مملكتهم لن تقوم

حجم الخط
1

إذا كان ثمة فرع واحد يتميز به الشعب اليهودي منذ اجيال طويلة فهو النبوءة. فاضرار الزمن لم تلحق بالنبوءة، ولا التغييرات الديمغرافية، التقدم التكنولوجي ولا حتى التعليم وسياقات العلمنة. فقد كان أنبياء ولا يزالون. وبالمناسبة، عن معظمهم ـ خلافا للقول التلمودي ـ يصعب القول انهم مخطئون.
أقرأ الان «الثالث»، الكتاب المميز ليشاي سريد. الكاتب جدير بالذات بلقب «الثاني» ـ فهو ابن نبي الغضب يوسي سريد. ذات يوم، في أدبيات الخراب لسريد الابن، ستكون هنا مملكة يهودا، هيكل، التضحية بالقرابين، المنفى، وكل هذا مع ملك كاريزماتي وخيالي بالصدفة يشبه اسمه اسمي.
سريد الاول والثاني ليسا وحيدين. فثمة المزيد منهما ممن يرون في خيالهم تهديد مملكة يهودا الدينية والمغلقة. في الاسبوع الماضي كتب هنا أمنون ابرموفتش عن دولة يهودا التي ستنفصل عن دولة اسرائيل. وفي نهاية الاسبوع الماضي كتب عن ذلك يوفال ديسكن رئيس المخابرات السابقة. وأنا اقدرهما الاثنين. قرأت واسفت. ليس خوفا من تفكك اسرائيل، بل انطلاقا من فهم ما لا يفهمان.
أصدق كل من يتنبأ خوفا بمملكة يهودا الجديدة. أصدق مخاوفهم من أنه من داخل الصهيونية الدينية والمسيحانيين في الهوامش يوجد خطر حقيقي. وأصدق بشكل مماثل كل المؤامرات التي تنسج، كوني أراها ايضا في الطرف الآخر. لقد سبق أن سمعت اناسا من اليمين يقسمون لي بان الصندوق الجديد لاسرائيل يسيطر على الدولة وأن كل رجل ثاني في النيابة العامة، المحكمة وحتى في الجيش هو عميل لهم. سمعت يمينيين يدعون بان الإرهاب اليهودي هو تلفيق. وسمعت ادعاءات عن ان نتنياهو عميل الـ سي.اي.ايه، ليبرمان دسيس الـ كي.جي.بي، والحكومة الحالية يسيطر عليها موظفون غريبون يمنعونها من اتخاذ القرارات. لكل هذه المؤامرات والهذيانات يوجد مكان ـ ولا سيما في الادب ـ غير أنه من اجل تشخيص المخاطر الحقيقية واصلاح ما يتطلب الاصلاح هنا، يجدر ان يكون هناك أقدام على الارض.
اسمحوا لي بأن ابحر في مطارح الخيال التي تظهر فوق كي اشرح العبث. لنفترض ان قامت صباح الغد دولة يهودا، وفيها هيكل وقوانين شريعة، إلى جانب دولة اسرائيل العلمانية والليبرالية. ففي أي دولة سيختار السكن كل اولئك المشبوهين الفوريين؟ ماذا سيفعل ابناء الصهيونية الدينية الذين يتمتعون اليوم بالتذمر من تل أبيب؟ ماذا سيفعل نفتالي بينيت من رعنانا، آييلت شكيد من تل أبيب، دانون، نتنياهو، ميري ريغف ولفين؟ ماذا سيفعل شخص مثلي تسكن عائلته في السامرة ـ دولة يهودا ـ وهو يسكن في قرية زراعية «موشاف» في دولة اسرائيل؟
الجواب واضح. الكل في هذا العالم الخيالي سيفضلون العيش في اسرائيل. هكذا هي الاغلبية الساحقة من معتمري القبعات المحبوكة، وربما قسم من العصبة الاصولية التي تفهم ما من شأنه أن يكون إذا ما كانت المفاتيح في ايدي الحاخامين والمتزمتين. هذه هي هوية الاسرائيليين، بمن فيهم المتدينون منهم: جزء من دولة القومية اليهودية، العلمانية والليبرالية.
التهديد الخيالي، النبوءة مدحوضة. لفتيان التلال، دانييلا فايس وبيني كتسوفار يوجد ربما الاف المؤيدين. ليس لهم معسكر او شعب يقف خلفهم. ليس لمملكة يهودا حقا رعايا، بل بضع مفكرين متوسطين يكتبون مدونات وتعقيبات. التهديدات يجب ان توضع بالذات في المجال المنطقي ـ ليس في تخويفات عديمة الاساس.
ليس أقل من رفاقي في اليسار أنا مصمم على أن أقاتل ضد اليهود المتزمتين. في نظري هم خطر على الاستقرار الاقليمي وبالاساس خطر على أخلاقنا. وبواسطة لوحة مفاتيح الحاسوب والميكروفون أعتزم أن اقول هذا المرة تلو الاخرى. حساب النفس هو الاخر هام، كي نتعرف كيف نمنع الدين من ان يصبح مصدرا للتزمت. الهدف هو قطعهم عن الدعم العام ـ عن اكسجينهم، غير أن نبوءات الغضب العمومية، على نمط ابروفتش وديسكن، تقوم بعمل معاكس.
يوجد هنا جدال سياسي حاد عن السلام والحرب، ليس جدالا عن أي دولة نحن نريد. الصراع هو بين اولئك الذين يريدون الحفاظ على اسرائيل الديمقراطية والليبرالية وبين الهوامش (التي ليس لدي فكرة كم يعدون ـ العشرات ام الالاف) ممن يريدون الفوضى أو مملكة يهودا جديدة. مصالح معظم الاسرائيليين الذين يسكنون في المناطق مماثلة لمصالح معظم الاسرائيليين من منطقة غوش دان. مملكة يهودا لن تقوم.

يديعوت 11/8/2015

يوعز هندل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية