عن عدالة المحتل ودموع التماسيح

حجم الخط
0

يشير الدليل المكتوب باللغة العبرية الذي اكتشفه جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشين بيت) إلى أفضل الطرق التي يجب على المستوطن اتباعها لحرق الفلسطينيين. ويقدم تفاصيل مرعبة حول الطريقة الناجحة لاختيار الضحية وقتلها وحرقها. فمن ما ورد في الدليل «خذ معك كمية كافية من القنابل الحارقة، ليترا أو ليترا ونصف، أحضر معك قفازات لإشعال النار وقناعا، وكيسا لحمل القنابل الحارقة. وعندما تصل إلى القرية إبحث عن بيت بابه مفتوحه أو شباك بدون قضبان حديدية».
وعثر على التعليمات هذه محفوظة في هاتف محمول في سيارة متطرف يهودي. ويحمل الدليل عنوان «مملكة الشر» ويحتوي على تعليمات أخرى تتعلق بكيفية الهجوم على المساجد والكنائس وكيف تضرب العرب لدرجة فقدانهم الوعي. وقام الشين بيت بنشر المعلومات في 29 تموز/يوليو قبل يومين من الهجوم على بلدة دوما القريبة من مدينة نابلس في الضفة الغربية والذي قتل الطفل الرضيع علي دوابشة وأصاب والديه بحروق بالغة وشقيقه البالغ من العمر 4 أعوام.

تحت الإقامة الجبرية

كتب كل هذا المتطرف موشيه أورباخ الذي اعتقل ووجهت له تهمة التحريض على الإرهاب. ولكن السلطات أفرجت عن أورباخ البالغ من العمر 24 عاما بعد جلسة استماع في يوم الأحد الماضي واستبدل بالسجن الإقامة الجبرية. وطلب النائب العام الإبقاء عليه واعتقاله في البيت حتى يتم الإنتهاء من التحقيقات. وعلى خلاف السجناء الفلسطينيين الذين يعتقلون في قضايا مشابهة، خرج أورباخ بكفالة وطلبت المحكمة الإبقاء عليه تحت رقابة العائلة ومنعه من استخدام الانترنت. وترى صحيفة «نيويورك تايمز» (2/8/2015) أن الشجب الذي تبع حرق الرضيع الفلسطيني من قبل القادة الإسرائيليين والصدمة الشعبية داخل الأوساط الإسرائيلية عززت الشعور بأن «قوى الأمن والسلطات الإسرائيلية تصرفت بنوع من التساهل واللين مع المواطنين الإسرائيليين». فقد اتهم الفلسطينيون والمعارضون الإسرائيليون الحكومة هذه بأنها تتعامل مع مرتكبي الهجمات الإسرائيليين باستخدام «القفاز الحريري» مقارنة مع الطريقة الوحشية والقاسية التي يتم فيها التعامل مع الفلسطينيين. وتعتقد الصحيفة أن حرق الرضيع الفلسطيني الذي يأتي بعد عام من حرق الشاب المقدسي محمد أبو خضير قد يكون نقطة تحول، حيث تواجه إسرائيل مأزقا واجهه الغرب منذ إيلول/سبتمبر 2001 وهو كيف تحافظ الدولة على مبادئها الديمقراطية وفي الوقت نفسه تكافح القوى الإرهابية والمعادية للديمقراطية في داخلها؟ ورغم الدعوات والإجراءات التي صدرت عن الحكومة الإسرائيلية باستخدام كل الوسائل لمعاقبة مرتكبي الأعمال الإرهابية أيا كانوا- يهودا أم عربا. إلا أن النظام القضائي و»الديمقراطية» في إسرائيل تقوم على التمييز بين سكان الدولة، إذ تعطي اليهود اليد العليا في كل شيء. فالقوانين والإجراءات أعطت مستوطنين حسا بالحصانة من العقاب ما يمكنهم فعل ما يريدون لأنهم يعرفون أن الدولة ستستجيب لهم. وكما تقول «نيويورك تايمز» فسنوات من الأعمال الإرهابية التي قام بها هؤلاء المستوطنون ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم لم تؤد إلا لإدانات قليلة. ولم تردع هذه بالضرورة المستوطنين عن مواصلة عقيدتهم «التسعيرة» التي يضعونها على الفلسطينيين من أجل منع الجيش الإسرائيلي من اتخاذ إجراءات ضد المستوطنات في الضفة الغربية. ويبرر المسؤولون الأمنيون قلة الإدانات بنقص الأدوات القانونية المتوفرة لديهم للتحقيق وصمت المتهمين أمام المساءلة. فقد ظل أحدهم يغني لمدة اسبوعين. ومن هنا تساءل ميناحيم لانداو، نائب مدير الشين بيت السابق في مقابلة مع الراديو الإسرائيلي قائلا «أين المدرسون، أين المربون، أين الآباء وأين الحاخامات؟». قائلا «إن فعلا كهذا من المستحيل أن يقع بدون معرفة أحد». والحل بالنسبة للانداو اعتبار «عقيدة التسعيرة» الموضوعة على الفلسطينيين وممتلكاتهم «منظمة إرهابية» وعندها ستتغير كل قواعد اللعبة.

