د. عصام نعمان يقترب لبنـان واللبنانيـون مـن إستحقاق دستوري مفصلي في منتصف شهر حزيران/يونيو القادم . إنه الإنتخابات التشريعية التي يُفترض ان تُحدد نتائجها تركيبةَ السلطة الحاكمة وهويتها السياسية. الصراع، ظاهراً، يدور بين ‘قوى 8 آذار’ المؤيدة للمــقاومة وسوريا وايران في وجه ‘اسرائيل’ وامريكا، و’قوى 14 آذار’ المعادية للمقاومة وسوريا وايران والمؤيدة لاميركا وحلفائها في المنطقة.جوهر الصراع سياسي، يتمحور حول الفوز بالجائزة الكبرى وهي السلطة، ويتفجر من خلال قضايا ومطالب سياسية واقتصادية واجتماعية.لأن أزمة لبنان مزمنة، فالصراع فيه وعليه قديم ومتواصل. لكنه ازداد ضراوة وتعقيداً مع اندلاع الازمة السورية وتعاظم تداعياتها وانعكاساتها على لبنان. في هذا المجال، ثمة مقولتان: الاولى ترهن انتصار ‘قوى 14 آذار’ بإنكسار النظام السوري امام معارضيه في الداخل والخارج . الثانية تجزم بإنتصار ‘قوى 8 آذار’ بصمود النظام السوري امام معارضيه.بعد مرور نحو سنتين على انفجار الازمة السورية، يبدو طرفا الصراع السوريان غير قادرَين على الإنتصار وغير قابلَين للإنكسار. هذه الحقيقة البازغة حملت اطراف الصراع في لبنان على إلتماس وسائط اخرى غير افرقاء الازمة السورية لضمان فوزهم في الإنتخابات. لعل اهم الوسائط قانون الإنتخابات. لذلك احتدم الجدل بين القوى المتصارعة على مواصفات القانون الجديد: هل يعتمد نظام التمثيل الاكثري ام نظام التمثيل النسبي ام النظام المختلط؟ هل يعتمد الدوائر الإنتخابية الكبرى (المحافظات) ام الدوائر الصغرى (الاقضية)؟ ايهما يؤمّن تمثيلاً أفضل للمسيحيين الذين يشكون من ان قانون الإنتخابات للعام 1960 المعمول به حالياً (معدلاً) افضى تطبيقه الى تمكين حزب المستقبل الذي يحظى بتأييد غالبية الناخبين المسلمين السنّة من انتخاب المرشحين المسيحيين الموالين له؟.تبارى نواب القوى السياسية المتصارعة في اقتراح قوانين للإنتخابات من شأنها التوفيق بين المطالب المتضاربة، لكن دونما جدوى. العجز عن التوافق على قانون جديد يؤدي، نظرياً، الى الإستمرار في إعتماد قانون العام 1960. لكن اطراف الصراع جميعاً توافقوا على ‘دفن’ هذا القانون، فما العمل؟.لعل المخرج من المأزق يتمثّل في عدم إجراء الإنتخابات وبالتالي قيام مجلس النواب بتمديد ولايته لنفسه لمدة سنة او سنتين . وكان فعل ذلك خلال الحرب الاهلية لمدة تفوق السنوات العشر.ما ‘مسوّغات’ تأجيل الإنتخابات والتمديد لمجلس النواب؟ لعلها ثلاثة : أولها، ان الوضع السياسي والامني المضطرب يجعل من اجراء الانتخابات ضرباً من المجازفة غير المحسوبة. ذلك ان مناطق واسعة على الحدود بين لبنان وسوريا تبدو سائبة او مسيّبة الامر الذي يجعل الإنتخابات، من الناحية الادارية والفنية، تمريناً صعباً إن لم يكن مستحيلاً.ثانيها، ان الإنعكاسات السلبية للأزمة السورية على لبنان من جهة والتدخلات الخارجية المتواصلة لتأجيج فتنة مذهبية بين السنّة والشيعة من جهة اخرى، بالإضافة الى الإختلالات المزمنة، السياسية والإقتصادية والإجتماعية، التي يعانيها النظام الطوائفي الفاسد، شلّت ‘الدولة’ او ما تبقّى منها، وانتجت اصطفافات سياسية ومذهبية عميقة ومتشنجة. ذلك كله ادى ويؤدي الى تعميق ازمة لبنان المزمنة وتمديد مفاعيلها المؤذية على جميع المستويات.ثالثها، ان الصراع بين الدول الكبرى، ولاسيما بين اميركا وروسيا، ما زال محتدماً ويتخذ من الساحات السورية واللبنانية والعراقية وحتى المصرية ملاعب للتنافس وتقاسم مناطق النفوذ وتصفية الحسابات.