هل تراجع الدور الأمريكي في المنطقة العربية؟

حجم الخط
2

■ لا شكّ أنّ السياسة المعلنة لأي دولة ليست هي السياسة التي تنتهجها عملياً، ولكن في المقابل ليست سياستها الحقيقـــية غيباً يستحيل التنبّؤ به.
فهو بكل بساطة أمر تحدّده المصالح الإستراتيجية لتك الدولة، وبما أنّ المصالح الأمريكية لم تنته بعد في المنطقة العربية، التي يتربع النفط على رأس قائمتها، لا بل على العكس، فمن المؤكد أن تأثيره سيتزايد في المستقبل القريب، مع اقتراب نضوبه في كثير من الدول المنتجة الحالية، الأمر الذي يحتّم على الأمريكيين ترسيخ نفوذهم في هذه المنطقة الأكثر أهمية من بين كلّ بقاع الأرض، التي تمثّل القلب النابض لمصالحهم الحيوية وإحدى أدوات سيطرتهم على العالم عبر السيطرة عليها.
أما الحديث عن تراجع أمريكا وغيابها عن لعب دورها في المنطقة، فهو ينافي الواقع، فأمريكا إن لم تتدخل بشكل مباشر فلا تزال تظهر بصماتها واضحة في كلّ ما يجري في المنطقة. وقد زادت من تحرّكها، خاصة بعد الربيع العربي؛ الذي عرفت الولايات المتحدة كيف تتكيف مع المتغيرات التي أتى بها وحوّلت دفة جريان الأحداث لتعود وتسير كما تريد. وهذا ليس محض اتهام زائف أو نوع من التهرب من تحميل الشعوب المسؤولية، لكنّه التاريخ الذي يعيد نفسه. فهناك أمور بديهية لا تغيب عن ذئاب السياسة ومن خلفهم حيتان المال، وهي أن لكلّ شيء نهاية وهذا ما لا يخفى حتى عن الأطفال، لكن المعرفة تظلّ بلا قيمة إذا لم يُستفد منها. فينجو من السقوط بعد كل نهاية مَن يحضّر نفسه لبداية جديدة قبل الوصول إلى نقطة النهاية؛ حدث هذا سابقاً ولا يزال يتكرّر؛ فقد وضعت حركة التاريخ الشاه الإيراني أمام مصير محتوم، في وقت كان الاتحاد السوفييتي لا يزال يتصارع مع الولايات المتحدة على انتزاع مناطق النفوذ في العالم. ففضّل الأمريكيون قيام نظام ديني طائفي على قيام نظام ديمقراطي، خوفاً من تحوّل إيران إلى دولة اشتراكية، نظراً لكون الكثير من المعارضين الإيرانيين يساريين، في وقتٍ كانت البلاد على مسافة من التديّن، كان بإمكان الأمريكيين أن يلعبوا لعبة سقوط نظام مبارك نفسها فيسقط الشاه ويبقى نظامه تحت أي مسمى آخر، لكن لا تزال تثبت الأيام نجاعة القرار الأمريكي بالنسبة لمصالحهم في تسليم إيران للخميني. حتى ظهر الأمريكيون مؤخّراً حريصين على النظام الإيراني ربما أكثر من الحرس الثوري نفسه، فقدّموا له طوق النجاة ومددّوا فترة صلاحيته دولياً، عبر الاتفاق النووي. فهم يحتاجون لدور إيراني متقدّم في المنطقة، خاصة في هذه الأيام، أما ما يحدث بين الجمهوريين والديمقراطيين حول ذلك الاتفاق فلا يتعدى المماحكاة السياسية، فالجمهوريون أنفسهم تحالفوا مع إيران خلال الغزو الأمريكي لأفغانستان، قبل أن يقدّموا لها العراق على طبق من دم؛ فإيران المرشد هي الضامن لاستمرار حالة الفوضى في المنطقة، ودوام الصراع بين ضفتي الخليج العربي، وبالتالي استدعاء الحاجة الملّحة لاستمرار النفوذ الأمريكي، أي بكلمة أخرى سيطرتها على منابع النفط وكذلك على عائداته التي يحوّل قسم كبير منها لشراء الأسلحة.