أين كان الشين بيت؟

ولم يسأل لانداو أين كانت المخابرات؟ فبحسب المعلق في صحيفة «يديعوت أحرونوت» أليكس فيشمان، فالشين بيت يقوم بمراقبة الفلسطينيين وتجميع معلومات «أساسية» عنهم من البيت والمسجد وكل المجتمعات، ولكن عندما يتعلق الأمر باليهود فالمؤسسة الأمنية «ترفض التجسس على اليهود ولن تسمح لها القيادة الإسرائيلية أبدا ببناء معلومات أساسية عن اليشيفا والحاخامات والمؤسسات الثقافية والدينية والمجالس المحلية». وحتى لو افترضنا معاملة الجرائم الإرهابية بنفس الطريقة فقد ظل الشين بيت تقليديا يعامل جرائم المستوطنين بحذر. وفي العام الماضي قال مسؤول أمني أن وقف جرائم «التسعيرة» غير ممكن في مجتمع ديمقراطي لأن هذا يعني «مساءلة تفكير الناس». وهذا الوضع لا يطرح عندما يتعلق بمعاملة متهمين فلسطينيين من الذين لا تزال الدولة تطبق عليهم قانون السجن الإداري الذي طبق في عهد الإنتداب البريطاني ولا ويزال حتى الآن.
وتشير المنظمة الحقوقية الإسرائيلية «بيتسيليم» إلى أن عدد الفلسطينيين المعتقلين ضمن هذا القانون وصل إلى 5442 في حزيران/يونيو هذا العام. ومن هنا فاليهودي الذي يتصرف بحس «ميسياني» كما يظهر من مجموعة أورباخ التي اعتقلتها الشين بيت بتهمة حرق كنيسة في منطقة الجليل وأطلقت على نفسها «الشبكة الميسيانية اليهودية» التي قال جهاز الأمن الإسرائيلي أنها «تؤمن بايديولوجية متطرفة وتريد تغيير النظام وتحقيق الخلاص عبر عدد من مراحل العمل» وهي جزء من حركة قيامية تعيش في الضفة الغربية وتريد طرد السكان الفلسطينيين وتمتعت ولسنوات بحماية الجيش الإسرائيلي. فحرق بساتين الزيتون واستهداف المواشي والمساجد والبيوت والفلسطينيين استمر بدون رادع. وحرق الطفل الرضيع هو ثامن حادث خلال السنوات الماضية ولكن بدون أن تتخذ الحكومة إجراءات. وهذا نابع من ان «الصقور» الذين يحكمون إسرائيل اليوم هم المسؤولون عن حوادث كهذه وهم من شجعها. وقد كتب جوناثان فريدلاند معلقا على مسؤولية النخبة الإسرائيلية الحاكمة من اليمن إلى اليسار عن نمو هذه الظاهرة الخطيرة. ففي مقال نشرته «الغارديان»: «لا يمكن أن يتجنب صقور إسرائيل مسؤولية هذا اليوم من العنف» (31/7/2015). وتحدث فريدلاند عن الاحتجاجات الجوفاء التي صدرت من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي شجب حادث حرق الطفل الرضيع. وقد انضم لنتنياهو في الشجب نفتالي بينت زعيم الحزب المتطرف «البيت اليهودي». والكاتب وان رحب بشجب الطبقة السياسية والعسكرية لحادث بلدة دوما حيث كان شجبا قاطعا بدون «لو وإذا»، إلا انه ليس مقتنعا بكل هذا لأن هؤلاء في نظرهم ساسة وعسكرا وأمنا هم المسؤولون عن استمرار حدوثها. فبحسب مدير «بيتسيليم»، هاغاي إلعاد، وهي المنظمة التي تقوم برصد انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة منذ 48 عاما فـ «العنف الذي يمارسه المستوطنون ضد الفلسطينيين هو جزء من روتين الحياة اليومية للإحتلال». وأشار إلعاد أن الحادث هو الثامن منذ عام 2012 الذي يقوم به المستوطنون بحرق بناية أو مسجد أو مزرعة أو متجر. ويشير إلى ثقافة الحصانة التي يتمتع بها هؤلاء «في معظم الحالات لم يدينوا أحدا رغم أن لديهم أفضل الأجهزة الأمنية على وجه البسيطة». ومن هنا يرى فريدلاند أن الوضع الحالي مسؤولة عنه الحكومات اليمينية التي شجعت الإستيطان منذ عام 1967 وحكومات يسار- الوسط التي وافقت عليه ومارسته. ومع ذلك فذنب الحكومات اليمينية يظل أكبر ولهذا فالدموع التي سكبها مسؤولو الحكومة والأحزاب المتشددة تظل «دموع التماسيح».

