معبد أشمون اللبناني شاهد فينيقي على تعاقب الحضارات

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: مما لا شكّ فيه أنّ معبد أشمون المستلقي على كتف «نهر الاوليّ» يعّد من أهم الآثار الفينيقية في لبنان وهو يضم ّ معبداً وثنيّاً قديماً تعود جذوره التاريخية إلى القرن السابع قبل الميلاد، وهو تاريخ البدء ببنائه، إذ بني على الضفة الجنوبية لنهر «بسترانوس» المسّمى حالياً نهر الأولي ويقع على مسافة قصيرة من مصبّه في البحر الأبيض المتوسط ويدعى المكان «بستان الشيخ» وقد رجّح العلماء ان تكون التسمية قد جاءت من تعريب محرف لإسم النهر «بستراتوس».

إلاه الشفاء

وعرف هذا المعبد الضخم بانه مركز عبادة قديم لإله الشفاء الفينيقي أشمون الذي كان في البدء من آلهة الطبيعة والحياة النباتية الربيعية، وقد تمّت مقارنته ومعادلته مع الإله البابلي تموز إلى أن توسّع دوره ضمن البانثيون الفينيقي ممّا اكسب الإله سمات سماوية وكونية انسحبت بشكل أساسي على المعبد الذي ذاع صيته كمستشفى للأطفال في كلّ المدن الفينيقية. وتميّز هذا المعبد بوجود سلسلة من أحواض المياه التي تغذيها قنوات لجرّ المياه من نهر اسكليبيوس أيّ ما يعرف بالأولي حالياً ومن الينبوع المقدس المعروف حسب النصوص الفينيقية بنبع «إدلل» والذي كانت له وظيفة طقوسية دينية وطبية علاجية حيث اطلق على احدها اسم «حوض عشتروت» بسبب وجود عرش من الغرانيت منحوت من كتلة واحدة ويدعى أيضاً «عرش عشتروت». وقد استخدمت المنشآت المائية لأغراض علاجية وتطهيرية وهي ممارسات تميزّت بها عبادة أشمون. وعليه فانّ الناس كانت تزحف إلى المعبد من كل حدب وصوب للقاء كهنته المختصين بالطبّ من أجل انقاذ أطفالهم وخصوصاً الذكور منهم عملاً بما ترويه الاسطورة التي نقلها المؤرّخ القديم فيلون من جبيل عن أشمون الذي قال عنه بانه: «شاب وسيم من بيروت، يحبّ الصيد، وغالبا ما توجّه نحو غابات صيدون لممارسة هوايته، وقد صادفته عشتروت في أحدى رحلاته ووقعت في حبّه وحاولت أن تتقّرب منه وتجذبه إليها وأصرّت في مساعيها لإغرائه فتجاهل أشمون همائم الإلهة وبذل جهده للتهرب منها إلى أن قام بتشويه جسده بواسطة فأس، لكنّه ما لبث أن مات نتيجة ذلك. وقد رفضت عشتروت هذا القدر، ولم تستسلم إلى الحزن، وذهبت تبحث عن أشمون بين الأموات وأعادته إلى الحياة وذلك بفضل صفتها كإلاهة الخصب وجعلت منه إله الشفاء». فبات أشمون لصيدون، على ما كان عليه أدون لجبيل، الإله «الذي يموت ويولد من جديد» كل ربيع.
قبر شمون