اكثر من ذلك، اتضح مؤخراً ان الولايات المتحدة تربط بين الازمات التي تعصف بدول المنطقة وتخطط لإجتراح تسوية متكاملة لها تشمل مسألتي البرنامج النووي الإيراني والصراع الفلسطيني الإسرائيلي. في هذا السياق، رَشَحَ من اوساط باريس السياسية والديبلوماسية ان الرئيس فرنسوا هولند نصح رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس الجمهورية السابق امين الجميل ورئيس جبهة النضال الوطني الوَسَطية وليد جنبلاط والعماد جان قهوجي بتأجيل الإنتخابات، والتمديد لمجلس النواب، وتمديد ولاية قهوجي في قيادة الجيش اللبناني واللواء اشرف ريفي في قيادة قوى الامن الداخلي، والتمديد لاحقاً للعماد ميشال سليمان في رئاسة الجمهورية.التمديد لكل هؤلاء، هل يمدد الازمة ام يجمّدها؟اياً ما كان الجواب، فإن ثمة حقيقة ساطعة لا سبيل الى نكرانها هي ان لبنان مريض بأزمته المزمنة، وان المرض لا يُعالج بالمسكّنات ولا بتأجيل المعالجة ولا بإعتماد المزيد من الشيء نفسه ما يشكّل وصفةً نموذجية لتقويض تجربة العيش المشترك ودفع ‘الدولة’ الى هاوية الإنحلال.إزاء كل هذه المخاطر والتحديات، يقتضي ان تبادر القوى الوطنية الحية، بالتعاون مع العقلاء من اهل النظام، الى بناء جبهة عريضة او تجمع سياسي وشعبي واسع يدعو الى ربط مسألة تأجيل الإنتخابات والتمديد لمجلس النواب بالمسألة الاكبر والاهم ألا وهي اعادة تأسيس لبنان دولةً ووطناً من خلال برنامج راديكالي للتغيير الديمقراطي يقوم على الاسس الآتية:اولاً، تشكيل حكومة وطنية ائتلافية جامعـة بسلطات استثنائية، مثالثةً بين ‘قوى 8 آذار’، و’قوى 14 آذار’، والقوى الوطنية المدنية (اللاطائفية) الملتزمة قولاً وفعلاً مشروع الدولة المدنية الديمقراطية وحكم القانون والعدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة.ثانياً، تتعهد الحكومة الوطنية الجامعة في بيانها الوزاري بتنفيذ الإصلاحات المنصوص عليها في اتفاق الوفاق الوطني (الطائف) بقوانين دستورية ومراسيم اشتراعية على النحو الآتي:(أ) استصدار التشــــريع الدستوري اللازم لوضع المادة 22 من الدستـــور موضع التنـــفيذ لجهة انشـــاء مجلــس نواب على اساس وطني لاطائفي تكون له سلطة التشريع العام في كل الحقول، ومجلس للشيوخ لتمثيل طوائف لبنان الاسلامـــية والمسيحية تكون له سلطة التشريع في مسائل إعلان حالة الطوارىء وإلغائها، التعبئة العامة، الحرب والسلم، المعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة، خطط التنمية الشاملة، قوانين الجنسية والاحوال الشخصية، قانون انتخاب مجلس الشيوخ، وتعديل الدستور.(أ)وضع قانون انتخاب مجلس النواب واصداره بمرسوم اشتراعي على اساس مبدأ التمثيل النسبي في الجمهورية كدائرة انتخابية واحدة، ووضع قانون انتخاب مجلس الشيوخ واصداره بمرسوم اشتراعي على اساس مبدأ ‘ لكل ناخب صوت واحد’ في الجمهورية كدائرة انتخابية واحدة.(جـ) وضع قانون اللامركزية الادارية واصداره بمرسوم اشتراعي.(د) وضع استراتيجية للدفاع الوطني يتحدد في اطارها دور المقاومة واصدار قانونها بمرسوم اشتراعي.ثالثاً، إجراء انتخابات مجلسيّ النواب والشيوخ في مدى سنة واحدة من تاريخ قيام مجلس النواب بتمديد ولايته، على ان تنتهي ولايته المددة فور انتخاب مجلسيّ النواب والشيوخ الجديدين. كما يصار كذلك الى انتخاب رئيس الجمهورية الجديد مع مراعاة احكام الدستور وإجراءات إقرار الإصلاحات المشار اليها آنفا.غني عن البيان ان القوى الوطنية الحية مدعوة خلال المرحلة الإنتقالية الى الضغط على اهل النظام وسلطاته بجميع الوسائل الشعبية السلمية المتاحة، بما في ذلك التظاهرات والمسيرات والإعتصامات والعصيان المدني، من اجل ضمان تنفيذ الاهداف والإصلاحات والمطالب السالفة الذكر.’ كاتب لبناني qmdqpt