نفتالي بينيت

خذ مثلا نفتالي بينيت الذي وضع جانبا رفضه فكرة الدولة الفلسطينية من الأساس، ويقف على رأس حركة تشجيع التطرف. فالهجوم على بلدة دوما كان ردا على قرار المحكمة العليا تفكيك بنايتين في مستوطنة بيت إيل. ومن كان يحرض المستوطنين لرفض قرار المحكمة الأسبوع الماضي غير بينيت نفسه؟ وعندما يتم الحديث عن نتنياهو فهو ليس أحسن حالا من بينيت. فلا حاجة لنا لتذكر رفضه لحل الدولتين أثناء الانتخابات في آذار/مارس أو تعليقاته العنصرية ضد المواطنين العرب بأنهم يتدفقون نحو صناديق الاقتراع جماعات. فردا على قرار المحكمة المتعلق ببيت إيل أمر ببناء 300 وحدة سكنية فيها و 504 في القدس الشرقية. وهو لم يعاقب المستوطنين على أفعالهم الخارجة على القانون بل كافأهم. ويرى فريدلاند أن تصرفات نتنياهو هي تعبير عن الطريقة التي تتصرف فيها الحكومات اليمينية إذ تقوم بنفخ البالون بهواء زائد لتشعر بالصدمة عندما ينفجر. ويقول فريدلاند ان المثال الحقيقي عن الرجل الذي يفتح صنبور الماء على مداه ليشعر بالرعب من الفيضان الذي تسببه هو نتنياهو نفسه. ويذكر كيف قام هذا قبل عشرين عاما بتحريض المتظاهرين ضد ما رأوه تنازلا قدمه إسحق رابين للفلسطينيين. وعندما رفعوا لافتات تصور رابين بالإرهابي الفلسطيني وصوروه بالضابط النازي لم يقل نتنياهو شيئا. ولكن عندما قام متطرف يهودي باغتيال رئيس الوزراء كان نتنياهو أول من عبر عن صدمته العميقة من هذا الفعل الآثم. وعلى العموم فالهجوم الذي قام به متطرفون ضد الرضيع داوبشة وعائلته هو فعل يقصد منه تعزيز حركة الاستيطان التي تجعل من حلم الدولتين أمرا عسيرا وهو ما يفعل من أجله الثنائي نتنياهو- بينيت.
لكن الكاتب يرى ان الحركة الاستيطانية واليمين المتطرف لا يمكن النظر إليهما بنفس المستوى. فهناك تطرف أشد من آخر. تطرف يرى في نتنياهو خائنا مثلا، ومن هنا فحل الدولتين إن حصل لن يحل كما يقول الكاتب مشكلة الإنقسام الإسرائيلي ولن يجلب السلام. وبالنسبة لعائلة دوابشة فهي تعيش حزنها بينما يحبس الفلسطينيون أنفاسهم لأنهم يعرفون الفاعل وسيظل مجهولا بالنسبة إلى الشين بيت وللمجتمع الإسرائيلي الذي أظهر ميلا لليمين، وجميعنا يتذكر مواقفه أثناء حرب الـ 51 يوما في غزة العام الماضي. وكما كان سفح دم الغزيين أمام أعين العالم يحرق طفل رضيع كما حرق شاب من قبله. فالدم في فلسطين «رخيص» كما كتب جورج غالوي النائب السابق والمرشح في السابق لعمدية لندن.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية