«حُلبة» شكيب أرسلان

حجم الخط
0

 

نابلس، 4 أيار 1935 سيدي عطوفة الأمير شكيب أرسلان حفظه الله آمين: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد فقد أقيمت في طولكرم منذ أيام حفلة الأربعين لوفاة المرحوم الشيخ سعيد الكرمي، وبعد انتهائها ـ وكنت شهدتها ـ علمت أن أحد محرري جريدة فلسطين يحمل (بروفا) لزنكوغراف جديد أُخذ لوثيقة جديدة، زعموا أنها من (الخطورة) على جانب أعظم من سابقتها، وذلك لأنها كما يقول المطلعون عليها تشتمل على حجج لا يمكن دفعها، وبراهين قاطعة مانعة ترد على كل من يقول بتزويرها.
وأبلغ هذه الحجج وأدمغها حاشية في أسفل الرسالة جاء فيها أنكم كنتم كلفتم إحسان بيك ليبعث لكم بقليل من (الحُلبة) وترجون من الحاج أمين أفندي (والرسالة منكم إليه) أن يذكّر إحسان بك بطلبكم إن كان نسيه… وموضوع الحجة أن المزوّر لا يعقل أن يخطر في باله مثل هذه الحاشية!
قال لي محدّثي وهو أحد رجال نابلس ـ من المعارضين ـ أن هذه (البروفا) مع الحاج نمر أفندي النابلسي، وأنا آتيك بها غداً لأطلعك عليها، وبدا من حديثه أن هذه الوثيقة عندهم هي رأس كليب، وأتى بها في الغد فتناولتها ولم أكد اقرأ السطر الأول منها، وفيها هذه العبارة (بعثت إليكم بكتاب ولم يصلني جواباً عليه…) حتى رددت الوثيقة الخطيرة لصاحبها وقلت له: «إذا أردتم أن تحفظوا لأنفسكم كرامتها وأن تبقوا على احترام الناس لكم فخيركم أن تحفظوا هذه الوثيقة الفاضحة للقائمين بتلفيقها. إن الأمير شكيب لا يقع في هذه الغلطة النحوية. وهذا الهذر في الإنشاء يضحك منه صبيان المدارس الناشئون فضلاً عن أن يجيء به أمير البيان!».
وبُهت محدّثي لهذه المفاجأة وقال: «ولكن هذه الوثيقة وسابقتها (كلام بسرّك) أُخذتا عن رسالتين كانتا في جرار الحاج أمين».
قلت: «إن الذي ادّعى بأنه أتى بهما كاذب كبير ونصاب خطير على ما يظهر، طمع منكم بمال فأراد أن يحصل عليه بأية وسيلة، فساومكم على سمعتكم بتلفيق هذه الرسائل، وأتاكم بها على أنها صحيحة».
قال محدّثي: «والحلبة…؟». قلت: «قد يطلب الأمير شيئاً من الحلبة بواسطة إحسان بيك، ولا أرى هذا الطلب من الخطورة بحيث يمنع إحسان بيك عن التحدث به وتكليف بعض الناس بتنفيذه، والمزوّر لا يحتاج إلى أن يكون داهية (حين علم بذلك) حتى يرى أن يدخل هذا الطلب حاشية على الرسالة المزورة إمعاناً في التضليل وتثبيتاً لصحة ما يأتيكم به من التزوير والتلفيق».
قال محدّثي: «والخط. ألا تعرف خط الأمير؟». قلت: «إن الخط عندي ظاهر التزوير». قال: «لقد قابلناه برسائل من خط الأمير نفسه جاءنا بها الحاج شافع عبد الهادي فلم يكن عندنا ريب بأنها من خطّه». قلت: «هذا للخبراء إن شئت أن تحتكم فيه، ولكن لو كان لديك رسالة من صديق لك حفيظ على ودّك، أكنت تبرزها في هذه الظروف والأحوال لتحكم بها عليه؟ ولكن سامح الله الحاج شافع إن كان فعلها».
أما بقية ما اشتملت عليه (وثيقة الحُلبة) فهي ما يلي:
ذ ـ تستحسنون من الحاج أمين أفندي إرسال رسالة إلى عطوفتكم عن يد القنصل الإيطالي، وهذا يرسلها بدوره إلى مكتب الدعاية ومن المكتب ليدكم.
2 ـ مركز الدعاية الإيطالية بلّغه أن جرائد الحاج أمين أفندي ضيقة الانتشار ولذلك فعطوفتكم تحثون الحاج أمين افندي على اجتذاب الفاروقي إلى حركتكم بالتفخيم والتعظيم لأن الفاروقي يسرّه ذلك، وتقترحون إيجاد مئة اشتراك لجريدتكم.
سيدي الأمير: في هذه الوثيقة إذا نشرت قضاء مبرم على المزورين الأفاقين، وإذا كنتم وجدتم ثلاثين ماخذاً لإثبات التزوير في الأولى فإنّ كل كلمة في هذه الثانية حجة وبرهان على بطلانها وتلفيقها. إن الوثيقة المزورة التي نُشرت كانت مفاجأة عند ظهورها، وقد تفاوت الناس في إدراك حقيقتها، وكان هناك كثيرون ممن كذبوها لأوّل وهلة لركاكة أسلوبها وإسفاف لغتها، أما موضوعها فقد اجتمعت إلى شباب كثيرين وكنت في مجالس عديدة للرجال فلم أجد غير إجماع على نذالة هذه المؤامرة، وسخط على مدبريها، ومجاهرة بتقديسكم وإجلالكم عن هذه السخافات… وأنتم الأعلون والله معكم.
اطّلع على كتاب هذا سيدي الوالد وهو يهديكم السلام وأطيب التحيات ويدعو لكم بالتأييد وطول البقاء.
إبراهيم عبد الفتاح طوقان
«أوراق الشاعر »، المتوكل طه، 2002

