■ عوّد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام –داعش» اعداءه والعالم على ضرب كيانات ومكوّنات ومساجد شيعية او محسوبة عليهم، وإذ به يخالف مؤخراً تقليده الأثير بضربه مسجداً تابعاً لقوات الطوارئ السعودية في منطقة عسير.
الهدف المضروب سعودي، عسكري، سنّي وهابي، فما سر هذا التغيير المفاجئ في التقليد العريق المتّبع، وفي الاستهداف الواضح للدولة السعودية؟
في المسألة قولان: بعض المحللين والخبراء الإستراتيجيين يقول إن «داعش» هو مجرد أداة امريكية، وإن ما فعله في أبها هو بأمر من وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية C.I.A، لتسريع انضمام السعودية الى سياسة الولايات المتحدة «الجديدة»، بعد توصلها مع ايران الى الاتفاق النووي الاخير. بعضهم الآخر يقول إن في «داعش» جناحين أو أكثر وإن احدهما فعل فعلته في أبها ليحذرالسعودية من مغبة الانخراط في السياسة الامريكية «الجديدة» المكلفة لها، حكومةً وشعباً.
لستُ من القائليـن إن «داعش» هـو مجـرد اداة امريكية. إنـه كيان مذهبي سياسي عسكري قائم بذاته، له عقيدته وهيكليته وبرنامجه السياسي واستراتيجيته الخاصة به، وإنه اضحى «دولة» من طراز لا يشبه إلاّ نفسه. ولأن للدولة هذه مصالح تحميها واخرى تسعى الى امتلاكها، فهي تتعاون او تتصارع مع غيرها من الدول والكيانات من اجل تحقيق مصالحها والدفاع عنها.
في إطار هذا المفهوم، تعاون «داعش» مع تركيا في «استيراد» الرجال والسلاح والعتاد عبر حدودها مع سوريا، كما تعاون مع الولايات المتحدة في مواجهة الجيش السوري للحؤول دون تغلبه على القوى العسكرية المؤيدة للمعارضة.
في مرحلة تعاونه مع تركيا والولايات المتحدة، تقوّى «داعش» كثيراً، مادياً وعسكرياً. سيطرته على مدينة الموصل بكل ما فيها من مصارف وموارد، وعلى جوارها بكل ما فيه من آبار نفط ومصافٍ، ونجاحه في تفكيك فرقتين للجيش العراقي في الموصل ومحيطها بكل ما تملكه من اسلحة ثقيلة ومتطورة، جعلاه قوةً موازنة في قدراتها لحكومة بغداد من جهة ولحكومة اقليم كردستان العراق من جهة أخرى. مع تعاظم قدراته، باشر «داعش» سياسات وتحركات لا تتوافق بالضرورة مع سياسة الولايات المتحدة، فقد بسط سلطته على مناطق واسعة من شمال شرق سوريا، طارداً منها قوات عاملة في اطار ما تسمّيه امريكا معارضة سورية معتدلة، ثم وسع إطار سيطرته، بدفع من تركيا، لمنع اكراد سوريا في محافظة الحسكة من توطيد سلطتهم، بل حاول اقتلاعهم من مناطق، كعين العرب (كوباني) مثلاً، يتمتعون فيها بأكثرية ساحقة.
توسع «داعش» ازعج الامريكيين الذين يساندون الاكراد السوريين، ويريدون أن يكون لهم دور في التسوية المقبلة في سوريا بين اطراف الصراع. حتى تركيا انزعجت من «داعش» بعد اكتشافها نجاحه في بناء بنية تحتية واسعة داخل المدن التركية، وتخوّفت من امكان استخدام هذه البنية مستقبلاً في تنفيذ عمليات ارهابية داخلها.
