د. يحيى مصطفى كامل كأننا نشاهد شريطاً معاداً،ما أكثر ما كرر، من زمن مبارك…مشهدٌ اقتصاديٌ ينذر بالكارثة علامته الفارقة وبوصلته انحيازٌ صريحٌ فجٌ لمن يملكون الكثير في مقابل السواد الأعظم والمتزايد ممن يموتون جوعاً حتى أجدبت لديهم وسائل التحايل على المعيشة، وساحته السياسية منشطرة إلى فريقين متمترسين، النظام وخصومه الكثر، حتى بات من السذاجة وحسن النية المتاخم على العبط تصور إمكانية ردم الهوة بينهما بالتوصل إلى أية صيغةٍ ذات معنى إزاء ما نراه من تعنت الجماعة ونوايا الهيمنة الكاملة لديها التي تتكشف يوماً إثر الآخر…غضبٌ يزداد و أحاديث وتصريحاتٌ هزليةٌ مخجلة من قبل الجماعة وحكومتها ( من عينة الدعوة إلى عودة اليهود إلى مصر من قبل د. العريان والفلاحات اللاتي لا يغسلن أثداءهن مما يتسبب في إصابة الأطفال بالإسهال التي أتحفنا بها رئيس الحكومة د. قنديل!) تدفع إلى جولاتٍ متلاحقة من السجال الكلامي والهجوم الحاد بين الطرفين.كأننا نشاهد مباركاً في عناده الشهير،ذلك الذي كان يتبجح بنيله شهادة دكتوراة فيه،إلا أننا أمام جماعةٍ ومؤسسةٍ رئاسيةٍ أكثر عنداً في وضعٍ استجدت عليه متغيراتٌ هائلة، فهذا بلدٌ شهد حراكاً ثورياً هادراً ترتب عليه أن مباركاً لم يعد رئيساً، والشعب عرف طريقه إلى الشارع بعد بعث ثقافة الاحتجاج والاعتصام وأمام ما نراه من انغلاق أفق الحل السياسي وتنامي العنف والدعوة إليه، وعقب اغتيال المناضل السياسي التونسي شكري بلعيد المؤكد واغتيال محمد الجندي وإخوانه من الشهداء المرجح بشدة لا نملك سوى التساؤل عما إذا كان موسم الاغتيالات والعنف المجاني قد حل بالفعل كما تنبأنا به. ليس من أدنى شك في كون د.مرسي وحكومته يعيشان أزمة ثقةٍ حقيقية وأن الجماعة في السلطة قد خيبت الآمال وتخطت تعدياتها على الحقوق وكرامة وحرية المواطنين أعتى تصورات مناوئيهم المختلفين معهم جذرياً ومبدئيا، ولم نبالغ أبداً حين ذهبنا من قبل في كونهم يحاولون إعادة إنتاج نظام مبارك القمعي بنفس انحيازاته وسياساته، بل وأساليبه الرثة، الأمر الذي إن دل على شيئٍ فإنما يدل على فقر، إن لم نقل فقدان الخيال، وبسبب المتغيرات التي أشرنا إليها أتت الصورة باهتة…قبيحة وتتسم بالغباء المغُيظ…و مع استمرار تردي الوضع اقتصادياً واجتماعياً، ومع تفاقم وتجذر حالة الاستقطاب في الشارع فلنا أن نذكر بعدة نقاط أساسية:أولاً: أصبح من الجلي تماماً أن الجماعة التي اكتسبت شعبيتها عن طريق مشاريع يمكن إدراجها في خانة الخدمات الاجتماعية من مستوصفاتٍ ومشافٍ ومدارس تدار بطريقةٍ تتسم بكفائةٍ نسبية لتوازي وتعري مؤسسات الدولة بفشلها وترهلها، هذه الجماعة لم تكن مستعدة على الإطلاق، بل لم يكن لديها أية تصورات عن حجم المشاكل التي تعاني منها مصر ولا برنامج موازي، كالذي لحكومات الظل مثلاً لكيفية إدارة هذه الدولة، كما أن انشغالها بمشروع التمكين يستحوذ على جل طاقاتها.ثانياً: أمام شارعٍ وقطاعاتٍ عديدةٍ غاضبة، وفي سياق غياب تصورٍ علمي وواقعي عن طبيعة التكوينات و الآليات الحاكمة للحراك والتغيير الاجتماعي لجأ النظام والجماعة على رأسه إلى الحل الأسهل، ألا وهو النظر بعيداً ومن ثم إعطاء ظهره للمشهد الممزق والقبيح، وكأن تجاهل المشاكل سيجعلها تتبخر.ثالثاً: لأن المشاكل من طبيعتها البحث عن حلول ودون ذلك تتفاقم، فقد تعمقت الأزمة وتزايدت الاحتجاجات وامتدت، فلم يكن من الجماعة بما تتحلى به من روحٍ إقصائية (لا ينجح معسول التصريحات من إخفائها) أن لجأت إلى السلاح القديم الذي عودتنا الأنظمة العربية على اللجوء إليه، أي سلاح التآمر…فالنظام ليس قاصراً، وليست لديه أية مشاكل، ولم يثبت إفلاسه في التعاطي مع الأزمة الاقتصادية ولم يعين حكومةً ضعيفة رئيسها لا يكتفي بإصدار تصريحاتٍ تتسم بانعدام النضج ولا ترقى بأية حال إلى مستوى دقة الظرف (وهذا أقل ما يقال تأدباً…) فإذا به، وكأنما ليثبت لنا تعدد مواهبه، يتحفنا ويشجي آذاننا بدرر آرائه عن إرضاع الأطفال ومسببات الإسهال لديهم ونظافة نساء مصر وعفتهن …لا تصبح المشكلة مشكلة مطالب الثورة التي تعهد الرئيس بتنفيذها لتنضم إلى سلسلةٍ طويلة من الوعود المخلفة والعهود المنكوثة والقرارت التي تتخذ بليلٍ لتلحس نهاراً، وأن كل ما سبق أفقد النظام مصداقيته وهيبته في الشارع، والأدهى من ذلك جعله مادةً خصبةً للتندر والسخرية اللاذعة المريرة…و لا هي مشكلة شعبٍ يتكالب عليه الفقر والإحباط واليأس من الغد بعد أن تسرب إليه، بل تمكن منه شعورٌ بأن القدر يعانده ولا يريد له خيراً بدليل أن ثورةً أطاحت بمبارك (الذي كان يحسبه غير قابلٍ للإزاحة) ومع ذلك فلم يُنصف بل وساءت أوضاعه بما تراكم فوقها من تزايد معدلات البطالة والتحرش الجنسي وفقدان الأمن …لا ..لا..ليست هذه مشاكل النظام ولا دلائل إفلاسه، وإنما هو ‘اللهو الخفي’ أو الطرف الثالث والشرذمة المندسة والمؤامرات الخارجية من قبل الحاقدين والحاسدين وقانا الله شرورهم.رابعاً: لا يترك العند والإصرار على تجاهل الواقع أمام أي نظامٍ سوى الاحتماء بعشيرته وأنصاره واللجوء إلى العنف…إلا أن الملاحظ هنا أن العنف الذي يستخدمه النظام بقيادة الجماعة عنفٌ غاشم…عنفٌ غبي…كونه عنفاً لا يستتند إلى روايةٍ مقنعة ولا يأخذ بعين الاعتبار كل المتغيرات التي أسلفنا وإذ يتم أمام الكاميرا فإنه يحاول إخفاء جرائمه باختلاق قصصٍ لا تقنع طفلاً بل تثير الضحك والغثيان مثل ما حدث مع المواطن ‘المسحول’ حمادة صابر.لقد أودى العند المقترن بتجاهل الواقع بمبارك، وللأسف فما أرى سوى أن الجماعة تسير على نفس الطريق…يستطيع أي نظامٍ محاولة الهروب من أزمته البحث عن طرفٍ خارجي يلقى عليه بلاءه، إلا ان ذلك لم يحل مشكلةٍ أبداً، في أفضل الأحوال قد يؤجلها، إلا أنه حتى هذا غير متاحٍ الآن لأن الزمن تغير والحيلة بليت وأصبحت قديمة…ليس للخروج من الأزمة من سبيل سوى في تحمل النظام لمسؤولياته و نتيجة أخطائه ومحاولة إصلاحها…غير أن النظام لا يبدي ما يوحي بتلك النية بل ويتمادى، وفي جوٍ مشحون تعلو فيه أصواتٌ تنادي بقتل وتنفيذ حد الحرابة على قادة جبهة الإنقاذ فإن الوضع في مصر مرشحٌ للمزيد من العنف ومقبلٌ على المزيد من الصدام.’ كاتب مصري زميل الكليةالملكية لأطباء التخديرqmdqpt