الشعر غذاء للشعب

كان الشاعر الفلسطيني (1905 ـ 1941) أحد أبرز ممثّلي حركة شعرية حيوية شهدتها فلسطين في العقود الاولى من القرن المنصرم؛ ضمّت أمثال عبد الرحيم محمود، وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) وحسن البحيري ومطلق عبد الخالق ومحي الدين عيسى، إلى جانب أمثال الشيخ سليم ابو الأقبال اليعقوبي (الذي لُقّب بـ «حسّان فلسطين») واسكندر الخوري البيتجالي وبرهان الدين العبوشي. وكان الوضع المتفجر في فلسطين، وثورات 1929 و1936، والشهداء الذين كانوا يتساقطون بصفة شبه يومية نتيجة الصدامات مع قوات الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية، والصفقات الدولية ضد العالم العربي وفلسطين… لا تترك أمام الشعراء خيارات كثيرة أخرى خارج موضوع الهوية، والنضالات الوطنية، وامتداح الشخصية البطولية الفدائية.
ولعلّ انفراد طوقان عن أقرانه من شعراء تلك الحقبة بدأ من الشكل، واللغة الشعرية، وكتابة قصائد تتناول موضوعات أخرى غير البطولة الوطنية، مثل الغزل والمديح والهجاء. ومن المدهش أن نعثر ـ في ذلك الطور من تاريخ الثقافة العربية وفي تلك الظروف المشحونة من تاريخ فلسطين ـ على شاعر يرى أنّ «الشعر نكتة، قد يحسن الشاعر قولها وقد لا يحسن، وقد «يلقطها» القارىء أو السامع أو قد تفوتهما»؛ أو يؤمن أنّ الشعر «عبارات نثرية موزونة لا أثر لكدّ الخاطر عليها، بل اتفق لها هي… أن تكون موزونة»!.
هذه الآراء الليبرالية، كما يتوجّب القول، كانت تنبع من حقيقة ميل طوقان، ابن نابلس العريقة، إلى لغة الحياة اليومية، وعزوفه عن الإفراط في البلاغة وجزالة التعبير وفخامة الألفاظ، وشهيته الدائمة إلى «تسريب» تعبير عاميّ هنا أو هناك في قصائده، بحيث يكتسب الشعر لمسة وجدانية وإنسانية حتى في ذروة الحماس والخطابية. وقد رأى الدكتور إحسان عباس أنّ حماس طوقان للغة الشعبية ضمن له «شعبية التعبير»، وهذه بدورها قرّبته من قلوب الناس: «استطاع إبراهيم من خلال الربط بين قانونه النثري ومبدأ النكتة أن يجعل جانباً كبيراً من شعره غذاءً للشعب سواء في لحظات الراحة والمتعة، أو في لحظات الثورة والنضال».
وقصيدته الشهيرة «الثلاثاء الحمراء»،  مثال كبير على ذلك. إنها قصيدة مناسبة، كُتبت في امتداح ثلاثة من أشهر شهداء فلسطين (فؤاد حجازي، محمد جمجوم، عطا الزير)، أُعدموا عام 1930 بسبب مشاركتهم في انتفاضة 1929، وهدفها الرئيسي هو الرثاء البطولي والتحريض الجماهيري. ولكنّ طوقان اعتمد في كتابتها أسلوبية لافتة بالفعل، إذْ استخدم ثلاثة تنويعات في شكل البيت الشعري، تستجيب لثلاث حالات نفسية، لثلاثة أبطال، على امتداد ثلاثة أيام، وثلاث ساعات!.
ومسيرة طوقان الأدبية لم تُدرس بعد بشكل يليق بها، وثمة موضوعات خصبة يمكن أن تبحث في العلاقة بين مختلف أطوار شعره؛ وبين مسائل أخرى مثل سلسلة أمراضه (صمم في الأذن اليمنى، وقرحة في المعدة، وفقر الدم)، التي أودت بحياته في نوبة نزيف مفاجئة؛ وكذلك احتكاكه المبكّر بالعالم العربي (دراسته وتدريسه في الجامعة الأمريكية في بيروت، وأسفاره إلى العراق ومصر)؛ وأثر الأسرة التي نشأ في كنفها (وهي أسرة ذات عراقة أدبية، محافظة لكنها أنجبت أيضاً الشاعرة الكبيرة الراحلة فدوى طوقان)؛ وسواها من المسائل. وريثما يفي النقد العربي طوقان حقّه، فإن طلاب المدارس في العالم العربي سوف يواصلون إنشاد أبيات «الفدائي»، قصيدة طوقان الشهيرة: هـو بالباب واقفُ/ والردى منه خائف/ فاهدأي يا عواصف/ خجلاً من جراءتهْ/ صامت لو تكلَّما/ لَفَظَ النار والدما/ قُلْ لمن عاب صمته/ خُلق الحزم أبكما.

إبراهيم طوقان

اشترك في قائمتنا البريدية