القاهرة ـ «القدس العربي»: تصريحات المسؤولين في وزارة الإعلام بشأن ضرورة العناية بالإذاعة والعودة إلى دورها الريادي القديم تفتح الباب لطرح تساؤلات كثيرة حول الموارد والميزانيات التي تمكن قطاع الإذاعة من تحقيق رؤية عصام الأمير، رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون، خاصة أن حجم الإعلانات وهي المصدر الرئيسي للدخل يكاد يكون معدوما في معظم المحطات الإذاعية وهو ما يشكل عائقا حقيقيا أمام أي تطور.
يذكر أن جهودا كثيرة بذلت في السابق للبحث عن رجال أعمال يكونون رعاة للبرامج الرئيسية في الإذاعة، ولكن باءت كل الجهود بالفشل وبقي الحال على ما هو عليه وأصبح العاملون في الوسط الإعلامي الرائد يغزلون برجل «حصان» ويتفانون من أجل البقاء والتميز، وهي معادلة جد صعبة بعدما انصب الاهتمام كله على التلفزيون وقنواته الفضائية، التي أغلق الكثير منها لعدم توافر الميزانيات الكافية لتشغيلها، ومنها قنوات البحث العلمي والأسرة والطفل والتنوير والتعليم وغيرها.
القنوات المذكورة جاءت نتاجا لسياسة الانفتاح الإعلامي للوزير الأسبق صفوت الشريف، وخليفته أنس الفقي، فالترسانة الإعلامية الضخمة صنعت خصيصا لإمتاع الرئيس المخلوع بالريادة الإعلامية، ودخول مصر عصر السموات المفتوحة، بينما الحقيقة أن الهدف الأساسي والوحيد كان هو البيزنس وجمع الملايين، جراء السمسرة من بيع القنوات الخاصة وتشييد الأقمار الصناعية بالتعاون مع شركة ماركوني الفرنسية.
لقد تمت صفقات الأقمار الصناعية وأطلقت الفضائيات وتم بناء مدينة الإنتاج الإعلامي لتكون هوليوود الشرق، لكن شيئا من هذا لم يتحقق، غير أن المنجز الوحيد كان مضاعفة فوائد بنك الاستثمار ومزيدا من الديون، فقد بقيت مدينة الإنتاج كالعمل الرديء وعجز المسؤولون والعرابون عن تسويق القنوات المحملة على القمرين المصريين «101 « و»102 «، وبالتالي هبطت نسبة الأرباح في شركة نايل سات إلى أقل من الحد الأدنى وفشل المشروع فشلا ذريعا.
وفق هذه المعطيات خسرت الإذاعة خسرانا مبينا بفضل تبديد الميزانية، وظلت على حالها نقصا حادا في الإمكانيات التكنولوجية وهجرة جماعية لكوادرها البشرية إلى المحطات الخارجية، بحثا عن التميز المادي والأدبي، فضلا عن تضييق الحريات وتفعيل البيروقراطية بدعوى الانضباط والحزم، أي أن جميع الأسباب كانت متوافرة لانهيارها، لولا إيمان البقية الباقية من العاملين فيها بدورهم ورسالتهم، هو ما أدى إلى استمرارها حتى الآن كمنافس يخوض غمار الحرب مع خصوم شرسين، التلفزيون والفضائيات الخاصة والإنترنت.
من دواعي وتداعي أزمة الإذاعة أنه رغم تعدد المهرجانات والاحتفاليات والمناسبات السنوية لا يوجد مهرجان واحد مخصص للإذاعة وحدها يؤكد هويتها وخصوصيتها، ويذكر الناس بتاريخها وروادها محمد محمود شعبان وصفية المهندس وفضيلة توفيق وإيناس جوهر وآمال فهمي وجلال معوض، كل ما تميزت به «حشرها» مع التلفزيون في مهرجان واحد تسرق فيه الأضواء لصالح نجوم الشاشة الصغيرة، ويظل نجوم الميكرفون جنودا مجهولين لا يعرف أحد من الجيل الجديد عنهم شيئا.
إننا نحيي مبادرة رئيس الاتحاد عصام الأمير لإحياء التراث الإذاعي، نؤيدها ولكننا نوصي قبل كل شيء بمنع عمليات النهب والسرقة والتهريب لتراثنا القديم النفيس.
لو استطاع الأمير معالجة هذه المشكلة ستكون هذه هي الخطوة الأولى نحو الإصلاح، فالحماية أولا للتاريخ الإذاعي ثم يأتي بعدها ما يأتي من تحديث وتطوير، هذا بالإضافة إلى أهمية البحث عن موارد ثابتة غير منقطعة وحذار من القروض الاستثمارية، فهي أول مسمار في نعش أي منظومة، وكفانا ما تراكم من ديون بسبب الفوائد.
وطالما أننا نتحدث عن نهضة الإذاعة لابد أن نعي أنه لا نهضة بدون نقابة للإذاعيين منفصلة عن أي نقابة أخرى، فعملية الدمج الموجودة منذ سنوات بين السينمائيين والتلفزيون والإذاعيين هي ما أدى إلى شيوع التخصصات المهنية والخلط بين الشامي والمغربي على غير أسس، كما أن الدمج القسري ذاته هو السبب المباشر في الشك في العملية الانتخابية بالنقابة المذكورة وتعرضها للنقد في كل دورة من جانب الأعضاء والمرشحين أنفسهم لإحساسهم بغلبة فصيل على فصيل آخر، فنقابة السينمائيين هي النقابة الوحيدة تقريبا التي تضم ثلاثة فصائل مختلفة في كيان تنظيمي إداري واحد.
نعود مجددا للتذكير بأن حجم الديون التي خلفها النظام الإعلامي والسياسي والرئاسي الأسبق مخيف للغاية وسوف يكون حجر عثرة أمام أي تطور إذا لم يتدارك المسؤولون أخطاء السابقين ويعملون على الموازنة بين الموارد والنفقات، والمقاربة بين أجور العاملين والقيادات وإطلاق العنان للحرية الإعلامية بشكل علمي، وليس شفاهيا، فالحرية وحدها هي عنصر الجذب الحقيقي للمشاهدين والمستمعين والمستثمرين.
كمال القاضي