نشأت مجتمعاتنا العربية على ثقافة يسود فيها الخلاف، بمعنى مخالفة كل ما يعارض أفكارنا وتفكيرنا وميولنا.
وقد ترسخت تلك الثقافة في اللاشعور العربي نتيجة للتخلف والتأخر الذي عرفته مجتمعاتنا، نتيجة عوامل عديدة، أهمها الأنظمة القبلية التي سادت ولا تزال سائدة في بعض الدول العربية، بالإضافة إلى الزعامات السياسية الأحادية والمهيمنة والديكتاتورية التي حكمت ولا يزال معظمها يحكم. فالكل في واحد، والواحد هو الزعيم الملهم ذو الكاريزما الطاغية، الذي إن مات أو قتل ضاع الرمز، وتاهت القضية، وانفرط العقد.
والحل الأوحد هو تنمية ثقافة الاختلاف خاصة لدى الأجيال الجديدة. فهي وحدها القادرة على فتح آفاق جديدة رحبة لنا جميعا في تقبل الآراء الأخرى، والاستفادة منها، بل تحويلها إلى فكر مستنير تشترك فيه عقول مختلفة..
يجب أن نؤمن بأن الخلاف في الرأي يجب ألا يفسد الود، وأن مناقشة الأفكار أجدى وأكثر فائدة من اعتقال الآراء، وأنه إذا أشار إصبع إلى القمر، فالأغبياء وحدهم هم الذين ينظرون إلى الإصبع. فهل آن لأمة «إقرأ» أن تتخلى عن الصياح وتبدأ العمل؟
إن سنّة الحياة قائمة على الاختلاف، سواء كانت جغرافية أو تاريخية أو فلسفية أو علمية. الاختلاف وارد في كل شيء – معنويا وماديا- وسواء قبلنا ذلك أم لم نقبل. فالحنظل موجود والمانجو أيضا.. الحرير والصوف الخشن.. الحديد والذهب.. كلها ذات طبيعة مختلفة، حالها حال الآراء والأفكار المختلفة التي يتبناها الإنسان أو يعتقد بها.
فلماذا إذن لا نتكيف معها؟ ولماذا الضجة والبهرجة السياسية والإعلامية تحاصر الفرد عندما يعلن طرح فكرة جديدة؟ ولماذا يتهم بالبدعة والضلالة والخروج عن ملّة الإسلام؟ ولماذا نضجّ عندما لا تعجبنا أفكار الآخرين، فنقوم بتحقيرها وتسفيهها والتهجم على متبنيها، في حين أننا غير مرغمين على قبولها، بل وفي إمكاننا رفضها بكل حرية؟ الفرد حرّ طليق في قبول أورفض أي رأي، أي فكر يختلف معه جملة أوتفصيلا، على أن تكون لديه – بالضرورة – ثقافة الاختلاف مع آراء الآخرين والتعايش بمرونة وسلم معهم.
إذن الثقافة بلا اختلاف، كرأس بلا عقل، شجرة بلا ثمار، أوجسد بلا روح، مع الأخذ في الحسبان أن الاختلاف يفقد قيمته حينما يتحول إلى خلاف أوعداء شخصي، فاختلاف الفرد في رأيه مع الآخر، ميزة إيجابية قد تكشف لأحدهما أو لكليهما قصورا ما، فيسرعان إلى إعادة النظر في ما اختلفا فيه، فيدفع كل منهما نفسه أوالآخر إلى التصويب بقصد أوبغير قصد.
فليس هناك ضير أوضرار في ذلك الاختلاف، ما دامت نتيجته محمودة العواقب، وأن كلا منهما يتقبل الآخر، حتى وإن لم يتوصلا إلى أن يقنع كل منهما الآخر. فالمحصلة النهائية تتجسد في قبول ثقافة الاختلاف مع الرأي الآخر، وأيضا لغة التفاهم، على ألا يُكرِه أحدهما الآخر على قبول رأيه بشكل تعسفي، تغيب عنه لغة التعقل والمنطق.
إن ديننا الحنيف يقبل ثقافة الاختلاف، والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، أوالمجادلة بالتي هي أحسن، والبعد عن التعسف وتسفيه آراء الآخرين. فرسولنا محمد -عليه الصلاة والسلام- كان يشاور أصحابه ونساءه، يستشيرهم ويأخذ بآرائهم ومقترحاتهم، وهوالذي يُوحى إليه، على عكس من يرتدون اليوم جلابيب الوقار، ويحسبون أنفسهم ضمن الخط الديني. فالتنوع مثل حوض من الزهور جمالها في تنوع الألوان وتناسقها، ولا يقضي على جمالها، إلا إذا أهملت بدون رعاية للأعشاب الضارة لتخنقها، وتقضي على استمرار جمالها، ليحل مكانها قبح الأشواك.
إن ثقافة الاختلاف يا سادة تتطلب شخصا واعيا مؤمنا بها، منفتحا عليها مع الآخرين في آرائهم، لا يخرج عن سلوكياتها القويمة، ولا يقبل ما يناقضها من أي منهجية غير أخلاقية، تغيب عنها لغة الحوار الهادف، البعيد عن التشنج والصراخ وقلة الذوق، أواستخدام أي ألفاظ غير لائقة.
لَمْ نمارس الحوار والجدل أبداً للوصول للحقيقة بل لهزيمة الطرف الآخر بكل السبل سواء كانت حقيقة أم مجرد شائعات وادعاءات. كل منا لا يريد من الآخر إلا أن يوافقه الرأي ويبصم ويقر بالموافقة وكأنه يريد إجابة نموذجية أعدها هو سلفاً ، وإن حدث واختلف في الرأي معك في جزئية مهما كانت بسيطة فأنت متهم بسيل من الاتهامات.
عندما يخطئ الزعيم أوالمدير أوالرجل المسؤول ويتجرأ احدهم على التساؤل يحاكم ويضطهد. فتتحرك مشاعر الخوف في قلوب الناس الذي تعودوا من صغرهم على أن الصوت العالي والسلطة الأعلى (الأهل) في البيت لها حق التصرف بدون المسائلة. فيركنون إلى الظلم وينفذون ما يطلب منهم في تكرار مقيت لأمور يجب علينا أن ننفذها من دون أن نفهم الحكمه وراءها. هكذا نحن، ممنوعون من الكلمة.. من نعومه أظافرنا إلى قبورنا.
الخطر الذي يهدد المجتمعات العربية اليوم هوالتشريع للرداءة بمختلف أشكالها وصورها لتمرير هذا الشعار الاقصائي. فللمحافظة على مختلف أشكال السكون وأنواع الاستقرارات الوهمية والأبعد من ذلك اختراق القوانين وتحويل مؤسسات الدولة إلى»أصل تجاري» بهدف لجم قوى الإصلاح والتغيير الممكنين ولبقاء الأوضاع. كما توجد نرجسية جنون العظمة. لكن عندما يسقط البعض بهذا الشعار يسقط المجتمع، فنطلب مزيدا من التواضع والنزول إلى الأرض والواقع حتى نتنفس استقلالا وروحا ومنطقا جديدا لحياة أفضل وأجمل وأرقي.
جعفر حسين
باحث تونسي في علم الاجتماع