إبراهيم محمد حمزة صدر منذ أيام قليلة كتاب ‘مرسي ودموعة وابتساماتي’ للكاتب المصري الساخر محمد فتحي، ليضيفه لقائمة كتبه المهتمة بالشأن السياسي الاجتماعي ‘مصر من البلكونة’ و’لك شوق في حاجة’ و’دمار يا مصر’ وقبيل الثورة أصدر ‘مصر وخلاص’ الذي اعتبر أن مصر تحتاج للتغيير بأسرع ما يمكن، وبعد الثورة أصدر كتابه ‘كان فيه مرة ثورة’ والتي حول فيها جهة الحكي للأطفال ليقص عليهم مفهومه المبسط للثورة المصرية .. لمحمد فتحي جانب آخر فهو مدرس مساعد بقسم الإعلام جامعة حلوان، ويكتب القصة القصيرة والرواية و’الكوميكس’ .. وقد فاز عام 2009م بجائزة ساويرس عن مجموعته ‘بجوار رجل أعرفه’ .. يرى محمد فتحي أن الشعب أكثر سخرية من الساخرين، وأن الكاتب يكتب ما يراه صحيحا، ويجب أن يسجل رأيه في عصر ساد فيه التشكيك، محمد فتحي شخص ساخر بأدب، وبشكل عام، في مقدمة كتابه ‘لك شوق في حاجة’ يكتب على غلافه ‘طبعة مزيدة ملقحة’ بدلا من ‘منقحة’ المعتادة، مفسرا أنها ‘ملقحة على أرفف المكتبات، وهكذا تطاله السخرية ذاته . – تميل كتبك إلى رصد الظواهر الاجتماعية بشكل ساخر، مغلفة بإطار سياسي، ألا تخشى على ‘عُمر كتبك’ من كونها تجميعا لمقالات تتابع الحدث اليومي؟ – بل أنا حريص على أن أجعلها كذلك، لأن مؤرخي اللحظة غائبون، فكلام هذا قد يرجع له كثيرون بعد سنوات عديدة ليعرفوا أي شيء كان يشغلنا، وكيف كانت آراؤنا فيه في تلك الفترة، والواقع أن هناك هاجسا دائما يشغلني، وهو: هل نكتب لمتعة لحظية، أو لتذهب كتاباتنا وآراؤنا أدراج الرياح بمجرد أن يفرغ القارئ من قراءتها في صحيفة الصباح؟..هل سيتم التعامل مع مقالاتنا اليومية مثل التعامل مع المناديل الورقية (الكلينيكس) تستخدم مرة واحدة وتلقى في سلة المهملات؟..أنا شخصياً قررت ألا تصبح كتابتي كذلك، وأن أترك رأيي واضحاً ليراجعه كثيرون في زمن يسهل فيه التشكيك في الجميع . ـ لدينا أدب ساخر وأدب ضاحك، وسنجد إبداعا مذهلا ليوسف إدريس ومستجاب وبلال فضل يصنف كأدب ضاحك راجع مثلا العتب على النظر وطبلية من السماء لإدريس .. أليس للأدب الضاحك مبررات وجوده؟ – نحن في زمن كل شيء فيه مبرر، سواء في مناحي الحياة، أو حتى في الأدب، لكن مشكلتنا ليست في مبررات وجود ما تفضلت أنت وأسميته بالأدب الضاحك، بل فيمن يكتبه، لأن الفارق بين أديب يضحكك ومونولوجست لم يعد موجوداً عند كثيرين ممن يتصدون للأدب الساخر، كما أن شخصاً بعمق وتجربة يوسف إدرس يغامر بتضمين مجموعته قصة سيهاجمه النقاد من أجلها ويعتبرونها (خفيفة) ليس موجوداً، أو بالأحرى ليس مستعداً لدخول التجربة. ـ هل يدهمك الواقع أحيانا بكآبته، فتستعصي عليك الكتابة الساخرة؟ – بل يفاجئني أن الواقع صار أشد سخرية مما يريد أن يكتبه أعظم الكتاب الساخرين، ويفاجئني أكثر أن أكثر الكتاب الساخرين موهبة هم هؤلاء الذين يقفون في مظاهرات التحرير أو تقابلهم في المواصلات العامة مصادفة فتسمع من أحدهم حكمة ساخرة تجعل رأسك يدور من فرط النشوة..ـ قلت في مقال لك بمجلة الدوحة أن الأدب الساخر يحتاج إلى حرية، وأنه تنفيث عن متاعب وهموم مقلوبة، ألا ترى أن السخرية تتألق أكثر مع القهر والطغيان؟ *صحيح. السخرية سلاح لا يزال أقوى من الرصاص، فهو لا يقتل بقدر ما يعذب الضحية ويجعلها (مسخة)، والقهر والطغيان من وجهة نظري عامل حفاز قوي في هذه المعادلة التي تنتج تجربة قوية تبقى رغم أنف التاريخ. والسخرية التي يمارسها الشعب المصري بأكمله هي البديل المثالي للانتحار، والمنفذ الرئيسي للكبت والشعور بالذل أو المهانة أو الفساد الذي يعيش فيه معظمهم أو يعانون بسببه، لذلك لا تقتطع حالة السخرية العامة الموجودة لدى الشعب المصري من سياقها أبداً، فحتي النقاش العقلاني الذي تتحدث عنه يحمل داخله سخريته الخاصة به.ـ أصدرت مؤخرا كتابا ساخرا جديدا بعنوان ‘مرسي ودموعي وابتساماتي’ ما دلالة هذه المقابلة في عنوان الكتاب؟ عنوان الكتاب مقابلة لرواية شهيرة لإحسان عبد القدوس هي (دمي ودموعي وابتساماتي)، وقد استبدلت بكلمة مرسي كلمة دمي لأنه لم يكن ليصبح في موقعه كرئيس جمهورية لولا دماء أريقت في الثورة المصرية، وعبر فترة انتقالية لازال الألم يكتنفنا من مجرد ذكرها، كما صادف أن أنتهى من الكتاب بالمواكبة مع دماء أخرى أريقت في عصره عند قصر الاتحادية، وهي الدماء التي يتحمل مسؤوليتها كاملة، ولذلك شعرت بأن مرسي يقابل دمي في العنوان، كما أن الكتاب عبارة عن مقالات كتبتها في فترة الستة أشهر الأولى من حكم مرسي ولذلك اشتملت على ما أثار الدموع والابتسامات من مواقف عديدة، ولذلك جاء الاسم على هذا النحو . ـ أشعر أحيانا في مقالاتك أنك تقف على الحد الفاصل بين الكاتب والثائر .. كيف تصنف نفسك؟ وهل ترى للأدب والكلمة دورا في الثورة العظيمة؟ والله لكي أصدقك القول أنا لا أعتبر نفسي كاتباً أو ثائراً، بل متحدث رسمي باسم ما أشعر به فأكتبه، لي موقف يجب أن أصرح به مهما أغضب غيري، وأدفع ثمنه مهما كان مؤلماً، وتصنيفي الوحيد لنفسي هو أنني أحب الكتابة وأتعامل معها بمبدأ الهواة وروح الهواة حتى يومنا هذا وأتمنى أن أظل كذلك حتى لا أفقد براءة الهواية ومتعة الاكتشاف ولذة المغامرة . ما الجديد الذي قدمته للطفل، وقد رُشحت لجائزة الصحافة العربية للأطفال عامي 2007 و2008؟ وكيف قمت بحل معضلة الفن والتعليم والتلقين والترميز؟ وماذا أضاف كونك كاتبا ساخرا لكتابتك للطفل؟ – للأسف الشديد حين تنظر لكتاب الأطفال في مصر تجدهم تعدوا الستين ـ وربما السبعين ـ ولازال بعضهم يكتب لطفل الستينات في الحقبة الناصرية، وهو شيء مدهش.الآن هناك ثورة اتصالات ومعلومات كبيرة وابني الصغير له مفرداته المختلفة ومعرفته التي تفوقني في كثير من المجالات، كما أنه يلجأ للجدل والنقاش في كل شيء ويرفض إملاء الأوامر عليه في بعض الأمور.تخيل إذن إشكالية أن تكتب لأطفال مثل عمر ابني هذا فلا تجدهم يقرأوك. يا عزيزي يكفي أن أقول لك ان ابني هو الذي يحكي لي حدوتة قبل النوم وليس العكس، وبالتالي يجب أن تخاطبه بما يتوافق مع تفكيره الأكثر تطوراً من تفكير طفل الستينات، وبالمناسبة ..الكاتبان الوحيدان اللذان يحاولان مواكبة كل جديد لدى الأطفال رغم سنهما الكبيرة هما الأستاذان عبد التواب يوسف ويعقوب الشاروني.ككاتب ساخر أدرك كذلك أن الطفل يحب المعلومة الظريفة خفيفة الظل والمغلفة بإطار قصصي أكثر بكثير من فكرة افعل ولا تفعل أو قل ولا تقل، فالطريقة المتبعة الآن في الكتابة للأطفال هو ما يطلق عليه التعليم الترفيهي edutainment وهو أسلوب تعلمته من عملي مع وائل حمدي في عالم سمسم، ووائل بالمناسبة من أهم كتاب الأطفال في مصر رغم قلة إنتاجه فيه، ورغم اتجاهه مؤخراً لكتابة السيناريو. qadqpt