باريس ـ من الطيب ولد العروسي: الحديث عن الموسيقى في العالم العربي متزامن مع بقية الأحداث السياسية والاقتصادية والثقافية في أي بلد كان، وهذا ما قامت به الإعلامية والفنانة التونسية كلثوم جميل حينما ألفت كتابها الصادر حديثا في تونس بعنوان ‘شيخ الفنانين عبد العزيز جميل: وقرن تونس الحديثة’، الصادر في تونس عن المنشورات العالمية Edition universelle و يقع في 180 صفحة من الحجم الكبير، مع تقديم لزهير جياد أحد أعضاء للجمعية الرشيدية وكاتبها العام، وأربعة عشر فصلا، مزودا بصور لآلات موسيقية وأشخاص وساحات فضاءات ثقافية لعبت دورا مهما في حياة عبد العزيز الجميل.إن التطرق لأشخاص في مستوى عبد العزيز جميل هو إيلاج القارئ في تاريخ تونس الحديثة والمراحل التي مرت بها، لأن شيخ الفنانين كما كان يطلق عليه، ولد بتونس عام 1895 والذي توفي بها سنة 1969، وكلنا يعرف بأن هذه المرحلة تزامنت مع حربين عالميتين إضافة إلى استعمار تونس من قبل الفرنسيين واستقلالها عام 1956. كما كانت لها جاليات غربية مختلفة، وأهمها المالطية التي انصهرت في المجتمع التونسي، ولأن العقلية المتوسطية كانت تربطها بهم، وأن لغتهم المحكية قريبة من التونسيين، وهم يمثلون أكبر جالية غير غربية في تونس، ثم يأتي في المرحلة الثانية الإيطاليون، الذين قدموا بكثافة إلى تونس في القرن التاسع عشر وكانوا يمثّلون الجالية الفنية بامتياز، ومنهم عدد كبير من الموسيقيين، ومجموعة أساتذة في نفس الميدان.يرجع افتتاح أول مسرح في تونس إلى سنة 1926، إذ لعب الإيطاليون دورا هاما فيه، كما عرفت الجالية اليهودية أيضا باهتمامها الكبير بالموسيقى العربية الأندلسية، ويأتي بعدها الفرنسيون، مما أتاح لتونس أن تكون فضاء متعدد الثقافات والتي كان قد شجعها خير الدين باشا، والصادق باي، حيث أنشأ سنة 1875 ‘مجمع الصديقي’ الذي يعتبر أول ‘مؤسسة إعدادية تونسية جديدة تدرّس باللغتين العربية والفرنسية وتعلم مهنا أخرى..كما عرفت تونس فيما بعد نمو حركات ثقافية متنوعة وشيدت فيها عدة دور مسارح، التي جذبت اهتمام التونسيين ومنها بدؤوا يهتموا بالموسيقى، إذ راح مجموعة من الفنانين أمثال الشيخ أحمد الوافي ينظمون أنفسهم، رغم أن الوافي كان يغني في البداية في الأفراح والمناسبات الدينية فقط، فاهتم بعد ذلك بالغناء الأندلسي الذي كان حاضرا يومها على بعض الفنانين اليهود، كما زاد اهتمام الموسيقيين التونسيين بالفن الموسيقي الشعبي، الذي ‘ولد في لقاء بين سكان البلد البربر والإرث الهلالي العربي، ولم يبق مقتصرا على الرجال بل دخل البيوت وأصبح النساء يهتممن به’، كما رأت ‘الجمعية الثقافية الخلدونية’ النور أيضا، إذ اشتملت على قاعة اجتماعات ومكتبة، وفضاء لإعطاء دروس ‘تقليدية وحديثة’، سمحت لطلاب الزيتونة بتتبع الدروس والمحاضرات. ‘كما انتخب رئيسها بشكل ديمقراطي نزيه’.تؤكد الكاتبة على اهتمام السيدة ‘دادو’ والدة عبد العزيز، بالموسيقى وحث أبنائها على ذلك، مما زاد في شغف عبد العزيز بها. هذا وأنه في سنة 1903 اكتشف التونسيون الرياضة، مما سمح لأهلها بالتعرف على الموسيقى والمناقشات الفكرية وإقامة المسارح وتنشيطها.أما عبد العزيز فكان يقدم أغنيات عفيفة ‘خالية من البذاءة’. هذا بعد أن دخل إلى المدرسة عام 1902، ولكن ما لبث أن تركها واختار مهنة ‘شاوشي’ من شااشية التونسية، ولم يمكث طويلا في هذه الوضعية، بل اتجه نحو الموسيقى رغم معارضة الكثير من الأهل والأقارب له، لأنهم كانوا يرون في هذه المهنة شيئا لا يليق بأسرة عريقة، أما شقيقه وتوأمه الطيب فاختار السياسة ودخل ميدان المحاماة، عكس شقيقه الذي اختار العزلة ولم يكن يستطيع مواجهة الناس.اهتم شيخ الفنانين بالتصليح والضرب على عدة آلات موسيقية، الرباب، الكمان، حيث عرف نجاحا باهرا فيه، ثم اهتم صحبة مجموعة من أصدقائه بالمألوف الذي سمح له ‘باكتشاف مواهبه الموسيقية صحبة الشيخ الورديني الذي كان يعتبره عبد العزيز من أهم الموسيقيين في ذلك الوقت’، فهذا اللقاء كان أساسيا بالنسبة إليه، وكان يعتبر الأستاذ الوررديني معلمه الحقيقي. بعد ذلك اختار الزواج مبكرا وعمره 19 سنة، وكأنه يبعث برسالة إلى أسرته، مؤكدا احترامه لها، ومعبرا عن وعيه ورغبته في بناء أسرة، وأن الفن لن يلهيه عن تكوين أسرة، كما كان يعرف عنه بحساسيته البالغة تجاه المحرومين الفقراء، وتفتحه على كل الثقافات التي كوّنتها الجالية الموجودة في تونس.في سنة 1916 أصبح أبا لولد وبنت، ثم حصّل على محل قريب من القصبة وباب الأقواس في المدينة العتيقة، ا فكان هذا الفضاء بمثابة ‘مملكته الصغيرة’. وتخصص في صناعة وصيانة وترميم آلة الرباب، وبدأ بصناعة الكمنجة، ثم القانون، وبعدها ‘العود التونسي’ وفي ‘آخر الحرب العالمية الأولى اختص في صناعة العود الشرقي، حيث صمم كل مكوناته، وكل أشكاله، وذلك بفضل عود المغني المصري ‘كامل الخولي’ الذي كان قد التقى به بين سنة 1914 و1915 عند صديقه عبد العزيز زروق..يؤكد الكثير من معارفه والمهتمين بالموسيقى في تونس بأن محله كان بمثابة فضاء للقاء الكثير من الفنانين العرب وكل من يهتم بالموسيقى العربية،: ‘كنت في سن السادسة عشر حينما أتى العازف المصري المعروف أبو صلاح من فرقة أم كلثوم إلى عبد العزيز جميل’. كان ‘محل عبد العزيز بمثابة موعد للتاريخ مع كبار المغنيين والموسيقيين ومع تلاميذه محمد بدره، هادي محيرزن، مصطفى بوشوشة، محمود زروق، سليمان بن عماد، وكذلك أهل المدينة العريقين’. هذه الشهادات التي توردها المؤلفة تبيّن مكانة الرجل في عالم الموسيقى التي بقي وفيا لها صحبة مجموعة من أصدقائه، كما ساند الحركات السياسية التي تدعو إلى التحرر، ولو من بعيد، لأن اهتمامه بالموسيقى هو اهتمام بالذات التونسية وبهويتها الثقافية أولا وقبل كل شيء، أما شقيقه الطيب فكان من مؤسسي الحزب الدستوري التونسي مع الثعالبي..وهذه الإشارة تظهر ولع شيخ الفنانين بالموسيقى حتى أنه أطلق على محله ‘الزاوية الفنية’.الجدير بالذكر أنه أشرك المرأة وشجعها كفنانة واستقبلها كطالبة، بحيث فتح المجال أمام الكثير من المواهب النسائية ‘إنه رجل ثقة وكان من الموسيقيين القلائل الذين طلبت منه بعض السيدات أن يعلمها العود في محله، فلم يتوان، وكان يحرص على أن يبقى باب محله مفتوحا على مصراعيه’.تتداخل حياة شيخ الفنانين مع حقبة تاريخية من تونس، والتي بدورها تتداخل وتتزامن مع حقبة تاريخية من العالم، ولذا فإن التحولات والتطورات السياسية التي عرفتها المنطقة المغاربية بقدوم الأمريكيين والإيطاليين والألمان، كانت قد أدت إلى تداخل المصالح، وتشوش للحياة السياسية والاقتصادية والثقافية لفي تونس، وكان من هؤلاء القادمين ممن أحب الموسيقى فقصد محل عبد العزيز ليتفرج على الآلات، أو ليرى كيف يعمل أو يحضر لقاء مجموعة من الفنانين الذين كانوا يلتقون في هذا الفضاء الذي كان بمثابة مرصد للموسيقى، يشهد على ذلك مختار مستير حينما يقول ‘كان شيخ الفنانين أكثر من مميّز فقد حول محله إلى مرصد، كما استقبل فيه فطاحل الموسيقى العربية’..توفيت والدته عام 1936 والتي يرجع إليها الفضل في إقبال ابنها عبد العزيز على حب الموسيقى رغم معارضة جزء كبير من الأسرة، لأن الموسيقى عندهم مرتبطة بالفن والطرب، وبالتالي بشيء غير محبب لدى الأسر المعروفة، كما فقد شقيقه الذي كان يمثل له صديقا عام 1947 وكذلك أخته زليخة.تكاملا مع شقيقه الطيب المعروف بثقافته ونشاطه وحيويته وعبد العزيز بفنّه وهدوئه ورزانته ‘عمل عبد العزيز في الإذاعة التونسية مع على الرياحي وأحمد خير الدين، ويعتبر عبد العزيز من أهم من أعطوا الموسيقى الشرقية مكانا مهما وعاليا’، كان حسن الموسيقى الشرقية والموسيقى التونسية التقليدية، بقي في الإذاعة حتى ‘السنوات الأولى من استقلال البلاد، ثم كون فرقة موسيقية صحبة الهادي شنوف والطاهر عبو وعمر كوكب، كان هؤلاء الأربعة يعنون مباشرة في الإذاعة، وكان السيد الشاذلي القليبي مديرا عاما للإذاعة التونسية..كانوا يحضرون حصصهم الإذاعية في محل عبد العزيز ‘الخليوة’ كما كان يطلق على محله أيضا..’.في آخر حياته كان يكلّف بعض تلاميذه بتصليح الآلات الموسيقية، وكان يشرف على تلك العمليات، لأنه كون العديد من الطلبة الذين أصبحوا فيما بعد موسيقيين كبارا وعرفوا داخل وخارج تونس، أمثال على الرياحي، محمد غزالي، علي سرييني وآخرين…أثبت في خلوته (محلّه) المقولة الحكيمة التالية: ‘لا سلامة من الخلق. لا راحة في الدنيا ولا نجاة من الموت’. كان مؤمنا قنوعا بالقضاء والقدر، حتى وضعه الكثير في خانة المتصوفين المتفتحين الذين أكّدوا على التزامهم بما يؤمنون به قولا وعملا، بحيث وهب حياته للموسيقى وحب الناس واحترامهم، ولم يكن يريد من الدنيا إلا تبليغ ما تعلّمه ومساعدة من يريد أن يرتقي بهذا الفن من الضعفاء والفقراء والميسورين على حد سواء. وكان أول تونسي أنشأ فضاء عاما مفتوحا لكل الناس.توفي سنة 1969 بسكتة قلبية، بعد عمر قضاه في خدمة الموسيقى، ترك عدة تسجيلات إذاعية، سار في جنازته الكثير من الفنانين والتونسيين، وكتبت حوله مجموعة من المقالات، لكن كتاب حفيدته كلثوم جميل هو أول مؤلف حوله، اعتمدت على كم هائل من المراجع الفرنسية، لكنها لم تول أهمية كبيرة للمراجع باللغة العربية والتي كان بإمكانها أن تثري كثيرا هذا الكتاب، وهذه الشخصية المتميزة التي يرى النقاد بأنه هو أب الكمانن هذه الآلة في عصره. وقد تخرّج على يده كبار العازفين قبل الخمسينات منهم رضا القلعي الموسيقار التونسي الشهير . وكان له دكّان لصنع وتعليم المبتدئين مبادئ العزف على مختلف الآلات . وعنه تخرّج علي السريتي عازف العود الشهير وكذلك أحمد القلعي وغيرهما. qadqpt