هل حل الخريف العربي؟…

حجم الخط
0

د. يحيى مصطفى كامل لا أعرف شخصاً إلا ويطـــرح هذا السؤال نفسه عليه، بين المرارة والإحباط وفقدان الثقة في الواقع والشعب والقوى السياسية… وبناءً على درجة اهتمامه بالسياسة وانخراطه في الفعل السياسي فهو إما يطوف بذهنه ما بين آنٍ وآخر بين المشاغل المعطلة وإما يتسلط على تفكيره تماماً…الأكيد أنه حاضرٌ في ذهنه دائماً.جديرٌ بالذكر أنني بعد أن شرعت في الكتابة انتبهت إلى كوني لجأت إلى كلمة ‘هل’ بدايةً لعنوان المقال السابق في معرض الحديث عن اغتيال شكري بالعيد، ولعل ذلك يعكس حالة السيولة العامة التي تعيشها البلدان التي عرفت ثوراتٍ والمنطقة بصفةٍ عامة، حيث يبدو أن كثيراً، إن لم نقل كل قواعد اللعبة السياسية كما عرفناها قد تغيرت وتبدل معها ميزان القوى، وفي خضم حالة ٍ من انعدام الإنجاز وما يبدو من انعدام النية أو الرؤية القادرة على الإنجاز، وفي ثنائية فصائل إسلامية-فصائل مدنية التي تمزق هذه المجتمعات ليس هناك أكثر من التساؤلات والحيرة، بل والخوف (إذا شئنا الصدق) من المستقبل. على صعيد مصر، لا نجد في المستجدات ما يكسر أو حتى يخفف من حدة هذا الشعور بالضيق والمخاوف من المستقبل، فما من يومٍ يمر إلا ويحمل معه المزيد من المعارك بين الجماعة والقوى الإسلامية من ورائها وبقية الفصائل على الساحة، وكلمة معارك دقيقة، فهي تشمل كل أطياف الصراع من الكلامي إلى المواجهات الدامية في الشوارع مروراً بالمقالات…إلا أنها معارك لا يبدو أنها ستحسم أو تشير إلى حل، فالفريقان متمترسان جيداً وراء عوازل الرفض، وكلٌ يرى أن لديه أسباباً وجيهة، كما وأن مجموعة من السمات فيما نراه من نشاطٍ وسجال قد ترسخ ذلك الانطباع المزعج بانسداد أفق الحل.أول ما يلاحظ يتعلق بدور النخب السياسية… بوضعية الجماعة في السلطة وما نراها تخسره من أرضيةٍ في الشارع، إذ ليس من شكٍ في كون حكومة الإخوان برئاسة د هشام قنديل حكومة باهتة وضعيفة، تفتقر إلى تقديرٍ حقيقي لحجم مصر ومشاكلها ناهيك عن أي تصورٍ أو رؤية متكاملة متجانسة لحلول…فقط وعود ونوايا طيبة…وكفانا بتصريحات د قنديل ‘الجهبذية اللوذعية’ عن فوائد الإرضاع وما يتررد عن قرب إقالة هذه الحكومة دليلاً على ضعفها وما نتمناه من قصر عمرها…إن كل ذلك مضافاً إلى العنف ضد المعارضين والمحتجين والتخبط في القرارات والتضارب في التصريحات والكذب الموثق قوض من شعبية الجماعة بشدة في الشارع.غير أن ما تخسره الجـــــماعة لا تكسبه بالضرورة قوى المعارضة بقيادة جبهة الإنقاذ، بل لعلـــها تخسر هي الأخرى بصورةٍ لا تقل كثيراً عن الجماعة، وفي المقابل نرى غضب الشارع الذي مازالت أسبابه الموضوعية موجودة وقائمة، بل تتضاعف بما يضاف إليها من قتلى ومسحولين، نرى ذلك الغضب يتأجج ويصطدم بعيداً عن ومتحللاً من علاقة التوجيه أو التبعية لأي فصيلٍ سياسيٍ بعينه من قوى المعارضة.. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا أن النخبة أو الطبقة السياسية بمجملها تفقد مصداقيتها وبالتالي قدرتها على القيادة في الشارع الذي ما يني انفلاته وفوضاه يزدادان.أما ثاني الملاحظات فيخص طبيعة الضغط وأدواته…لقد أسقطت ثورة الجماهير الضخمة مباركاً؛ اسقطت طاغيةً بليداً مسناً مترهلاً لا يستند سوى على قاعدةٍ شديدة الضآلة من ذوى المصالح، كثيرون منهم غيروا جلودهم ومستعدون للتعاون مع مجموعة الحكم الجديدة، أو حتى مع الشيطان في سبيل الحفاظ على مصالحهم…أما الجماعة وسائر القوى الإسلامية فتستند إلى ظهيرٍ شعبي ذي حجمٍ وقدرةٍ على الحراك يعتد بهما ولا جدوى من التقليل من شأنهما، وفي رأيي أن المشكلة تنبع من كون الاعتصامات وحصار قصر الاتحادية، وهو حقٌ مشروع لا خلاف عليه ما دام يتم في إطارٍ سلمي، وما يتبعه من عنفٍ من قبل النظام، إما صريحٍ أو مقنع عبر وكالةٍ من كتائب البلطجية، إن وسيلة الضغط تلك تفقد فاعليتها بالتدريج لاعتياد الجمهور عليها…إن أخشى ما أخشاه ( وهو يبدو في سبيله إلى التحقق) هو أن نصل إلى اليوم الذي تصبح فيه المظاهرات والاعتصامات والعنف المجاني والدم الذي يتفرق بين فصائل تتبادل الاتهام به أمراً طبيعياً، مألوفاً، بل ومبتذلاً.يستحيل التنبؤ بمتى قد تتطور هذه المظاهرات وحصار القصر الرئاسي إلى حركةٍ قادرة على إسقاط النظام، هذا بفرض أن ذلك سيحدث أصلاً، وفي غياب قوةٍ تحسم ذلك الصراع، كالقوات المسلحة مثلاً، فإنه مرشحٌ لأن يطول، ولما كنت لا أمتلك ذلك اليقين الغيبي بضرورة الغد الأفضل الذي استحقته وتحرزه دماء الشهداء فإني أتمنى أن تتنازل الجماعة عن قدرٍ ولو بسيط من عنادها لتوفر على البلاد مستنقعاً قد نتخبط فيه سنين قد تصل عقداً من الزمان…و لا أملك سوى أن أتساءل أنا الآخر في إحباطٍ وحزن: هل حل الخريف العربي؟.’ كاتب مصري زميل الكلية الملكية لأطباء التخدير qmdqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية