لم تعد المشكلة في مصر مشكلة صراعات سياسية حول دستور غير توافقي أو أداء حكومة عاجزة فاشلة، أو تيار يرغب في الهيمنة والسيطرة على مفاصل الدولة، أو خلاف بين معارضين ومؤيدين لقرارات الرئاسة غير المدروسة، أو حتى في لعبة القط والفأر بين النظام وجبهة الإنقاذ فحسب ولكن تكمن المشكلة الأكبر في مسلسل الفتاوى غير المسؤولة التي نتابعها في عرض يومي مستمر على ما يعرف مجازا بالقنوات الدينية، فتاوى مسمومة تخرج كطلقات الرصاص لتصيب قلب الوطن المعتل تصدر من أفواه لا تعي خطورة ما تتلفظ به وأشخاص تغطيهم الكراهية، تربوا في أحضان التشدد وترعرعوا على التطرف، يبررون القتل ويحللونه مستندين في ذلك الى بعض ما جاء في القرآن والسنة بعد تفسيره طبقا لأهوائهم وبما يخدم مصالحهم ويحقق أهدافهم.فتاوى دموية تهدد السلم المجتمعي هي أشد خطرا على مصر- من أعدائها – لأنها توفر الغطاء الشرعي والديني لنشر العنف، مما قد يمهد لحرب أهليه – لا قدر الله – إذا لم ينتبه الشعب وتوحدت الجهود لمواجهة تلك الفتاوى السوداوية التي تساهم في ترسيخ مبدأ العنف وتؤسس لدولة المليشيات وشريعة الغاب فإن إنزلقت مصر الى هذا المستنقع لن تقوم لها قائمة بعد ذلك وسنقول عليها وعلى المنطقة العربية بأثرها السلام وسيكون الخسران المبين.لذا وجب على الجميع تحمل مسؤولياتهم الوطنية وفي مقدمتهم مؤسسة الرئاسة فليس خافيا على أحد إن التيارات المتشددة المتأسلمة تستقوي بالرئيس بحجة أنه جاء من تيار يماثلهم أو على الأقل يرتبط بتفاهمات معهم! إذا مطلوب وفورا من الرئاسة التحرك بجدية لإتخاذ قرارات مؤثرة لرأب الصدع بين أطياف المجتمع والإعلان عن رفضها القاطع لما يتفوه به شيوخ الفضائيات المتطرفين وتوضح وبشكل قاطع إن الرئيس ليس بحاجة الى فتاويهم ومليشياتهم لحمايته فهناك مؤسسات الدولة المنوط بها القيام بذلك لأن صمت الرئاسة عن مثل هذه الفتاوى والتصرفات الحمقاء يشجع أصحابها على التمادي في حماقتهم مما يحرج الرئاسة أمام الرأي العام. أما عن بيانات الشجب والرفض التي خرجت من حزبي الحرية والعدالة والنور السلفي جيدة، لكنها ليست كافية ولا ترتقي للتدليل على موقفهم الرافض فعليهم أن يمتنعوا هم أنفسهم عن لغة التهديد والتلويح باستخدام العنف والحرب الكلامية لان ذلك يزيد من غليان الشارع ويؤجج نيران الإنقسام.ولعلها أيضا تكون فرص سانحة للنائب العام لدرء شبهة محاباة المقربين والموالين للحزب الحاكم عن نفسه وعدم تحريك الدعاوى والبلاغات ضدهم- مثلما حدث مع أبو اسماعيل – وعليه ألا يقف موقف المتفرج من صاحب الفيديو – الذي يهدر دم قادة جبهة الإنقاذ- المدعو محمود شعبان الشهير بهتولي راجل! فكما يحرك النائب العام عشرات الدعاوى يوميا ضد المعارضين والإعلاميين عليه أن يطبق القانون على أتباع الرئيس والمؤيدين له والمدافعين عنه إن هم أخطأوا هذا اذا كان يريد الحفاظ على البقية الباقية من دولة القانون.ونأتي للأزهر الشريف الحصن الحصين والمنبر المنير الذي يحمل مشعل الفكر الوسطي المعبر عن جوهر الإسلام المعتدل عليه أن يلعب دورا في مواجهة فوضى الفتاوى المغرضة والتصدي لها بكل حسم وتجريم إصدار فتاوى من أشخاص غير مؤهلين والإسراع في إطلاق قناة فضائية يلجأ اليها كل من يحتاج معرفة صحيح دينه لمواجهة المد الوهابي الذي يسعى أصحابه الى تغير معالم الدولة المصرية والعودة بها قرون الى الوراء.كما على الإعلام مسؤولية فمثلما أفسح المجال لظهور من يدعون الإسلام الذين يتاجرون بشعار تطبيق الشريعة – وهم أبعد الناس عنها وأجهل الناس بها والإسلام منهم ومن فتاويهم برئ مما ساهم في الترويج لفكرهم المتطرف بين البسطاء الذين لا يحملون قدرا من العلم والمعرفة يمكنهم من حماية أنفسهم من إدعاءات المتأسلمين – فعليه مقاطعة وتجاهل شيوخ الفكر الظلامي المتطرف الذين ينفرون الناس من الإسلام والبعد عن إستضافتهم وإستبدالهم بعلماء ومشايخ الأزهر الأجلاء من ذوي الفكر المستنير والمنهج المتسامح المعبر عن جوهر الإسلام الحقيقي.والشعب أيضا تقع على عاتقه مسؤولية فعليه ألا يستمع الى هذه الفتاوى وألا يلقي لها بالاً ومقاطعة هذه القنوات الهدامة وما تبثه من معلومات مشوهة ممسوخة وبذاءات لا تليق والخوض في أعراض الناس وتكفير المجتمع ونشر الإرهاب على لسان شيوخ ينطبق عليهم قول المولى عز وجل في صورة البقرة: ‘وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ (13)’.وأخيرا إن لم تستح أيها المتأسلم المتجرئ على الله وعلي كلام رسوله- صلي الله عليه وسلم- أفتي ما شئت ‘كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا’ الكهف (5). حفظ الله مصر من شرورهم. د. اوعاد الدسوقي – امريكا[email protected]