صور (لبنان) – من الكسندر جاديش: يتداول في لبنان حاليا تسجيل فيديو يبدأ بموسيقى حزينة ثم يظهر عنوان ‘قبل فوات الأوان’.. ويختتم الفيديو أيضا بعبارة ‘تحرك قبل فوات الأوان’.يظهر التسجيل بقعا حمراء على خريطة لبنان لتحديد أماكن استقر فيها لاجئون فلسطينيون بعد فرارهم أو طردهم من منازلهم مع قيام اسرائيل عام 1948.ويقول الفيديو إنه بمجرد استيطان اللاجئين في لبنان هددوا سيادته وهاجموا جيشه الوطني وساعدوا على إشعال الحرب اللبنانية التي استمرت 15 عاما وأسفرت عن سقوط أكثر من مئة ألف قتيل. والآن.. يتوافد اللاجئون السوريون بأعداد مماثل.ويطرح الفيديو هذا السؤال ‘هل يعيد التاريخ نفسه؟’. وقد لقي إقبالا كبيرا على موقع يوتيوب وتم تداوله عبر مدونات ومواقع لبنانية.بعض اللبنانيين قالوا إنه يحمل طابعا عنصريا لكن الكثيرين اتفقوا مع ما ورد فيه. وهو يظهر القلق من تداعيات الحرب الدائرة في سورية والتي ربما تهدد السلام الهش القائم بين الطوائف المختلفة منذ عام 1990.هؤلاء اللبنانيون يرون أن توافد عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين أغلبهم من السنة يكاد يكون تكرارا لتدفق اللاجئين الفلسطينيين الذي غير التوازن الطائفي بلبنان قبل عقود ومثل تحديا لهيكل السلطة الذي كان يهيمن عليه المسيحيون.وثار جدل حول كيفية التصرف حيال اللاجئين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي وفي أروقة السلطة مما أدى إلى عدم اتخاذ الدولة أي إجراء في مواجهة تدفق اللاجئين. وعلى عكس تركيا والأردن لم يقم لبنان مخيمات رسمية لاستيعاب السوريين.وقال وائل أبو فاعور وزير الشؤون الاجتماعية لرويترز في مقابلة ‘في لبنان ليس هناك إجماع سياسي أو إجماع وطني حول طريقة التعاطي مع النازحين وإن كانت الحكومة قد اخذت خيارا في هذه المجال بإغاثة وحماية وتأمين كل حاجات النازحين’.وأضاف أن قضية المخيمات تمثل حساسية بسبب ‘هواجس تاريخية’ مرتبطة بالمخيمات الفلسطينية وأشار في الوقت ذاته إلى اختلافات جوهرية بين الاثنين ففي حين أن الفلسطينيين منعوا من العودة فمن المفترض أن يتمكن السوريون من العودة إلى الوطن بعد انتهاء الحرب.ووصل أكثر من 200 ألف سوري بالفعل إلى لبنان أي ما يوازي نحو خمسة في المئة من سكان البلاد البالغ عددهم أربعة ملايين نسمة. وتقول الأمم المتحدة إنه ربما يكون هناك مليون لاجيء سوري في المنطقة بحلول يونيو حزيران ارتفاعا من الرقم الحالي الذي يبلغ نحو 700 ألف.واقترح وزير الطاقة جبران باسل -وهو مسيحي- إغلاق الحدود. وقدم ساسة مسيحيون اقتراحات مماثلة. ويزعم الفيديو المتداول على يوتيوب وهو مجهول المصدر أنه بحلول 2020 سيفوق عدد اللاجئين السوريين والفلسطينيين معا عدد السكان اللبنانيين.وجاء في الفيديو ‘لنتحرك قبل أن نصبح نحن ضيوفا في بلدنا.. لنتحرك قبل أن نصبح مشتتين في دول الاغتراب’. وحث على الضغط على الساسة لاتخاذ أي خطوة.ويتحدث النائب ابراهيم كنعان بصورة اكثر دبلوماسية من بعض زملائه عندما يتطرق إلى قضية اللاجئين. لكن موقفه واضحا.وقال في مقابلة بمنزله في ضاحية راقية ببيروت ‘ما يحدث في سوريا مثير للقلق’.وبدأت الانتفاضة السورية بشكل سلمي للمطالبة بإصلاح ديمقراطي ثم تحولت إلى صراع مسلح. وقال كنعان إن ‘الأصولية والإسلامية والإرهاب’ تنتشر وإن لبنان لا يمكنه الانخراط في الصراع.وهناك حساسية كبيرة مرتبطة بالتركيبة السكانية في لبنان. فقد عملت فرنسا القوة الاستعمارية السابقة على اقتطاع لبنان من سوريا التي تضم أغلبية سنية ليعيش به المسيحيون الموارنة.كما يعيش في لبنان سنة وشيعة ودروز وأرمن وخليط من الطوائف الأخرى. وليست هناك معلومات عن أعداد كل طائفة لأن آخر تعداد سكاني أجراه لبنان كان عام 1932.وساعد الاستياء من هيمنة المسيحيين بين بعض تلك الطوائف على إشعال الحرب الأهلية عام 1975. وطوال 15 عاما حولت مجموعات عرقية وطائفية متناحرة البلاد إلى اقطاعيات متصارعة. وما زال في العاصمة بيروت مبان تعلوها آثار الأعيرة النارية.ويقول الكثير من اللبنانيين إن جذور الحرب تنبع من قدوم عشرات الآلاف من الفلسطينيين وأغلبهم من السنة. وبمرور السنوات حمل اللاجئون السلاح لمحاربة اسرائيل لكنهم اشتبكوا أيضا مع الجيش اللبناني وميليشيات مسيحية. وتصاعدت الهجمات الانتقامية ليتحول الأمر إلى حرب كاملة.ويرى كنعان -وهو ماروني- إن التدفق الجديد يحمل مخاطر مماثلة ويقول إن لبنان لابد أن ينأى بنفسه عن الصراع في سورية ويعزز جيشه ويسيطر على الحدود كي يحافظ على استقراره. لكنه لم يصل إلى حد الدعوة إلى إغلاق الحدود تماما.وأضاف ‘إذا قلنا هذا فستجد من يقول: ‘أف.. هذا الرجل..’. لا أدري الوصف الذي يمكن أن يطلقونه علي. لكن ما الحل؟ إذا لم تغلق الحدود فعلى الأقل ينبغي إحكام مراقبتها’.وتابع ‘بالإمكان استقبال الناس.. بل ولابد من ذلك. يجب التعامل بحساسية شديدة مع تلك المسائل. لكن لا يمكن التضحية بالوطن وبالبلد والشعب لمجرد التحلي بالإنسانية. هناك حدود لكل شيء’.هناك تاريخ ولهجة مشتركة بين سوريا ولبنان إلى جانب روابط عائلية وسياسية مما يعني أن اللاجئين السوريين يواجهون وضعا أكثر تعقيدا من وضعهم في الأردن أو تركيا من نواح كثيرة.قبل الصراع كان الكثير من السوريين يأتون للبنان للعمل في البناء والزراعة أو يعملون في حرف بسيطة أخرى. وكثيرا ما تتلاشى الفروق بين العمالة الوافدة واللاجئين.على سبيل المثال ظل إبراهيم الاشبي (27 عاما) يعيش ويعمل في مدينة صور بجنوب لبنان قبل عامين من بدء الصراع في سورية وقرر العودة عندما وصلت الحرب إلى بلدته إدلب في شمال سورية.يتمكن الاشبي من كسب قوت يومه من خلال بيع الخضر على عربة ويقتسم شقة من غرفتين مع عدد من أفراد أسرته. لكنه يقول إن الحياة في الوقت الحالي أصبحت أصعب من ذي قبل في لبنان. وأدى تدفق اللاجئين السوريين إلى ارتفاع قيمة الإيجارات ورفع الأجور.قال الاشبي ‘قبل الآن كان منزل مثل هذا يؤجر بمئة أو 150 دولارا لكنه يؤجر الآن بمئتين أو 250 دولارا. والأسعار في زيادة. وإذا لم يرض صاحب المنزل عن قيمة الإيجار فسيطرد المستأجر ويؤجر المكان لأي أسرة أخرى’.وتسبب الصراع أيضا في قطع طرق الإمداد ببضائع رخيصة كانت ترد من سورية ويبيعها الباعة الجائلون. وقال الاشبي ‘ليس هناك شيء من سوريا لآن وما يرد من الصين غال جدا’.وفي مساحة غير ممهدة من الأرض قرب ساحل البحر المتوسط تتكدس أسر سورية داخل خيام مقامة من أغطية بلاستيكية. وتظهر في الأفق لافتات لمطعم مكدونالدز ومتجر كبير.وعلى الجهة المقابلة من الشارع هناك مركز ثقافي أطلق عليه اسم باسل الأسد الشقيق الراحل للرئيس السوري بشار الأسد ويمثل تذكرة بالصلة بين الحكومة السورية وجماعة حزب الله اللبنانية التي تسيطر على هذه المنطقة التي تسكنها أغلبية شيعية.ويقول حزب الله إن قضية اللاجئين قضية إنسانية وليست سياسية ولابد من التعامل معها بناء على هذا المنطلق. ويقول السوريون في مخيم صور إنه ليس بينهم أي نزاعات سياسية مع السكان. لكن العلاقات الاقتصادية قضية أخرى.وقال شاب من مدينة حلب بشمال سورية ‘رجعنا لأيام العبودية’.ومضى يقول ‘اللبناني بيجيكم… ما بيعاملك إنك شخص مخلوق.. انت مهاجر.. انت لاجيء.. انت شغيل’.ويقول لاجئون في المخيم إنهم يدفعون 50 ألف ليرة لبنانية (33 دولارا) شهريا لكل خيمة في حين أن اجر عمل يوم تراجع من 15 ألف ليرة إلى ثمانية آلاف ليرة وهو ما يزيد قليلا من ثمن شطيرة دجاج مشوي من متجر قريب.وقال الشاب القادم من حلب والذي طلب عدم نشر اسمه ‘في مثلنا العربي نقول.. إذا وقع الجمل تكتر سكاكينه…اللي صار فينا مثل الجمل’.لكن مشاعر الاستياء موجودة لدى الطرفين. إذ يشكو الكثير من اللبنانيين من أن السوريين يفتحون متاجر ويتنافسون مع السكان كما يقول وزير الشؤون الاجتماعية أبو فاعور. ويرى آخرون أن العثور على عمل بات أصعب وأن الأجور تضاءلت لأن الكثير من السوريين مستعدون للعمل بأجر ضئيل.وقال أبو فاعور إن عدد أطفال الشوارع والمتسولين زاد. وأدى التأخر في إقامة مخيمات إلى تفرق نحو 220 ألف سوري على حوالي 700 موقع في لبنان مما يؤدي لارتفاع تكلفة مراقبتهم وحمايتهم.وأضاف ‘أخاف أن يؤدي هذا الأمر إلى انفجار اجتماعي اقتصادي في لبنان’. وأردف قائلا ‘لأننا بدأنا نلاحظ عمليات توتر شديدة بين المجتمع اللبناني المستضيف وبين النازحين السوريين نتيجة أن هذا النازح السوري الذي يأتي من سورية… يقاسم اللبناني في كل شيء وبالتالي التأخر في إقرار خيار المخيمات أو في الاتفاق على خيار المخيمات جعل النازحين السوريين ينتشرون في كل المناطق اللبنانية’.واشتبك مسلحون موالون لطرفي الصراع في سورية مرارا في طرابلس ثاني أكبر المدن اللبنانية حيث تغطي صور الأسد الجدران في بعض الأحياء. وقتل يوم الجمعة جنديان لبنانيان على الأقل في معركة بالأسلحة النارية مع مقاتلين قال سكان إنها كانت مرتبطة بالصراع السوري.وقال روبرت واتكينز منسق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة للبنان إن الاستياء من اللاجئين السوريين يتزايد فعلا. وفي محافظة عكار بالشمال ألقى البعض مؤخرا قنبلة حارقة على تجمع للسوريين.لكن أبو فاعور قال إن الحكومة اللبنانية سيتعين عليها في نهاية الأمر بحث مسألة إقامة مخيمات رغم المقاومة التي تقف أمام تلك الخطوة. وتابع ‘اليوم أصبح الأمر ضاغطا ولم يعد أحد يستطيع أن يتجاهل هذا الأمر’.qar