعلم السياسة المقارن، وعلم الاجتماع التاريخي، وقد اهتم بوجه خاص على حركات مقاومة الاستعمار في شمال أفريقيا، وخاصة في ليبيا الحديثة، من منظور الإنسان باعتباره عنصرا مؤثرا في الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية، ومتأثرا بها. وقد نشر بحوثا ومقالات عديدة في مجلات علمية متخصصة مثل مجلة الدراسات الإيطالية، والمجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط، ومجلة المستقبل العربي، وفصلية العالم الثالث، والمجلة العربية للدراسات الدولية.التنوع الثقافي والشعر الليبي وكان الجناح الليبي قد نظم ندوة بعنوان التنوع الثقافي في ليبيا شارك فيها كل من صلاح أنقاب، وصلاح جلباظ، وموسى حريم وأدارها نوري الماضي.وتحدث موسى حريم في البداية عن التنوع الثقافي في جميع أنحاء العالم ويرى أن الثقافات تتعايش كما في فرنسا وبريطانيا حيث تقطن بها عدة ثقافات ما يجب أن يحدث مع الثقافة الأمازيغية التي يجب أن تندمج داخل الدولة من خلال القوانين والدستور.وقال صلاح جلباظ إن ليبيا لم تخرج من العدم ولم تكن وليدة اللحظة أو نتاج 17 فبراير ولكنها تاريخ عريق وحضارة قديمة، ثم حكى عن تجربته من خلال نص أدبي ضمن فيه لغته وأفكاره ما يختص منها بالهوية الأمازيغية.الأمر الذي وضحته قصائد منى الساحلي والشهادات الشعرية الجديدة وهي حاصلة على دكتوراه بالأدب المقارن وعضو هيئة تدريس اللغة العربية بجامعة بنغازي حيث قالت: إن الظروف التي واجهها الليبيون من ظلم وسجن دفعت الكثيرين للهجرة إلى دول عربية وتعلموا فيها ثم عندما عادوا إلى بلادهم كانت بداية النهضة من خلال تأثيرات مختلفة بالدول العربية كدخول صحف وكتب تعليمية.وأضافت الساحلي إن هذه الاتجاهات والتيارات لم تأخذ نفس الحقب التي مرت بها في الغرب والفلسفة الفكرية وإنما كانت محاولات اجتهادية من الشعراء أن يقرأوا ويثقفوا أنفسهم، ويمكننا أن نشاهد في شعر ليبيا تميز في اختلاف الرؤى والتعددية في الحضور كما تتعلق المسألة بنوع القراء الذين يتوجه إليهم الشاعر وعندما نتحدث عن الشعرية نقصد رؤية الشاعر وقدرته على تمثيلها في شكل فني ناضج.وعن القضايا الشعرية الحديثة في ليبيا قالت الساحلي إن القضايا في مجملها فنية أو إنسانية، وتختلف مع اختلاف الشاعر فيرى راشد السنوسي أن الشعر إحساس ووقدة ملهم يختال في دنيا الخيال ويبحر في الشعر، أما الشاعر حسن السوسي فيرى أن الشعر هو العاطفة الصادقة.وأكدت د. منى أن الحداثة ليست إطاراً زمنياً وإنما رؤية فكرية بحيث يقدم الشعر الحر للنشر ما لم يكتشف أنه يعطيه من الحرية وما لم يعطه غيره أما ما يقال من إن مسألة النظرة للفن معاناة وثقافة وعمق التجربة فهذا غير صحيح ولا يرتبط شعر الحداثة بزمن وإنما يرتبط بزمن شاعر يحتاج إلى مجهود كي يقدم شعرا، كما تحدثت عن نزعة التشخيص الموجودة منذ العهد الأندلسي إلى الآن ونشأة شعر الحداثة وحدود الشعر.qadqpt