الناصرة ـ «القدس العربي»: بخلاف الماضي تعترف أوساط واسعة في السياسة والرأي العام في إسرائيل اليوم بأن جريمة دوما تعكس حالة تطرف عنصرية عميقة وليست مجرد حادثة أو حالة شاذة. وبموازاة الاستنكارات الشديدة الواسعة على لسان سياسيين إسرائيليين كثر حملت أوساط واسعة في السياسة والإعلام والثقافة والدين على جرائم المتشددين اليهود في دوما ودعت لبذل جهود أكبر لمكافحة جرائم «تدفيع الثمن» لاعتبارها فضيحة أخلاقية وخطرا داهما على إسرائيل من ناحية صورتها ومكانتها لا سيما في هذه الأيام حيث تواجه انتقادات واسعة في العالم على خلفية استمرار الاحتلال وتسمين الاستيطان.
وخلال النقاش الأخير الذي شهده البرلمان الإسرائيلي(الكنيست) قبل خروجه بإجازة انتقدت المعارضة الحكومة تغيبها عن الجلسة التي خصصت للجريمة في دوما. وعبر عن المعارضة النائب يئير لبيد، رئيس «يوجد مستقبل» الذي تنبه للمقاعد الشاغرة نتيجة تغيب الوزراء بقوله: أريد التحدث إلى الكراسي الفارغة. على كل واحد منها يجلس متهرب من المسؤولية، وعلى كل واحد منها يجلس فارا من الحرب التي تدور الآن داخل المجتمع الاسرائيلي». وادعى غالبية الوزراء والنواب الذين تغيبوا انهم كانوا مشغولين في عملهم الوزاري أو مرتبطين بمواعيد سابقة.
لا ملك في إسرائيل
وقالت النائب تسيبي ليفني ان «سبب اختراق الهوامش وتحول كل بلطجي إلى رجل هو عدم وجود ملك في إسرائيل هذه الأيام» قاصدة بذلك عدم وجود قائد. وتابعت «لا يوجد رئيس حكومة، وفي وقت ينعت فيه الشركاء الطبيعيين في ائتلافه مسيرة المثليين بأنها «مسيرة رجس» أو «مسيرة بهائم»، نجده يصمت. وعندما يهدد نواب ووزراء بهدم المحكمة العليا يتمتم أيضا أو يثرثر بكلمة شجب ضعيفة». من جهتها تتهم رئيسة حزب «ميرتس» زهافا غاؤون قوى اليمين بأنها تشارك بجرائم «تدفيع الثمن» بفعل التحريض الدموي والحض على العنف والتمادي بأعمال البلطجة والقتل. وتؤكد على أن الأجواء المشبعة بالتحريض والتطرف هي التي تغذيها قيادات الجمهور وهي الخلفية لتفشي جرائم «تدفيع الثمن». وهي الأخرى تسخر من الإدانات اللفظية وتقول إنها فارغة داعية لأفعال حقيقية على الأرض. وتتابع «تتبرأ القيادة الحقيقية من حاخامات وسياسيين يحرضون على سفك الدماء والعنصرية وملاحقة تنظيمات يهودية إرهابية تعمل في وضح النهار». وتوضح أن الحكومة حينما تصمت على انتهاكات المستوطنين وتهديداتهم للمحكمة العليا فإنها تشجعهم للاعتداء على الفلسطينيين داعية إسرائيل لـ «حساب نفس» شامل بما فيها وليس فيها.
حساب النفس
ودعا عدد كبير من المعلقين والكتاب إلى حساب عميق للنفس في إسرائيل وعلى غرار ما قاله رئيسها رؤوفين ريفلين بأنها لا تفعل أشياء عملية لوقف اعتداءات العصابات المتطرفة.
وفي مقال نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» في الثالث من الشهر الجاري قال الكاتب ذو التوجهات اليمينية بن درور يميني إنه «حتى اذا تنافست الغالبية المطلقة من المستوطنين في شجب الجريمة في دوما، فان هذا لا يحررنا من القيام بما هو أكبر من اجراء حساب مع النفس… فمحاسبة النفس ليست إلا كلمات يتم اطلاقها بشكل فوري كي ننقي أيادينا. نحن امة تمتاز بمحاسبة النفس بلا توقف».
مؤكدا أن المسألة هي العمل. متسائلا ما الذي نفعله من أجل ازالة هذا العار من صفوفنا؟ ثم يقترح عدة أمور عملية منها الاعتراف بأن عصابات «تدفيع الثمن» ليست أعشابا ضارة لا ارتباط أو تمويل لها من المؤسسة الحاكمة. داعيا لخطوات عملية لقمع المخالفين للقانون وللبلاطجة اليهود. كما يدعو لوقف التحريض تحت راية حرية التعبير موضحا أن الشبكات الاجتماعية زادت من خطورة الوضع لانها تعج بالافتراء والكراهية والتحريض. ويتابع من لم يوقف الأمر في اليسار سيجد صعوبة بوقفه في اليمين.
برعاية الدولة
كما يقر الكاتب الصحافي البارز يارون لندن في مقال نشرته»يديعوت احرونوت» في الخامس من الشهر الجاري انه تم خلال النصف سنة الأخيرة، تسجيل أكثر من 140 حالة اعتداء بلطجي ازاء الفلسطينيين في الضفة، بنسبة حالة اجرامية واحدة كل يوم. موضحا ان الضابط الرفيع الذي نقل هذه المعلومة إلى الصحافيين ارفقها بالتفسير التالي: في سنوات سابقة كانت الحالات أكثر، لكنها هذا العام تعتبر أشد خطورة. غالبيتها لا يرتبط بسفك الدماء أو بإحراق المساجد، وانما بمخالفات طفيفة، كالاعتداء بالضرب على عربي وصل إلى المكان غير الصحيح، اقتلاع واحراق الكروم، وشجار مع الفلاحين الفلسطينيين الذين يحاولون فلح أراضيهم، ورعي أغنامهم على أراض يدور النزاع حول ملكيتها. ويخلص للقول بنظرة متشائمة: «تمر سنة، تليها سنة أخرى، ويتزايد عدد المتوحشين، وتصبح جرائمهم أشد خطورة، وتشاركهم السلطة في أعمالهم، ويعمق الاحتلال سيطرته. وبات من الواضح انه لا يمكن وقف التدهور. ولكن ربما يمكن القيام بعمل من أجل الروح، ريما مظاهرة، او التوقيع على عريضة احتجاج. لكن المتعنتين يتمسكون بذلك فقط، وأما البقية فيشعرون كأنهم يسافرون في طائرة يعلن الخاطف بأنه ينوي تحطيمها، والسؤال الوحيد هو كم تبقى من الوقت؟». ويتابع «من يؤمن بقوة الصلاة، يصلي، ومن لا يؤمن يتمنى بأن ينتهي الكابوس، لأنه كما هو معروف ليس هناك ما هو أسهل من التشكيك».
الأقصى هو الهدف
ويستخف المعلق السياسي البارز في القناة «الإسرائيلية الثانية» أمنون أبراموفيتش بمواجهة المؤسسة الحاكمة لعصابات الشباب من المستوطنين داعيا لمعالجة الكبار والمحرضين.
موضحا أن هناك جمهورا كبيرا يعتبر أرض اسرائيل تسبق شعب إسرائيل. بالنسبة لهذا الجمهور فان الأرض أهم من الدولة. ويتابع «عندما يصل الحديث إلى التقسيم، التسوية، الاخلاء وحتى تفكيك كرفانين، مقطورتين كما يسميها سكان المكان، فانهم لا يرون الدولة وقوانينها ومؤسساتها من مسافة متر واحد. انهم يرون بعيونهم الأرض فقط». ويعتبر السماح بالاعتقال الإداري تذاكيا على الضعفاء. منوها
إلى أن الحكومة تبحث عن «منتخب الصيصان» بدلا من المنتخب القومي. مشددا على أن المسؤولين الكبار في المستوطنات ورؤساء المجالس الاقليمية وأعضاء مجلس المستوطنات هم العنوان.
ويعتقد أبراموفيتش أن التعرض للجيش من قبل غلاة المستوطنين يهدف إلى شل القوات ومنع اخلاء البؤر الاستيطانية، أما المذابح ضد العرب فتهدف إلى تشجيع الترانسفير. ويخلص للتحذير «الإرهاب اليهودي يسعى إلى العملية الكبرى. عملية رهيبة ضد المساجد في الحرم القدسي. عندها ستحرقنا النار جميعا، وليس فقط عائلة واحدة تعيسة في دوما، إلا اذا اجدنا الانفصال عن اخوتنا الأعزاء قبل حدوث ذلك». داعيا لمعالجة الأسباب العميقة للمرض بدلا من استنكار عوارضه المتفشية في إسرائيل اليوم.