ومما لاشكّ فيه أن هذه الحادثة التي حصلت مع «أشمون « جعلت منه إلهاً للخصوبة الكونية، وإلهاً للخضرة التي تموت كل عام وتعود من بعد إلى الحياة، حيث يقال أيضاً أن بلدة «قبر شمون» وهي بلدة مجاورة للعاصمة بيروت وتقع في قضاء عاليه لا تزال تحتفظ بذكرى مدفن هذا الشاب حتى أيامنا هذه. ويزخر هذا المعبد أيضاً بالقطع الأثرية القيّمة المحفوظة حالياً في المتحف الوطني في بيروت، وأهمّ هذه القطع النواميس والتماثيل المنقوش عليها كتابات فينيقية توّفر معلومات قيّمة حول جذوره الضاربة في عمق التاريخ. كما يحوي مجموعة من تماثيل رخامية صغيرة تمثل أطفالاً وتحمل إهداءات طقوسية باللغة الفينيقية والعديد من اللوحات المميّزة من الفسيفساء أبرزها لوحة الفصول الأربعة الواقعة أمام الكنيسة البيزنطية. وهذه الاكتشافات أتى على ذكرها الباحث الأثري والمهندس المعماري فهد ميري الذي اعتبر انّ معبد أشمون هو المعبد الفينيقي الوحيد الذي لا يزال قائماً في لبنان وقد تعاقبت عليه العديد من الحضارات منها الفينيقية والفارسية والرومانية والبيزنطية. وأهمّ هذه الاكتشافات التي اسفرت عنها التنقيبات وجود العديد من برك الغسل التي ترمز إلى الماء الذي كان يلعب دوراً رئيسياً في الغسل المرتبطة بطقوس الشفاء، وكذلك الكتابات الفينيقية المنقوشة على الوجه الخفيّ للحجارة للدلالة على ان الاعتقاد السائد أنّ الهتهم وحدها تستطيع قراءته ومن أهم هذه الكتابات «بني هذا الهيكل لمعبودة أشمون سار قدش». ومن بين الاكتشافات أيضاً صورة لأشمون على ورقة من ذهب وهو يحمل بيده عصا يلتف حولها الثعبان، وهذا يظهر مدى علاقته الوثيقة بالثعابين والتي دمجت بين شخصيّة أشمون الفينيقي واسكليبيوس الإغريقي الروماني. وقد انسحب هذا الثعبان الذي يلتّف حول العصى كشعار للطبّ يعتمد في عصرنا الحالي.

الهيكل الرخامي

ويأمل علماء الآثار انّ يحظى «معبد أشمون « التاريخي الذي انضّم إلى قائمة اليونيسكو الأولية لمواقع التراث العالمي عن الفئة الثقافية في الأول من تموز/يوليو 1996 بالرعاية والاهتمام بدلاُ من الإهمال والنسيان. وهنا لا بدّ من الإضاءة على أبرز ما تعرّض له هذا المعبد التاريخي من عوامل طبيعية على مرّ العصور كان أولها الزلزال الذي أصابه في القرن الرابع عشر قبل الميلاد والذي أسفر عن تهدّم الهيكل الرخامي الذي يتوّج المنصة. ولم تتمّ إعادة بناء الهيكل بعد ذلك، لكن أعيد جمع العديد من المصّليات والمعابد وضمّها إلى حرم المعبد الذي بقي مكاناً للحجّ في العالم القديم حتى ظهور الديانة المسيحية حيث حُّظرت عبادة أشمون وبنيت كنيسة مسيحية في موقع المعبد عبر الشارع الروماني. هذا ولا تزال بقايا الأرضيات الفسيفسائية موجودة في الموقع إلى الآن.

المعبد كمِحجَر

وبعد سنوات من اختفاء عبادة أشمون استُخدم حرم المعبد كمِحجَر، وأشارت المعلومات إلى أنّ الأمير فخر الدين الثاني كان قد استخدم كتلاً ضخمة من حجارة المعبد لبناء جسر فوق نهر الأوليّ في القرن السابع عشر. كما سقط هذا المعبد أيضاً في غياهب النسيان والإهمال بفعل الحرب الأهلية اللبنانية التي حصلت في العام 1975 وما تبعها من صراع واحتلال إسرائيلي في جنوب لبنان (1982-2000) الأمر الذي اضطّر حينها المدير العام للآثار في لبنان الأمير موريس شهاب إلى دفن آثارَ المعبد من أجل حمايتها من التلف واللصوص.
وتسعى حالياً وزارة السياحة والمديرية العامة للآثار إلى نفض غبار الإهمال عن هذا الموقع الأثري عبر حماية التراث الحضاري وإعلام المواطنين عنه وهي قد وضعت علامات توجيهية لابلاغ وإعلام الزائرين عن وجود هذا المعلم الأثري التاريخي المهم وقد كتبت «معبد أشمون» وكذلك فعاليات المنطقة وبلدية بقسطا التي تطالب بضرورة تأهيل وترميم المعبد ووضعه على لائحة التراث العالمي ليصبح مركزاً سياحياً مهماً و تطالب بأرشفة الآثار وإعادة المكتشفات ووضعها داخله مع تأمين الحراسة لحمايتها.
واذا كان هذا المعلم الأثري المهم لم يتعّرف إليه ولم يزره جميع اللبنانيين بفعل الظروف والأحداث التي شهدها لبنان، إلاّ أنّ الجنوبيين هم الأدرى بأهميته وبمعالمه التاريخية التي يختزنها ومن بقايا تكمن فيه تحاكي الماضي. فهم يزورنه باستمرار للتّمتع بموقعه وبطبيعته الخلابة على ضفاف نهر الأولي.

ناديا الياس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية