تقدير للأزمة المصرية.. خلل بنيوي في قوى السلطة والمعارضة

حجم الخط
0

د. محمد بريكللأزمة الحالية المصرية وجهان، وجه آني، وآخر ممتد ضمن سياق سياسي أكثر اتساعا وإشكالا. الوجه الآني للأزمة هو بيئة استقطاب سياسي حاد سمحت بنطاقات واسعة من انفلات أمني ودخول فئات محتقنة على الأزمة بسبب قدر من الفشل الوظيفي في الملفات الأساسية: التحول الديمــــقراطي والعدالة الانتقالية والتنمية.هذه الجولة من الاحتراب السياسي بدأت على جملة من الملفات: الإعلان الدستوري وما نتج عنه (وإدارة أزمته) من تحصين للشورى والجمعية التأسيسية للدستور، والتعجيل بدستورعليه درجة عالية من الاختلاف حول آليته ومكوناته واعتقاد شريحة سياسية واسعة أنه يراعي مصالح طرف ويخالف حتى مطالب المعارضة الوطنية طيلة ثلاثين عاما (صلاحيات رئيس ومجلس شوري، تعيين المحافظين، إمكانية حل النقابات وحبس الصحفيين والمحاكمات العسكرية للمدنيين وتصديق الرئيس على ترشيحات المحكمة الدستورية، ومواد مرحلة انتقالية محابية للإخوان بخصوص النظام الانتخابي وتحويل التشريع كلية للشورى والإبقاء على نفس تعريف عمال وفلاحين، وتمرير صيغة وصاية العسكر لضمان الموضع السلطوي). وهذا الاستقطاب أنتج عبر إدارة غير حكيمة لإدارة كلا المعسكرين إلى استدعاء الخطاب التعبوي الديني لطرف والدفع لدعاوى إسقاط النظام لآخر، وإلى اشتباكات حادة على مستوى الحراك الشعبي والوضع الأمني. فضلا عن دخول أطراف عديدة في الأزمة بشكل تلقائي ونتاج المسار وشق منه تم استدعاؤه: المؤسسة العسكرية، والأمنية، الفلول، أطراف خارجية، الألتراس، الشباب الثوري، مدن القناة.أما الوجه الممتد للأزمة فسببه الصراع على السيطرة على مفاصل النظام السياسي وموضعة المؤسسة العسكرية والمكونات الأخرى – فيه. كان من الطبيعي أن تتكون ظروف الأزمة بسبب مسار الثورة الذي لم ينجح في تحصيل الحد الأدني من التغيير الجذري (هيكلة الداخلية، وإخضاع المؤسسة العسكرية للهيمنة المدنية) وبناء الدولة (عقد اجتماعي وتوافق على البيئات التي ستعقد فيها أي انتخابات) قبل استدعاء السياسة التنافسية. وكذلك أننا عندنا مشكلة بنيوية سواء في جماعة الإخوان والنخب المتصدرة للمعارضة والمؤسسات. -1 بالنسبة للإخوان فنحن أمام تنظيم شمولي (هناك خلط بين شمول الإسلام وشمول الوظائف التي يقتضي العرف الديمقراطي وحتى الإسلامي لوجود فصل وظيفي واضح بينها) على رأس النظام السياسي المدني، وإن كان هذا مرفوضا ويقود لأزمات سياسية وتعويق ممارسة الديمقراطية في أي وضع فإنه شديد الخطورة في مرحلة تحول ديمقراطي. لماذا؟.من الطبيعي في مرحلة التحول الديمقراطي حين يسعي فصيل للسيطرة المدنية أن يتم عقد تفاهمات ثنائية مصلحية مع القوة الداخلية (العسكر) والخارجية (الأمريكي) لاتكون في المصلحة العامة (لأن منتوج التفاوض أقل كثيرا منه في حال تفاوض الجماعة الوطنية) ولافي بناء الثقة المتبادلة (لأن الأطراف المدنية الأخرى ستشعر وتعلم وقد يدفعها لتقديم صيغ تفاوضية أدنى)، وأن يكون أي اقتراب لملفات التطهير وإعادة الهيكلة (وهو ضروري في مرحلة التحول الديمقراطي وإعادة بناء أجهزة الدولة وإلا لو تركت على حالها قادت لفشل سياسي ووظيفي محقق) مجددا للأزمة وشرخ لجدار الثقة لسببين: الأول أن أي محاولة لإعادة هيكلة المؤسسات (فضلا عن العلاقة مع سلطة موازية للقضاء) ستثير مخاوف التسييس لمؤسسات الدولة وذلك لأنه ليس من صلاحية الحكومة المنتخبة أن تغير أساسا بشكل واسع في دولاب الدولة، وهذه المخاوف ستزيد من الاحتراب السياسي مما يتيح للمؤسسات العسكرية والأمنية خصوصا للاستفادة منه لكي توسع من نفوذها السياسي بالمشهد، والاحتراب السياسي ذاته سيمنع من بناء قوة دافعة سياسية وشعبية لفرض أجندة التغيير على المؤسسات. والسبب الثاني أن مكونات الدولة السيادية والبيروقراطية سيتم إثارة مخاوفها بشكل حاد بسبب خوفها من احتمالية تصفية الحساب أو خشيتها من اختراقها لصالح فصيل والفشل الوظيفي والانحياز السياسي والعلاقات الخارجية والإقليمية للإخوان (في حال المؤسسة العسكرية) ولهذا فهو إما يدفعها لعقد تفاهمات مصلحية مع الإخوان تناقض النسق الديمقراطي من جهة وتشوه صورة الإخوان السياسية من جهة أخرى، أو تنخرط بشكل مباشر في الحراك المعارض إذا تعمق خوفها من الإخوان مستقبلا.-2جبهة الإنقاذ.. تحديدا ( الدستور والتيار الشعبي وبعض المكونات الصغيرة كالحزب المصري الاجتماعي والاشتراكي الديمقراطي والكرامة…). وهي أحزاب تحوز على قطاعات من الشباب الثوري بلاشك، ولكن النخبة الأساسية عندها تحيز فيما يتعلق بتقديم مصلحة حزبية مباشرة. صحيح أن هناك خوف العام مبرر من سيطرة الإخوان على مفاصل الدولة، ولكن هدف تحجيم الإخوان (والتيار الإسلامي) بحد ذاته حاضر بالخلفية، وكذلك إسقاط مرسي عبر عمل شعبي يستدعي ضغط عسكري وخارجي، هما هدفان حاضران عند المجموعة القائدة (مع تمايز بين البرادعي وحمدين، الأول أكثر ديمقراطية والتزاما مع المشكلة الليبرالية المعتادة في النظرة للدور الخارجي، والثاني أكثر تمنعا للتدخل الغربي ولكنه أقرب للمؤسسة العسكرية وأكثر شعبوية وأقل التزاما ديمقراطيا).-3 بخصوص المؤسسة العسكرية. فالفرضية الأساسية عندها منذ فترة ترتبط بإعادة تغيير الخريطة السياسية بشكل لايسمح للإخوان بأن تحوز وضعا سلطويا منفردا، ولأسباب لها علاقة بالنفور الطبيعي، والقلق من تحركات إقليمية ودولية للإخوان خارج إطار الدولة، ولخشيتها من رغبة الإخوان في اختراقها، ولأن دور الوصاية العسكرية يحتاج لإطار مدني فيه شركاء متشاكسون. وما منع المؤسسة أن تتدخل أثناء أزمة الإعلان الدستوري كان رغبتها في تمرير الدستور ذاته، وفي ذات الوقت تعميق أزمة النظام السياسي ذاته ليستفاد بها في مرحلة تالية. وماحاولت فعله بشكل آني كان استدامة درجة الاحتقان والتصعيد الشعبي ولكن لدرجات يمكن السيطرة عليها، ولذلك كان من المهم منع جعل حد تصعيد الأزمة في يد ألتراس القاهرة، وهو في كل الأحوال حريص على عدم الاصطدام المباشر بالحالة الشعبية ومحاولة كسب ثقتها.-4 وبخصوص القطاعات أمنية وفلولية. تعلم جيدا أن مهادنة الإخوان لها هي بكل شك وقتية، لأنها ستكون الحائط الأكثر ميلا والأكثر طلبا شعبيا وسياسيا للاشتباك معه بعد استقرار الوضع للإخوان. ولهذا فهي حاضرة بأشكال مختلف في الساحة المعارضة بدرجات التواجد السلبي في حفظ الأمن في فترة سابقة، تدبير بعض التحرشات الأمنية، الخشونة المتعمدة مع بعض المتظاهرين، التحريك الشعبي والانفلاتات الأمنية في حال الفلول. والدور التدبيري لها في الانفلات العنيف والضرب على طرفي الاشتباك في الشارع يصل لدرجة عالية وخصوصا تلك الاشتباكات المنظمة.-5 وبخصوص حزب الكنبة بأنواعه المختلفة تم استنفاره ذاتيا وعبر الطرف الإعلامي والسياسي كذلك، ولاشك أن هذا الاستنفار لم يكن ليحصل نتائجه دون تراكم من النفور والخشية من سلوك الإخوان وخطابهم قيادات وأفرادا. وهناك ملمح نفسي هام، وهو أن شعور الشعب بطائفة بدأت تتسلط وتقترب من حوض المزايا والمصالح أكثر إثارة لها من نمط المستبد الفرد.6- القوى الخارجية سواء منها الخليجية (القطري المؤيد للإخوان أو السعودي والإماراتي المعارضان) أو الأمريكي. فمنها ما له اتجاه سياسي واضح ومستقر كما في حال القوى الخليجية ولاعتبارات مرتبطة بالدور الذاتي والإقليمي أو الخلافات البينية وتلاقح ذلك مع رغبات الأمريكي، ومنها كالأمريكي ماكان تحركه بناء على فرضية أساسية تقوم على دعم الإخوان كقائد للحالة المدنية المصرية مع إبقاء العلاقة وثيقة مع المؤسسة العسكرية كوصي على المستوى السيادي وتطويرها مع قوى مدنية لأهداف التوازن والابتزاز، ولكن هذه الفرضية بدأت تتغير بالفعل لقناعة الأمريكي المتصاعدة بالفشل الإخواني وأصبحت تتجه نحو صيغ أكثر توازنا في الحالة المصرية وحتى عدم الممانعة أمام تدخلات العسكر.-7 القوى الثورية والوسطية ليست حاضرة بشكل قادر على التأثير الواسع في الأزمة، لأسباب تتعلق بعدم نضجها الكادري والتنظيمي الذي يقلل من درجة التأثير في البيئة السياسية والشعبية. وهذه القوى من المهم البناء عليها وتطوير دورها في التحرك الرشيد لمعالجة الأزمة لأنها الأقدر على ممارسة دور الوسيط ولحمة التوافق، كما أن انحيازاتها لأهداف الثورة ورفضها للتدخل العسكري والغربي واضح.وهناك خمسة سيناريوهات ممكنة. الأول هو السيناريو الرشيد والذي يجب أن نسعى إليه بالفعل، وإن كنت أرى للأسف أن الوقت تجاوزه وأن هناك خللا بنيويا في القوى الموجودة بالمشهد سواء من في السلطة أو المعارضة، وأن المكوث طويلا في مسار خاطيء دفع أغلب الأطراف لتعميق علاقات ونزعات تعوّق أي رغبة أو قدرة على التصحيح. هذا السيناريو يتم محاولة تحقيق أعلى قدر ممكن من التوافق والقيادة الجماعية لمرحلة التحول الديمقراطي وملفاتها وبالطبع مناخ وأسباب الأزمة الحالية.هناك مشكلة الدستور ولابد أن تحل على الحقيقة المشكلة الحقيقية ليست هي مادة الشريعة بالطبع ولكن المواد التي تتيح مصلحة سياسية وانتخابية لفصيل، وكذلك تشكيل قيادة جماعية للتعامل مع ملفات ثلاثة أساسية: إعادة الهيكلة بما فيها ضبط العلاقة المدنية العسكرية وتصحيح الوضع المنحرف دستوريا وقانونيا على الأقل (الهيمنة الفعلية تستغرق وقتا طويلا وتحتاج لدرجة عالية من تعميق الشرعية السياسية وحد الإنجاز المدني وتوفر الخبرات لإدارة ملفات الدفاع)، وبالطبع هناك جوانب بالدستور الحالي من الممكن الدخول منها لفرض الهيمنة الدستورية والقانونية في أغلب المساحات (ويتبقي التعديل في نقطة أو إثنتين). والملف الثاني: هو إدارة الأزمة الاقتصادية والاحتياج لقرارات حادة مهم أن يكون لها حيز كبير من القبول السياسي وعلى إثره الشعبي فيما يتعلق بتدوير الدعم والضرائب التصاعدية وإعادة هيكلة الاستثمار والمؤسسات الاقتصادية، والملف الثالث: هو مشروع للعدالة الانتقالية. وهناك أكثر من آلية لتحقيق هذا السيناريو على حسب مدى نجاح بناء الثقة المتبادلة بالفعل: مجالس وطنية تفوض لها صلاحيات، حكومة إنقاذ وطني، لجنة لإدارة أزمة مع تعهدات بدسترة وتقنين منتوجات الحوار وتأخير كل النشاطات التنفيذية في كل ملف حتى إتمام الحوار فيها. (بخصوص الدسترة، فهناك أكثر من وسيلة الأفضل هي صيغة تعديل دستوري يحدث عليها استفتاء يدعو له الرئيس، والثانية هي تعهدات مكتوبة لرؤوس الأحزاب وبإشراف الأزهر والقضاء على إلزام أعضاء الأحزاب بالبرلمان وهكذا.السيناريو الثاني هو نجاح المعارضة في إحداث إسقاط للنظام الحالي وبشكل (رشيد) يبتعد عن الوصاية العسكرية والتدخل الخارجي. وهذا سيناريو خيالي للشذوذ في بنية المعارضة ذاتها وبعد ذلك عن (الثورة) كأهداف وشروط وآليات، وكذلك بسبب وجود شق طولي في الجماعة السياسية والشعبية.السيناريو الثالث وهو نجاح الإخوان بالفعل في فرض السيطرة على مفاصل الدولة، وهذا أراه شبه خيالي حتى لو توفرت النيّات وبعض التمهيدات الدستورية والقانونية وتقديرات لوجود ضعف في المؤسسات العسكرية والأمنية وإمكانية التراجع الذاتي. وهذا لكل الأسباب الواردة سابقا من ناحية أن الاحتراب السياسي هو البيئة الخصمة لتضخم نفوذ المؤسسة العسكرية وليس العكس ظهور دور مجلس الدفاع الوطني، ثم الصيغة التي طرحها د العريان وقبلها الشورى بخصوص استدعاء القوات المسلحة لحفظ الأمن الداخلي، ثم تطور الخطاب السياسي للمؤسسة العسكرية كأمثلة)، وكذلك بسبب ضمور الشرعية السياسية والشعبية و قلة الكوادر الفنية لفصيل في مقابل مايمكن أن تكون لائتلاف مدني.السيناريو الرابع وهو حالة من التماهي الخشن وعدم نجاح أي طرف في تحقيق مراده. الإخوان لا تستطيع تطوير شرعية سياسية ثم قدرة على الهيمنة على المفاصل، والمعارضة تفشل في إدارة حكيمة ونزيهة وفعالة لمشروع إسقاط الإخوان، والجيش لا يقدر أو يخشى من توسيع التدخل، والأمريكي يعيد النظر في فرضيته ولكنه لايغيرها. وهذا السيناريو للأسف مرتبط بتوسيع الفشل الوظيفي والتنموي والسياسي والأمني للدولة، ويزيد من الفاتورة التي يدفعها الوطن بأسره حتى لو تم الإصلاح وإنهاك كل الأطراف في مرحلة لاحقة. وهذا السيناريو بالأصل يبقى مؤقتا ويقود عاجلا أو آجلا لأحد السيناريوهات الأخرى على حسب تشكل قوة دفع لأيها.السيناريو الخامس وهو للأسف الأرجح حتى الآن. وهو التدخل العسكري بدرجات تتفاوت من محاولته التأثير الناعم في تشكيل خريطة سياسية أكثر توازنا ولكن مع الاحتفاظ بوصايته وتوسعتها بطبيعة الحال، أو حتى التدخل الخشن (في الأغلب ضربات أمنية للجماعة، والإبقاء على الرئيس مع إعادة هيكلة علاقة الحزب بالدولة) ولكن إذا تورطت الأطراف في درجة أعلى من العنف، وبدافع جزء منه وطني أو تصوره الأبوي عن المسئولية الوطنية.. وفي يده الآن أدوات مهمة: الغطاء الدستوري الذي تحصل عليه متمثلا في مجلس الدفاع الوطني، وأدوات تقنينية يأخذها تباعا، وتعمق الاحتراب السياسي وتضعضع شرعية النظام السياسية والواقعية بالفعل وكلاهما ينشيء حالة من قبول أطراف سياسية وشعبية (أو حتى استدعائها) لتدخل الجيش.أنا تعمدت ألا أذكر سبيلا منفصلا للحل وأن ألحقه ضمن السيناريوهات (السيناريو الأول) لأجعله في مقارنة واضحة مع السيناريوهات الأخرى والتي أرجح السيناريو الخامس فيها إذا استمرت نفس الإشكالات البنيوية في المسار ولم تستطع القوى السياسية وخصوصا من في السلطة أن تكون على قدر المسئولية الوطنية والرسالية. وفي تصوري أن الحل الحقيقي هو حادث بلاريب وإن علت الفاتورة التي يدفعها الوطن في انتظاره وتهيئته، وهو تجديد النخبة السياسية بمصر عبر التحرك الطبيعي للجيل الشاب الذي أشعل الثورة بالأساس ومستفيدا من جمة الإفلاسات القيمية والسياسية والوظيفية عند القوى المتصدرة للمشهد سواء تلك التي في السلطة أو المعارضة.’ باحث في الدراسات الاستراتيجية – جامعة ريدنجqmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية