قسّم الباحث والأديب الراحل بطرس البستاني العرب إلى أقسام هي: العرب البائدة، العرب العاربة، العرب المستعربة، والعرب المحدثة. ونستأذن منه لنضيف صنفاً خامساً ظهر في أيامنا هذه سنطلق عليه «العرب السائبة».
العرب اليوم هم مئات الأمم «السائبة» فعلاً. فهم بلا هوية وبلا قيم وبلا رموز وطنية أو قومية وبلا أخلاق وبلا لون ولا طعم، هم متفقون على أمر واحد: الرائحة. فرائحة البارود والدم والقذارة تفوح منهم جميعاً بلا استثناء. يستوي في ذلك من قام لديه الربيع ومن هو في السبات الشتوي ومن دخل خريف العمر. هم أمم سائبة لأنهم يهيمون على وجوههم في البحار بحثاً عن أوطان تحويهم، ويهيمون داخل أوطانهم بحثاً عن ذواتهم المفقودة.
فقدت العروبة معناها ومبناها منذ قرر كل «ديك» أن يصيح على مزبلته ظناً منه أنه يحكم أمة ناسياً أنه مجرد مفعول به. تم اختلاق هويات مبتسرة وموتورة وخارجة عن كل سياق تاريخي أو اجتماعي أو حتى اقتصادي وصارت قدراً يحكم ملايين البشر الذين ولدوا يحملون هذه الهويات، وبدأ تصنيفهم على أساسها.
وبفعل الإنجازات الخارقة للديوك نشأت أجيال مهزومة وطنياً واجتماعياً وتاريخياً لا تعدو كونها القطيع الذي يجري وراء الراعي، ولم يعد من إحساس بالهوية سوى الحس الديني أو الطائفي أو العرقي أو المحلي الضيق. وبينما لا يزال الكثير من أصحاب الحناجر الرنانة يلوكون الكلمات المكرورة والممجوجة عن «وحدة وطنية» و«بلد واحد» فإن ذلك لا يعدو كونه حكم الأمر الواقع والسياسة القذرة. والدليل على ذلك أن أشباه الأوطان تلك تهاوت عند أول مفترق طرق وسقطت سقوطاً مدوياً مما يعني أن ما سُمي «سنوات الاستقلال من الاستعمار» كانت خرافة كبيرة وأن الأنظمة العربية لما تمخضت ولدت مسخاً (وليتها ولدت فأراً) عديم الملامح ولا يحمل سوى القذارة والكراهية في عقله وقلبه.
ما يزيد من مأساتنا هو عندما يقوم بعض العرب بالاستهزاء والاستعلاء على الأمم الأخرى بما لا يملكونه. فدولة كالهند مثلاً وصلت بلا شك إلى مصاف الدول العظمى لأسباب عديدة تجعل مقارنتها بالبلاد العربية أمراً غير مقبول. ويكفي أن نذكر لكم بعض الأمثلة ونترك الحكم لمن لا يزال في رأسه عقل:
لم يحدث في الهند منذ استقلالها أي انقلاب عسكري للإستيلاء على الحكم، وذلك رغم التعدد الهائل في الأديان والطوائف والأعراق واللغات. أما العرب فهم أسياد الانقلابات بلا منازع. والهند تمتلك سلاحاً نووياً وبرنامجاً نووياً سلمياً وعسكرياً، وهو أمر يبدو بعيد المنال عن العرب المشغولين بفتاوى الصيام على كوكب زحل وحكم من يولد في مركبة فضائية!
يمتلك الشعب الهندي حساً عالياً بوطنيته، فهو أولاً هندي وثانياً يسمي منطقته أو ديانته أو لغته. لم نسمع (على حد علمي) نداءات لانفصال أي منطقة عن البلد الأم، حتى أننا نذكر أن المهاتما غاندي دخل صياماً احتجاجاً على انفصال باكستان عن الهند لأنه وجد في ذلك أمراً شاذاً.
تعتبر الهند رابع دولة في العالم ترسل مسباراً إلى المريخ بإنجاز علمي هندي خالص بينما لم يعرف العرب صنع دراجة. وتمتد السلسلة لتصل إلى التكنولوجيا والتصنيع والأفلام والفنون والسياحة والأطعمة وغيرها، وبعد كل ذلك هل يحق لعربي أن يسخر من هندي؟
يقف العرب منذ زمن ولا يزالون على مفترقات طرق، ولكن يبدو أن خياراتهم كانت دوماً صوب الطرق المسدودة أو الطرق التي تودي إلى هاوية. واليوم نقف من بعيد لنرى المنطقة العربية بركاناً من النار والدم لا يزال في فوران دائم، وتتساقط حممه على الجميع بدون استثناء.
لما قام الربيع العربي تفاءلنا بقدوم التغيير، وكانت لحظة تاريخية نقية ورائعة لما هبت نسائم التغيير على بلاد تعفنت من شدة الانغلاق وانعدام الهواء، في لحظة انتظرناها أكثر من ألف عام، ولكن الحلم لم يدم طويلاً، فقد كان العرب للعرب بالمرصاد: اقتتل العرب البائسة والعرب السائبة في حروب دموية تدعي انتصارات موهومة ضد أعداء متخيلين.
إن أهم ما يقوم به العرب اليوم هو أنهم يشعلون النار في أجسامهم اعتقاداً منهم أن ذلك يطرد عنهم الشياطين، وما زلنا لا نرى صلة بين ممارسات الدين الرجعي وبين عقولنا التي غيّبناها تماماً وبدأنا بإحراق أنفسنا؟
إن العرب السائبة اليوم تعيش كما عاش البدو الرحّل، مجموعات من قبائل وبطون تقتتل على الكلأ ولكنها لا تسعى وراء الكلأ وحسب، بل تريد الدم، ولا شيء غير الدم. وحيث أن «الأعراب أشد كفراً ونفاقاً» كما ذكر القرآن الكريم، فإن كل أمة العرب (أو أممها إذا صحّ التعبير) هي أشد كفراً ونفاقاً ليس بالمعنى الديني حتى لا يتهمنا أحد بتكفير الآخرين، ولكن العرب كفروا بقيم الأخلاق والأمانة والوحدة واعتقدوا أن بلدانهم هي أوطان حقيقية وهي لا تعدو إقطاعيات يجبي الحكام خراجها ويمنحوننا ما يريدون.
عذراً شاعرنا الكبير محمود درويش لما قلتَ: «نعم عرب ولا نخجل»، فأنا اليوم أخجل… إذ لم تعد يدي تمسك بالمنجل إلا لتقتل.
يوسف مزاحم