الأمريكيون لم يتخلوا عن بعض حلفائهم السابقين في المنطقة، سواء أكان التحالف معلنا أم سرّيا. وإن كانت خططهم تختلف باختلاف الطبيعة الطائفية والقبلية للدول العربية. فلا يزال المخلوع علي عبد الله صالح يبدو قوياً وواثقاً ومباهياً بعلاقته مع الأمريكيين، وكذلك مبارك الذي لم يكن ليحلم مع أزلامه وأقطاب نظامه بأكثر مما حصلوا عليه لتحقّق في النهاية مصلحة الطرفين، فحافظوا على كلّ مكتسابتهم المادية وأعيد إنتاج نسخة جديدة من نظامه.
حلول أزمات المنطقة ومواعيدها ومنها الأزمة السورية أيضاً، ليس أمراً يصعب التكهن به، لا بل قد يكون غاية في البساطة؛ لكن ما يسمى بمراكز الأبحاث في بعض الدول العربية، التي لا ترقى بنتائج دراساتها وتقاريرها لتستحق الاسم الذي تطلقه على نفسها، لم تقدّم شيئاً يمكن أن يجنب أحد شعوب المنطقة شيئا مما تعانيه الآن، ربما يكون التمويل الذي يعبث حتى بتحليلاتها، فعلى صعيد الأزمة السورية راهن الجميع على تسليح الثوار والتدخل الدولي الذي بلغ حدّ اليقين، بعد استخدام النظام الإرهابي للسلاح الكيماوي في مجزرتي الغوطة، ثمّ ركنوا إلى مؤتمر جنيف -2، الذي دعا مجلس الأمن لعقده بقرار صدر تحت الفصل السابع، ثمّ الصور المسربة من معتقلات النظام والمجازر والقصف الوحشي للمدنيين بكل أنواع الأسلحة، منتظرين الدعم الدولي ومؤكدين عليه، في حين استدعت سيطرة «داعش» على مدينة عين العرب- كوباني تحالفا دولياً ساعد ما يسمى وحدات حماية الشعب الكردي حليفة نظام الأسد في استعادتها، ورافق ذلك تدفق عدد من المتطوعين الغربيين لقتال «داعش»، في حين يتهم بالإرهاب كل قادم لقتال نظام الأسد حتى إن لم ينضم لـ»داعش»؛ الأمر في غاية السهولة؛ لا يوجد أحد على الأرض السورية من المعارضة السياسية والعسكرية قادر أن يقدّم للأمريكيين والإسرائيليين القدر نفسه من الخدمات التي كان يقدّمها نظام الأسد الأب والابن. والأمريكيون لما تأكدّوا من النهاية الحتمية لنظام الأسد مع انطلاق الثورة السورية، وتأكدّوا أيضاً من عدم وجود بديل يناسب مصالحهم في سورية؛ تركوا البلاد لتصل إلى ما وصلت إليه، وظّلوا في الوقت نفسه يتحكمون بسير الأحداث على الأرض، عبر تحكمهم بنوعية السلاح المقدّم للثوار وإحكام الحصار عليهم ومنعهم من الحصول على سلاح نوعي يحيّد على الأقل سلاح الطيران. ويسعون في كلّ مناسبة لتقوية الأقليات الطائفية والإثنية وعزلها عن النسيج الوطني، قد يكون النموذج اللبناني والعراقي أقرب للتطبيق في سورية نظراً لتقارب الطبيعة الطائفية ولنجاعة هذا الحلّ بالنسبة للمصالح الأمريكية والإسرائيلية، وهو أقل ما يقبل به دول الجوار. ثمّ قد يأتي التقسيم في مراحل لاحقة وهذا ما قد يحتاج للعديد من السنين ولصراع جديد على فرض انتهاء الصراع الحالي، أو لذريعة كـ»داعش» التي راحت تكرّس استقلال كردستان العراق وتضعه على آخر درجات سلّم الاستقلال العملي، وقد أصبح لديه جيش واقتصاد نفطي واكتملت ملامح استقلاله بانتظار الاعتراف الدولي به.
تشهد الولايات المتحدة طفرة إنتاج النفط الصخري، لكنّه يتميّز عن النفط التقليدي بسرعة نضوب آباره، وستبلغ ذروتها خلال السنوات القليلة المقبلة قبل أن تنتهي كلياً بعد حوالي 15 – 20 عاما، وهذا ما سيزيد من أهمية منتجي النفط التقليديين، الأمر الذي يفرض الحاجة لاستقرار هذه الدول وبالتالي قد تظلّ المنطقة العربية في حالة فوضى لبضع سنين مقبلة.

٭ كاتب سوري

بشار عمر الجوباسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية