إذا سلمنا سلفا بما يتميز به تجدد الإشكاليات من دور فاعل في رسم خريطة التحولات التاريخية، التي تتحقق بموجبها الانتقالات الحضارية الكبرى للشعوب والأمم، فستكون الحداثة بما تلاها ويتلوها تِباعا من بَعْدِياتٍ، من أهم هذه الإشكاليات، التي دأبت على مرافقة سيرورة وعي العقل – الغربي تحديدا- بذاته منذ أكثر من خمسة قرون، كي تتحول مع تتالي الفتوحات التقنية والعلمية، إلى ما يشبه الثقب الأسود الذي يبتلع كل ما يوجد في محيطه من أسئلة وقضايا ومنظومات فكرية وإبداعية، حيث ما من حكي، وما من صورة، ما من ظل، وما من صدى، يمكن مقاربته خارج ما يعتمل داخل فضاءات هذا الثقب. وهي وضعية لازمت حركية الفكر على امتداد ما عبرته من أزمنة وأمكنة، بما في ذلك وضعية اختلاق الإشكالات النظرية العامة والخاصة، من خلال تفجير دوامات نقاشات لا متناهية، حول كافة القضايا المتعلقة بأسباب وغايات وجودها، في أفق تكريسها كضرورة تاريخية جديرة بالتبني والاهتمام. ومن المؤكد أن هذه النقاشات المختلقة أيضا، هي التي تساهم في شرعنة حضور الوهم، في أوساط المعنيين وغير المعنيين، لتمكنه من حيازة صفة المكون الثقافي الفلسفي أو العلمي لمرحلة تاريخية محددة، أو لما لا ينتهي منها. ومن المؤكد أن الكثير من الإشكاليات استمدت راهنية تداوليتها بناء على هذا الالتباس الكبير، الذي طبع آلية تلقيها وترويجها، إلى جانب تعدد أشكال عرضها وفق ما يقتضيه الدهاء العقلاني والمنهجي، من دقة في البناء ومهارة عالية في التسويق، حيث سيعتبر أي تشكيك في مصداقيتها، حماقة غير مأمونة العواقب. وهو ما يحولها في نهاية المطاف إلى قانون، معيار، أو علامة متحكمة في أكثر من مصير.
من ذلك مثلا اختلاق فكرة تمحور الحداثة حول المكون التقني دون غيره من المكونات. وهو اختلاق يكشف عن جهل متمكن بديناميتها، لكونه يعمى عن رؤية كل الجوانب التخييلية والرمزية المتأصلة فيها، ويقنع بالتوقف عند ظاهرها، دون باطنها. جهل هو امتداد للرؤية الانبهارية المتخلفة العاجزة عن تجاوز التقني إلى شعرية التأملي، وهو التجاوز الذي تعتمد الحداثة ذاتها للتخلص من بؤس ظاهرها المجسد في برودة التقني، كخطوة أساسية لاكتساح المدارات الإبداعية والفلسفية، ولتجاوز الآني المقترن بمنطق السوق، وجشع المبادلات المصرفية. إن الشعري والفلسفي هما وحدهما المخولان لإنقاذ الحداثة من دونية العابر، كي تتبوأ مكانتها الحالية في سوق المفاهيم ، وكي تمتلك كل هذه السلط التي هي في متناولها الآن.
وغير بعيد عن هذه المفارقة، سيكون أحد الأخطاء الأكثر فداحة، هو إرغام الحداثة على التموضع داخل إطار منهجية أحادية البعد، مادامت في جوهرها تقوم على إلغاء سلطة الأبعاد المقننة والمحددة، عبر تحرير الكلام من عوائق المسارات المسكوكة.
من هنا سيكون الاقتصار على تأطير الحداثة بمكونها التقني، دليلا على حضور الرؤية الثالثية للعالم، والسعيدة باستصغارها لذاتها أمام تطاول مركزية المنجز العلمي والتقني، علما بأن الكثير من المقاربات العلمية نجحت في بناء نظرياتها على أسس تخييلية، ذات نكهة سحرية، بعيدا عن ذلك الانبهار الطفولي الواقع تحت هيمنة مقولات ساذجة، تعلي من شأن علم وعقل، لا يُقِرَّان بأن سحرية الطبيعي، بما لها من دلالات رمزية عميقة، هي التحدي المستقبلي لكل توجه حداثي، يستهين بعنف الطبيعي وهيبته وغموضه، من خلال تغييب جوهره، على حساب استنزاف ما يمتلكه من طاقات، وعلى حساب اختزاله في تلك المقولات الفيزيائية والتقنية، التي انتهى إليها علماء ما بعد عصر الأنوار. لذلك، يمكن القول إن الطبيعي عموما سيظل أكبر عدو للحداثة، خصوصا أنه موصول بذلك الخيط الغامض المؤدي إلى شبح المقدس الذي تتهيب من تهجي حروف اسمه. إن الطبيعي في نهاية المطاف، ومن خلال ما يختزنه من طاقات خلاقة وتدميرية في آن، يتلذذ باستفزاز التقني، من خلال تخريبه الخاطف والمباغت لأهم منجزاته، كي يذكره من جديد باللحظة الصفر التي سبقت لحظة انبثاقه.
إن المبالغة في تضخيم سلطة التقني خلال لحظة تاريخية معطاة، تتضمن استصغارا للعقل وللمخيلة، كما تتضمن تحجيما لإمكانياتهما المستقبلية الواعدة. بمعنى أن التهليل المبالغ فيه لمنجز تقني ما، قد يؤدي إلى إقناع العقل والخيال بإمكانية سيطرته التامة على أسرار الطبيعة، وهي القناعة التي تتحول حتما إلى حجاب، حيث تظل الحقائق الكبرى والصغرى موغلة في اختفائها، كرد فعل منها على اقتناع العلم بعظيم إعجازاته، في حين سيكون بوسع التعامل العقلاني مع العقل أن يمنحنا أكثر من إمكانية للتعرف، كما سيغري الطبيعي بالكشف عن المزيد من أسراره. إن الطبيعي هنا يترك الباب مواربا لمن يرغب في الدخول، التلصص، واستراق السمع، بما يعني أن الحداثة الفعلية، هي تلك التي تلغي فكرة القول بالنهائي، سواء كان على مستوى السؤال، أو البحث والابتكار، لأن الاقتناع باللانهائي هو اقتناع بنكهة السحري، وبجمالية المحتجب الذي يغريك دائما بالمزيد من البحث، بقدر ما يغريك بالمزيد من العطاء والكتابة. ودائما في سياق الحديث عن حمى اختلاق الإشكالي، نشير إلى مأساة إجهاده للفكر على حساب احتطاب ما سبق للآخر أن فكر فيه. وهو إجهاد لا يكتفي بإهدار طاقة مرحلة، بل يمعن في إفساد ما سبق للآخر أن أبدعه. ومع ذلك فالحداثة تستمتع بتفريخ سلالات سدنة الاختلاق، الذين يؤمرون بحراسة خزائن الفكر والإبداع، ولو على سبيل توصية غير صريحة بالنهب. خارج مضارب هذه الاختلاقات، تمارس الحداثة سفرها المنفتح على المدارات المتعارضة والمتقابلة، حيث كل شيء قابل لأن يقرأ بشبيهه ونقيضه، قراءة الفلسفي بالشعري، والفيزيائي بالفني، قراءة الزمن بالمسافة، والضوء بإيقاعات الصدى، ذلك أن حقيقة تعدد المداخل، أصبحت هي العلة والمعلول، حيث يكون بوسع الشيء، أن يوجد في أكثر من موقع، وأن يكون موضوع أكثر من خطاب، وأكثر من مقاربة، كما سيكون للدلالة على أن تنفتح على كل ما تطوله من ممكنات القول والتأويل. فمهما تضاعف حضور سلطة التقني في مدارات الحداثة، فإن سلطة الفكري والإبداعي تظل محتفظة بقوة تأثيرها في ما تقترحه من مسارات. إن الأمر هنا يتعلق بذلك التفاعل الخلاق الذي يسهر على تصحيح مبادرات الحداثة عبر عقلنتها وأنسنتها، وأيضا بردعها إن اقتضى الحال، كلما نأت بها التقنية عن حدود ما لا قبل للكائن بالتفريط فيه. وهو ما يفسر حضور ذلك الصراع الطاحن، والحاضر دائما بين حداثة التقني من جهة، وبين الإبداعي والفكري من جهة أخرى. إنه الصراع الأبدي القائم بين حرية مصابة بشطط جموحها، وحرية مسكونة بنداء العقل.
لكن ما هي وجهة نظر الوجود في جدلية هذه المفارقة التي ينشطر معها الإنصات إلى نداءين، أحدهما خلق والآخر اختلاق؟ الرأي عند الكتابة، أن الوجود عموما يظل مستقلا بهندسته الخاصة به، التي لا تمتثل بالضرورة لأي تصور مثالي فلسفي أو شعري، سواء كان منتميا لضفة الخلق أو الاختلاق، وتلك هي اللعبة الكبرى التي لا ينبغي أن تغيب عن إدراك الحداثة. فكل تصور يظل محض احتمال، ومحض اقتراح ومحض توقع. ما من مجال ليقين، مادام الوجود مختصا في تفكيك ما تنتهي القناعات من بنائه، طبعا بتواطؤ غير معلن مع الكتابة، باعتبارها طاقة منفلتة، غير قابلة لتقنين الخلق أو الاختلاق.
شاعر وكاتب من المغرب
رشيد المومني