مع الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وايران، وصلت علاقات واشنطن مع «داعش» الى ما يشبه الافتراق. فقد تبيّن أن لامريكا مخططاً لإعادة ترتيب اوضاع المنطقة، يتعارض مع سياسة «داعش» وتحركاته على الارض، ولاسيما شقه الذي يتعلق بالاكراد السوريين. هذا التطور المستجد استوجب امرين: اجتذاب تركيا الى «التحالف الدولي» وتفعيل مشاركتها في المواجهة مع «داعش»، وإقناع السعودية بضرورة اعادة النظر بسياستها الراهنة في سوريا واليمن، على نحوٍ يُتيح اجراء تسويات سياسية وجيوبوليتيكية تحمي مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
يبدو ان واشنطن نجحت جزئياً مع كل من انقره والرياض، لكنها ما زالت تريد منهما المزيد. فقد وافقت تركيا على وضع قاعدة «انجرليك» الجوية بتصرفها في حربها المحدودة على «داعش» مقابل منحها «حق» إقامة «منطقة آمنة» في شمال سوريا لتركّز فيها مجاميع من اللاجئين السوريين الى اراضيها، ولا سيما التركمان منهم، الامر الذي يمكّنها من منع الاكراد السوريين من التمدد على طول الحدود السورية -التركية من عين العرب (كوباني) في الشرق الى عفرين في الغرب. غير ان التباين ما زال قائماً بين واشنطن وانقرة حول مساحة «المنطقة الآمنة» وحدودها والغاية النهائية من وراء اقامتها.
مع السعودية لم يكن نجاح امريكا كافياً. ذلك ان الرياض تخوض، في الواقع، حربين: واحدة في سوريا بالتعاون مع تركيا ضد حكومة دمشق، واخرى في اليمن ضد الحوثيين الذين تعتبرهم حلفاء ايران. صحيح ان الرياض وافقت، مبدئياً، على مساعٍ لإجراء مفاوضات بين الاطراف السورية المتصارعة، بقصد التوصل الى تسوية سياسية، لكنها ما زالت تدعم بعض التنظيمات السلفية التي تشترط إبعاد الرئيس بشار الاسد عن التسوية المرتقبة. وفي اليمن، ما زالت السعودية تدعم كل القوى، حتى السلفية المتطرفة، المعادية للحوثيين طلباً لنصرٍ عسكري كامل، يعيد الامور الى ما كانت عليه. واشنطن لا تشاطر السعودية موقفها وترى فيه عاملاً محفزاً لإطالة أمد الحرب، ودفع ايران الى زيادة دعمها للحوثيين وحلفائهم.
في ضوء هذه الواقعات والتطورات يمكن الإستنتاج ان ضربة «داعش» في أبها كانت، بعلم الولايات المتحدة، بل ربما بأمر منها أيضاً، وأنها بموافقة جناحي «داعش»: الاول الممالئ للاميركيين، والآخر الاكثر استقلالاً ولكن المتعاون معهم بالتأكيد، وان القصد من الضربة الضغط لتسريع انضمام السعودية الى سياسة امريكا في المنطقة. فالجناح الممالء لامريكا لا يمانع في اسداء هذه «الخدمة» لها مقابل ثمنٍ ما يقبضه في زمان ومكان. والجناح الاكثر استقلالاً لا يمانع في اعطاء السعوديين انطباعاً بأنه قادر على الرد والاقتصاص وإن من مصلحتهم، والحال هذه، ألاّ يتورطوا كثيراً مع الامريكيين.
يبقى ان نعرف ماهية الثمن المراد دفعه لـِ»داعش»؟
لا معلومات موثوقة بعد إنما تكهنات شتى، لعل اخطرها الحديث عن صفقة تُرضي، في الوقت نفسه، تركيا و»اسرائيل». فالامريكيون قد لا يتورعون عن تقديم وعد لـِ»داعش» بأن تبقى له اليد العليا في محافظات العراق الغربية (نينوى وصلاح الدين والانبار) لإقامة كيان داخل الفيدرالية العراقية، أو في اطار علاقـة كونفدرالية مع حكومة بغداد. كل ذلك بقصد ان يكون هذا الكيان بمثابة اسفين يفصل سوريا عن العراق وبالتالي عن ايران.
تركيا لا يضيرها هذا الترتيب الخبيث، خصوصاً اذا تعهدت لها امريكا بأن محافظة الحسكة ستبقى في اطار دولة سوريا المعاد تنظيمها، وانها لن تكون مرتبطة بكردستان العراق ذي الحكم الذاتي.
متى يتصالح العرب مع انفسهم ليتفادوا مبضع الغرب الجارح؟
٭ كاتب لبناني
د. عصام نعمان