عبد المنعم الشنتوفأبدع الشاعر المغربي الراحل منير بولعيش قصيدته في ارتباط بوعي راسخ في دخيلته بضرورة إخلاصها للواقع بمختلف تعبيراته المادية والرمزية ومدينته طنجة بما هي جغرافيا وتواريخ وحكايات وأساطير. يكون في مقدورنا الاقتراب النقدي من التحققات النصية لهذه التجربة الوجيزة من حيث الامتداد الزمني لتخلقها والثرة فيما يهم ايحاءاتها التخييلية والجمالية بمعزل عن حدين رئيسين: الاحتجاج بما هو قيمة سياسية وإبداعية في آن واحد والمدينة ـ طنجة – بما هي فضاء موغل في العتاقة والذي ينفتح تاريخها القريب والبعيد على جرعات ضافية من الأسطورة. تأتي صورة الشاعر وكثير منها يؤرخ لعلاقاته الحميمة بأمكنة ذات قيمة دالة لتؤكد هذا التوحد بهذين الحدين. يتقدم الشاعر باعتباره أيقونة للهامش الذي يسعى إلى المقاومة ويتماهى عبر الاستعادة التخييلية بوجوه عبرت في المدينة بخفة وثقل ووسمت تاريخها بطابع الرفض والتمرد والاحتجاج. جاء الشاعر إلى القصيدة من الجامعة وفضاءاتها الصاخبة بالمعرفة والإبداع والحب والتمرد ضد السلطة بمختلف تمثيلاتها، ثم يلبث أن عاد إلى مدينته ليغرق في العطالة وتبعاتها الثقيلة. كان الاحتفاء بقيمة الاحتجاج والسعي إلى التعبير الشعري عنه موصولا باستشعار الحنين إلى موجة الهيبيزم التي عرفها المغرب عموما وطنجة بشكل خاص علاوة على الاحتفاء الإبداعي بتيار البيتز ووجوهه التي أقامت لفترة في طنجة وأسهمت في تخصيب متخيلها. لم يكن الحنين إلى هذه المرحلة التاريخية موسوما بالجاهزية والتصادي الآلي الفاقد للمعنى؛ إذ أفصح عن توق إلى قيمة ‘الرفض’ التي حبل به هذا التيار الإبداعي والتعدد الذي أسبغه على طنجة. كان الشاعر بنظارتيه الطبيتين وشعره المرسل على طريقة الهيبيز وهندامه المفارق للمألوف يعبر عن ارتباط هذا الحنين بوعي شعري بقيمة الاختلاف الإيجابي والفاعل المؤشر على فرادة في الرؤية وجرأة على النقد والفضح. سوف يؤسس منير لهذا الوعي الثقافي المضاد لما هو جاهز ومبتذل ومألوف من خلال قراءاته النقدية لبعض الكتب والمصنفات المثيرة للجدل، ونتذكر في هذا الصدد قراءته الجميلة لكتاب الزنادقة لجمال جمعة، ونصوصه الشعرية التي دأب على نشرها في مواقع ومنابر من قيبل جهة الشعر والغاوون. ولا ننسى في الآن نفسه مدونته الشخصية الموسومة آتاك كلمة والتي كان يعبر من خلالها عن مواقفه السياسية الفاضحة لمواكب الفساد والارتزاق والمال القذر التي حولت مدينته إلى فضاء منذور للخراب وسطوة الخرافة والتدين الشعبوي.أصدر الشاعر قبيل وفاته ديوانا يتيما جمع فيه قصائده التي سبق أن نشرها سواء في بعض المواقع والمنابر الإبداعية أو في مدونته الشخصية. ويحيل العنوان الذي اختاره ‘أبدا لن أصدقك أيتها المدينة’ على المسافة الجمالية والمعرفية التي أصبحت تفصله عن المدينة والتحولات المأساوية التي عصفت بها وأحالت تاريخها العريق إلى مجرد ذكريات محنطة. تتقدم القصيدة كما يتصورها منير باعتبارها احتجاجا وفضحا يتوسلان بلغة شعرية تنأى بنفسها عن التقريرية والمباشرة والرؤية التبشيرية الضيقة. وفي قصيدته الموسومة ‘القصيدة خرجت إلى الشارع’، يبدو الشاعر أشبه ما يكون بعراف يرصد التشوه الذي حاق بالمدينة ويتوسل بالقصيدة كي تتحول إلى طوفان وتجرف الفظاعات وحالات التشوه التي تعمر المدينة:القصيدة قد خرجت إلى الشارعفمن سيوقف هذا الطوفان/ من يوقفنيالقصيدة التي خرجت إلى شارع باستوركم تشبهني. الديوان.يبدو لي باعتباري قارئا متابعا لتجربة منير بولعيش منذ بدايات تخلقها أن ثمة ذلك الهاجس المتمثل في إنزال القصيدة من برجها النظري’ ووصلها بالحياة بمختلف تحولاتها وتمثيلاتها. ولعل في اختيار الدفع بالقصيدة إلى الشارع كي تتوحد بحركة الناس والأشياء وتصغي إلى تواريخ وحكايات الأمكنة ما يؤشر على رغبة الشاعر في أن يحتفظ بمسافة واعية مع التراكم السائد في خصوص قصيدة ‘النثر’ على وجه التخصيص والحروب ‘النظرية’ التي طمست شراستها القيمة الجمالية والمعرفية للمنجز وقابليته للارتقاء بذائقة المتلقي. ولأنها موصولة بالحياة، فإن القصيدة كما أرادها الشاعر تشبهه؛ بما يستدعيه ذلك من تعاليها على الحروب الدونكيشوتية الخاسرة وإيثارها الاقتراب من البسطاء والمهمشين. تتعمق قيمة القصيدة بوصفها كشفا واحتجاجا على القبح والزيف والاحتيال حين تستدعي شخوصا ترمز إلى زمن طنجة الذهبي مثل الفنان العربي اليعقوبي أو تحيل مثل محراث جوزي بوفي إلى قيمة الاحتجاج ضد شراسة ‘العولمة’ وعنف ‘الرأسمال’ الذي يقتل ‘الإنسان’ ويحوله إلى جثة متحللة.يتحول المكان في المنجز الشعري لمنير بولعيش إلى شخصية رئيسية تلقي بظلالها المادية والرمزية على اشتغال القصيدة. يمكننا أن نفترض في هذا الحرص على أنسنة الفضاء تعبيرا شعريا عن التشوه الذي حاق بالمدينة وحولها إلى غابة من الاسمنت والعلاقات المشبوهة والقيم الفاسدة. وحين تستدعي الذات الشاعرة صورة الشابة ذات البنطال الممزق، فلكي تحتفي بنقيضتها المتمثلة في راشيل كوري الأمريكية التي جاءت للاحتجاج ونصرة الفلسطينيين المحاصرين والتي قتلتها الدبابات الصهيونية:أكلما حدثتك عن زمن الأخطاءوابن بطوطةتتدخل نيويورك بيني وبينكوتغير مجرى الحديث. الديوانهل رأى منير في القصيدة الرافضة جسرا يصله بطنجة وزمنها الذهبي؟ تتقدم الإشارة إلى سيرة محمد شكري ‘زمن الأخطاء’ و ‘إلى ابن بطوطة’ في هذا السياق بوصفها تكثيفا شعريا لهذا التقابل الضدي بين فضاء يكون الإنسان سيده وآخر يخضع لسطوة المادة ويمحي فيه الاختلاف والفرادة لفائدة التطابق ووجوهه النمطية. لا يعزب عن ذهن القارئ كيف تتحول نيويورك من مدينة كوزموبوليتية أو برج بابل يعج باللغات والأعراق والثقافات إلى نموذج متعال يكرس التطابق بقوة الإكراه المادي والرمزي.تتميز لغة منير في قصائده بعذوبة وشفافية تسعفان في تعجيل الألفة بعوالمها الممكنة. ولعل ما يشد الانتباه في هذا الخصوص بالإضافة إلى استثمارها للمعجم اليومي تلكم الدينامية الداخلية التي تؤشر على طبيعة الشاعر والتزامه النضالي. ثمة في هذا المقام ذلكم الاستعمال لصيغة التساؤل الاستنكاري التي تتوخى الخلخلة ونقض الجاهز والمستقر والسخرية من المبتذل والمكرور. يتعلق الأمر بلغة تروم التدنيس بالفهم الإيجابي وتؤسس لقيمة جمالية تراهن على إدهاش المتلقي وتحريضه على الانغمار في سيرورة الفهم والتأويل.نفترض في ختام هذا البورتريه النقدي حصول توحد جميل بين الشاعر وتجربته؛ وهو ما نعتبره استثناء دالا بالمقارنة مع التراكم السائد والذي يهيمن عليه الفصام الحاد أو افتعال التمرد والثورة على السائد والمستقر. ثمة في المنجز الشعري ما يحيل إلى مراهنة على الشعر لتخصيب الحضور في العالم وتسمت الصدق في التخييل الشعري بما يستدعيه ذلك من صوغ للصور الشعرية:آه أيها الجسد…هش أنت وقاتل كبيت عنكبوتقال آدمولم يلتفت لثرثرة الغيببين الزوايا. الديوان.كانت سيرة منير بولعيش القصيرة على الأرض موصولة بالقصيدة بما هي رفض وكشف واحتجاج. ويجوز لي من خلال مصاحبتي العميقة لتحققات منجزه أن أفترض وشائج قربى بينه وبين آدم الذي ساقه في قصيدته الجميلة ‘آدم كائنا من كان. آدم ليس إلا’. وربما كانت صورة الجسد الهش وبيت العنكبوت التي عبر عنها تمثيلا أو حدسا بالمرض الخبيث الذي فتك بجسده وعجل برحيله المبكر ولما يتجاوز من العمر اثنتين وثلاثين سنة.أغمض الشاعر عينيه يوم الاثنين 22 مارس 2010 أي بعد يوم يتيم من اليوم العالمي للشعر؛ فهل كان الشاعر يؤجل موته كي يشارك قبيلة الشعراء عيدها؟ هل كان منير قصيدة تمشي على قدمين؟qadqpt