باسم سليمانبعيداً عن نسق القواميس العربية التي ضبطت إيقاع حركة اللغة العربية بما يخدم الواقع والأفق المؤدلج، ظلّت اللغة تمتح من جذورها القديمة بطريقة أشبه بعبادة الأجداد، فلا تغيب عنها دلالات تمّ إبعادها وخصي خصوبتها من قبل المتن اللغوي الرسمي وهكذا بقيت روح الكلمة موجودة وهي تتدرج ككائن يخضع لنظرية دارون.بين القراءة والقروء علاقة مغفلة ولأن كلمة ‘القراءة’ معروفة بشكل لا يدعو للغموض! سنبدأ بكلمة ‘القروء’ وتعني شرعاً: الحيض أو الطهور والمدخل الشرعي صالح جداً لفهم تلك العلاقة المغفلة. القروء تفيد معنى التكرار والقراءة أيضاً تفيد نفس المعنى، فعندما نقول لشخص ما: اقرئ فلاناً سلامي أي كرر له ما قلته لك من سلام له. عندما تحيض الأنثى يمنع عليها مقاربة النص الديني قراءة وحركة وعندما تطهر يعود إليها هذا الحق أي أنّ التكرار هنا بين حيض وطهور بين دنس وبراءة يشبه ما يتم فهمه من أن تكرار قراءة بعض الكلمات الدينية أو السحرية يرتب نفس المقتضى من رفع للدنس وتأكيد للطهارة أو العكس من إنزال للدنس وإقصاء للطهارة و نستطيع أن نفهم الخوف من التوائم لدى بعض الشعوب القديمة و الخوف الذي واجهه المصورون عندما كانوا يلتقطون صوراً لبعض القبائل البدائية إذ كانت رؤية الشخص ذاته مكرراً في صورة يعني لهم قدرة هذا المصوِّر على حبس الروح أو قتلها.في الخطاب الديني الذي بدأ مع الرسول محمد ‘ص’ نجد استفهام الرسول بقوله: ‘ما أنا بقارئ’ وبمقاربة خاصة، هل كان الرسول في خوف من الذي سيكرره ؟ وخاصة أنّ تكرار الكلام وما يحمله من تأكيد في المعنى النحوي والدلالي يفيد أنّ التكرار له مفعولية السحر الذي به تصبح للكلمات المكررة القدرة على اجتراح المعجزات وهذا معروف في المدونة السحرية.نعود هنا لموضوعة الجناس الصوتي والدلالي كخاصية تحمل الكثير من القرابة في المعنى لأن جذر الكلمة مهما تفرع لأغصان أخرى سيظل يتغذى من النسغ الذي يمدّه به الجذر.التعوذ من شرّ الضحك، نسمع ذلك كثيراً عندما نضحك مطولاً لنكتة أو موقف ما وعليه نجد صوت الضحك هو الكركرة أي التتابع ومنه الكَر، الهجوم الدائم الذي لا يتوقف ولنزيد، الكرة/ الدائرة وهي أكمل الأشكال، أليست الكرة عوداً على بدء، تشبه ، خلق على نفس النسق أي هو تكرار.التكرار يقوم به الأدنى مقلداً الأعلى، أليس المريد يقلد الشيخ في معراجه نحو خالقه!؟ أليست القراءة هي تكرار للكلمة التي صُنع منها الكون!؟ فالقراءة هي رتبة شامانية، دينية، سلطوية، من يقوم بها عليه أن يكون مستحقاً لها ولا يُعبه شيء.القروء قراءة سلبية تمنع الأنثى من القراءة الإيجابية التي اختص بها الرجل بعد أنْ نحل التكرار لنفسه. كانت الأنثى الزارعة الأولى والمقلدة للخالق سواء بإنجاب الأولاد واستخراج النبت من الأرض عندما كان الذكر صياداً والصياد ينتظر من الخالق أنْ يهبه الطريدة واستمرار تواجدها، فهو لا يفعل كما تفعل الأنثى بأنْ تستنبت الأرض والزراعة بذاتها تكرار من حيث أنّ الفصول تفترض زراعات مناسبة لها.في الديانة الرعوية نجد الصراع الذي دار بين هابيل الراعي وقابيل المزارع حتى على صعيد الكلمات، فالكافر هو الفلاح و’ النصبة ‘ هي الغرسة التي يزرعها الفلاح ومنها جاء النواصب و الناصب بالمعنى الديني، فالفلاح هنا يكرر يقلّد عمل الخالق يشابهه ولا ينتظر رحمة السماء، فأقام السدود ومدّ السواقي في حين الراعي لا حلّ له إلا بما تجوده السماء ينتقل خلف ما تنثره الغيوم من مطر وما توجد الأرض به من كلأ.هنا علينا أنّ نفهم خوف الرسول من التكرار والإصرار على أميّته من قبل النسق الديني اللاحق لأن مجرد القدرة على التكرار هو مشاركة للخالق بالقدرة وهذا مرفوض بالمطلق من قبل المدونة الدينية، فالرسول ليس له من الأمر شيء، فهو وحي يوحى وعندما ظنّ أو تأكد أنّ الرسول يقرأ ويكتب نُسب ذلك لمعجزة حدثتْ أي أنّ السماح أتى من فوق وليس من أدنى، فالقارئ لا يحق له القراءة إلا بأمر من فوق وعليه نفهم أمر جبرائيل للرسول. وعبر التاريخ قننت السلطة القراءة وضمناً الكتابة وظلّت العلاقة بين القراءة والكتابة والسلطة علاقة تشوبها التجاذبات القوية لأن القراءة هي معادل لكلمة الخلق الأولى، فبها تتم المشيئة: ‘إنّي جاعل في الأرض خليفة’ والخليفة له صلاحيات الموكِل لأنّه وكيل له وبه يتم عمران الأرض والخليفة هنا هو الفرد الإنسان بالمطلق لا يمثله شخص ولا هيئة ومن هذه اللحظة ظهر الصراع بين الخلفاء الذين حقّ لهم القراءة وبدأ الإقصاء وكلّ يدعي له هذا الحقّ.لا ريب أنّ اللغة هي الخريطة السرّية التي سنفهم من خلالها مسيرة الكائن البشري على هذه الأرض، لكن قبلاً علينا تحريرها من المدونة الرسمية والسماح لها بمدّ أواصر القربة مع اللغة العامية واللغات القديمة السابقة عليها، فالقروء الذي هو دلالة على خصب الأنثى وحُول إلى دناسة تمنعها من القراءة هو المفتاح الذي سندخل منه للشجرة القراءة وفعل قرأ وإشكالاته التاريخية الآنية[email protected] qadqpt