الناصرة ـ «القدس العربي»: يؤكد البطريرك المتقاعد لطائفة اللاتين الأب ميشيل صباح ابن مدينة الناصرة داخل أراضي 48 أن إسرائيل هي المعتدية في حرق الأسرة الفلسطينية وفي مئات جرائم الكراهية المعروفة بـ «تدفيع الثمن» لأنها تحمي وتدعم المعتدين ولأنها دولة محتلة. ويوجه انتقادات للدول العظمى التي لا تردع إسرائيل عن انتهاكاتها بل تضع نفسها فوق كل القوانين مشددا على أن الفلسطينيين أقوى من هذه القوى العظمى إن اتحدوا وتابع «لن نترك وسنبقى إن قررنا أن نكون أقوياء بوحدتنا».
ويستذكر صباح في حديث لـ «القدس العربي» مئات الاعتداءات على المقدسات المسيحية والإسلامية التي تكتفي إسرائيل بشجبها لفظيا وتابع «لم نعد نثق بهذه الاستنكارات ونحن نريد أفعالا لا أقوالا».
وهذا ما يؤكده رئيس القائمة المشتركة عضو الكنيست أيمن عودة بتأكيده لـ «القدس العربي» ان الأجواء العدائية ضد الفلسطينيين تتواصل وتتفاقم بشكل خطير. مشددا على أنه لا يُمكن استئصال هذه الجرائم إلا بإنهاء الاحتلال، وعلى أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو هو المسؤول الرئيسي عن هذه الجرائم. ويدلل عودة على استفحال عقلية الجريمة في إسرائيل بالقول إن إسرائيل ما زالت تنظر للمواطنين الفلسطينيين فيها كأعداء وعبر فوهة الأمن.
يعبر صباح وعودة برؤيتهما هذه عن موقف الدولة من جرائم «تدفيع الثمن» المتصاعدة فهي حتى الآن تواصل استنكاراتها اللفظية ليبقى كلاما بالهواء. أما على الأرض فتتواصل الجرائم بحق الفلسطينيين دون توقف. وتعترف الشرطة الإسرائيلية أن هذه العصابات اقترفت منذ 2008 نحو 650 جريمة «تدفيع ثمن» على طرفي الخط الأخضر دون أن يدان أحد من المجرمين. ويتساءل الفلسطينيون وبحق هل كانت شرطة الاحتلال ستفشل بفك لغز «تدفيع الثمن» لو كان منفذوها عربا وضحاياها من اليهود؟
على خلفية عدم مبادرة إسرائيل لخطوات فعلية رادعة ومجدية ضد هؤلاء المتطرفين فقد بادر يهودا جوبشتاين رئيس منظمة «لهافا» الفاعلة ضد زواج اليهوديات بالأغيار للدعوة لإحراق الكنائس بعد يومين من جريمة حرق أسرة دوابشة في دوما.
أقوال وأفعال
ولذا يدعو المطران عطا الله حنا رئيس أساقفة سبسطية في بطريركية الروم الأورثوذوكس لأخذ تهديدات جوبشتاين «الهمجية» على محمل الجد. وكان حنا شارك وفدا إسلاميا مسيحيا رفيع المستوى قد زار دوما في الضفة الغربية تكافلا مع أهلها. وقال حنا في دوما إنه إذا كان الهدف هو ترهيب الكنائس والفلسطينيين المسيحيين فهم لا يخافون المتطرفين والرب هو الذي سيحميهم والتهديدات تعزز هويتنا الدينية والفلسطينية. وتوافق حنا مع صباح وبقية الفعاليات السياسية والاجتماعية الفلسطينية في تحميل إسرائيل مسؤولية استمرار هذه الجرائم بل تشجيعها بشكل غير مباشر.
النازيون الجدد
كما لا تستغرب عضو الكنيست عن القائمة العربية المشتركة عايدة توما ـ سليمان تهديدات رئيس «لهافا» واستمرار جرائم «تدفيع الثمن» وتقول إن عصابات «النازيين الجدد» تحرق الكنائس والمساجد على الأرض منذ خمس سنوات. ردا على سؤال «القدس العربي» تستذكر خروج قاتل رئيس حكومة إسرائيل الراحل اسحق رابين من هذه العقيدة الإجرامية المتطرفة التي يرمز لها جوبشتاين. وعلى غرار رجال الدين تحمل عايدة توما- سليمان إسرائيل المسؤولية وتؤكد أن هذه العصابات الإرهابية منظمة ولا ينقصها السلاح ولا الدعم والغطاء السياسي المتمثل بالحكومة الحالية. وتتابع «هؤلاء ليسوا أعشابا ضارة في الخطاب الصهيوني السائد لأنهم أصبحوا بذور الحقل وسيحرقون الأخضر واليابس وعلى الفلسطينيين اليقظة والوحدة والنضال».
عدالة وميزان
وعلى خلفية تراخي مؤسسات الدولة مع جرائم وتهديدات المستوطنين يحاول مركز «عدالة» الحقوقي تحدي وامتحان سلطات القانون في إسرائيل بمطالبتها مقاضاة يهودا فاينشتاين لأن دعوته لحرق الكنائس تمس بالقانون بشكل فظ وواضح.
في رسالة عاجلة للمستشار القضائي لحكومة الاحتلال يطالب «عدالة» بفتح تحقيق جنائيّ ضد جوفشتاين، بشبهة التحريض العنصري والحضّ على العنف.
جاء ذلك في أعقاب التصريحات الخطيرة التي أدلى بها جوفشتاين في ندوةٍ عُقدت يوم الثلاثاء المنصرم في القدس. وكان موقع «كيكار هاشابات» الإسرائيليّ قد نشر تسجيلا للندوة يسأل فيها أحد المشاركين جوفشتاين بشكلٍ واضح في سياق الحديث عن حرق الكنائس: «بنتسي، هل تؤيد الحرق أم لا؟ ويُجيب جوفشتاين: «طبعًا أؤيّد، طبعًا (..) ببساطة، نعم».
وتؤكد رسالة «عدالة» على أن أقوال جوفشتاين تعزز التوجّهات العدوانيّة السائدة في المجتمع الإسرائيلي مؤخرًا، ومضمونها أن الاعتداء على العرب ممكن دون التعرّض لمحاسبةٍ أو مساءلة. وتتابع «نحن نشهد أحداث عنف متصاعدة في السنوات الأخيرة ضد الفلسطينيين في كل مكان وتصريحات جوفشتاين تزيد خطورتها على أثر الجريمة في دوما وحرق الكنائس والمساجد».
وتشدد «عدالة» على أن أجهزة تطبيق القانون في إسرائيل من محاكم وشرطة ومخابرات ما زالت تتلعثم، وتبدو مترددة وغير معنية حتى، في اتخاذ أي خطوة عملية أمام هؤلاء المجرمين الذين يتنقل شرهم من قرية إلى أخرى، وينفثون سمومهم الخبيثة، سموم الكراهية والعداء لكل ما هو عربي وفلسطيني في هذه البلاد.
ويعتبر «عدالة» أن هذه الجرائم تنم عن حقد دفين وعنصرية هوجاء وأن كل ذلك يحصل أمام ناظري الأجهزة الرسمية التي لا تحرك ساكناً إزاء ظاهرة تزداد عنفاً يوما بعد يوم.
ليس إرهابا
ليس هذا فحسب، بل إن الأجهزة السياسية في هذه الدولة، وعلى رأسها الحكومة الاسرائيلية، والتي رفضت الإعلان عن هؤلاء الذين يقومون بهذه الأعمال، عصابات تدفيع الثمن، كمنظمة إرهابية عدائية، واكتفت فقط بالإعلان عنها كتنظيم محظور، دون اتخاذ أية اجراءات عقابية أو وقائية تأمن شرهم. ولذا توضح منظمة «ميزان» القضائية أن هذا الأمر يشجع هؤلاء المعتدين أن يصولوا ويجولوا في قرانا ومدننا الفلسطينية، سواء عندنا في الداخل الفلسطيني أو في الضفة الغربية، من اعتداءات على البشر واعتداءات على الممتلكات واعتداءات على دور العبادة من مساجد وكنائس، وحرق للسيارات وحرق للشجر والحجر، بدءاً من نين إلى ام القطف إلى باقة الغربية إلى طوبا الزنجريا والجش وقبلها في قرى الخضر وياسوف وقصرى والشيخ جراح والعيزرية.
معايير مزدوجة
وتتابع «إننا في مؤسسة ميزان نؤكد ان موقف الهيئات القانونية والأجهزة القضائية لم يرق بعد إلى مستوى هذه الأحداث، ونطالبهم بأخذ دورهم العملي والتنفيذي للجم هذه الظاهر العنصرية المقيتة، في الوقت الذي لا تتورع فيه هذه الأجهزة – من شرطة ومخابرات – بالإعلان عن اعتقال فلسطينيين مباشرة ودون تأخير بعد وقوع أي عمل فهذا هو موقف المشجّع والمؤيّد للأعمال الإرهابية التي تقوم بها مجموعات «دفع الثمن». ويتفق «ميزان» مع «عدالة» في أن هذا التوجه يؤكد العقلية التي تتسّم بها المؤسسة الإسرائيلية، بينما هناك عشرات مؤسسات الإغاثة الإنسانية الفلسطينية التي تعمل في الخدمات الإنسانية وتقوم بواجبها الإنساني البحت تجاه الفقراء والمساكين والأيتام والمستضعفين تم إغلاقها والإعلان عنها كمنظمات إرهابية، بينما مجموعات «دفع الثمن» تقوم بأعمال عنف واعتداء وإرهاب ولا يعلن عنها كمنظمات إرهابية.
استبدال التنديد بالعمل
يشار إلى أن أوساطا واسعة في السياسة والرأي العام في إسرائيل وبخلاف الماضي تعترف اليوم عقب جرائم الأسبوع الماضي بأن الجريمة في دوما ودعوة جوبشتاين لحرق الكنائس تعكس حالة تطرف عنصرية عميقة. وتطالب هذه الأوساط وعلى رأسها رئيس إسرائيل رؤوفين ريفلين التوقف عن الاستنكار وشروع الدولة بخطوات حقيقية وعملية لوقف هذه العصابات وليس بدوافع أخلاقية وإنسانية فحسب بل وربما الأهم خوفا على صورة، مكانة، مصير ومستقبل إسرائيل كدولة يهودية- ديمقراطية. وتزداد مخاوف هذه الأوساط في ظل ردود فعل متوقعة في العالم على إحراق الكنائس والمساجد وأصدر مجلس الكنائس في الديار المقدسة بيان تنديد مشترك بعد تقديم شكوى للمستشار القائي للحكومة الإسرائيلية الجمعة إضافة لمذكرة سترسل للفاتيكان بهذا الخصوص.