ترتخي اليدين في البحثِ عن تفاصيل الجرح في جسد المكان، ولكنّي أسألُ جرحي: أين أنتَ؟ في أي الزّمان؟! كَثُرت جراحنا في الأرض كلّما أبصرنا ساعة الحزن البطيء، هنا في اليرموك نخرجُ من ليلٍ إلى ليلٍ ونترك الذكرى مثلما فعلنا في نهر البارد، ترتخي العيون للدموعِ على هجرةٍ أخرى، كم مرة ستأتي الغيوم بأمطار النكبة؟ والتحليق بعيداً، بعيداً من منفى إلى منفى، نحن ضيوف العالم والعالم ضيفنا ما دامت أرضنا ما زالت سليبة. أفتحُ يديّ لا فكرةً أكتُبُها ولا يدي يدي، أختبأ الكلام في مجهوله ونطق القلب وحيداً عارياً من ذكرياته وأمنياته، زرتُ اليارموك يوماً منذ سبعة سنوات حين هبت عواصف تمّوز في لبنان ولا مفرّ، ولكن كيف عصفت في تمّوز؟! الحرب تأتي علينا بلا استئذان، الحربُ والحرب، متى ننتهي؟ أدمن الجسد الخروج والدخول والهروب من هنا إلى هناك، والصمت والبحث عن وسادةٍ وزاويةٍ للأحلام والمنام، هل أستطيع التفكير قليلاً بما حدث؟ أم لا أستطيع البوح عنّا؟ لا بحر امامي لأبحر أكثر، كل الجهات صحراءٌ والرّيح تركض خلفي، إبن نهر البارد أنا واليارموك أخي وأمّي الأرض وتلك الشمس أختي المشردة، أكتفي بالمعنى لأكسر صمتي، فهل من خيمةٍ كبرى لظلي الأسير؟ والأشياءُ سجوني في الرّحيل، رحلتُ كثيراً عن عتبات البيت وعن دالية البيت التي وعدتها بالعودة إلى التراب المقدسيّ وكذبتُ عليها مراراً، وكذبتُ على نفسي مراراً، وبقي الأمل مفتاح الروح الباقي لكي أصدّقُ يوماً وأُصدّقُ أملي بالرّجوعِ إلى قريتي في قضاء عكّا والهواء الجديد في الحياة الجديدة. هنا أُحاول ترويض النزيف بالغناءِ قليلاً أو بالصّلاةِ قليلاً على حجرٍ قديمٍ في ضواحي البلد، لم يمت كل شيءٍ ولم يبق كل شيءٍ على حالهِ، ولكنّي أبتغي حلمي كاملاً لأبصر نفسي هناك تحت ظلال البرتقال، قد أكون مثل ‘سيزيف’ في الصعود إلى ذاتي، ومثل ‘أيوب’ في الطريق إلى حدود المكان، وفي دروب الآلام تذكرت ‘المسيح ‘ عليه السلام ولم أصل بعد، الشوك يُغرقُني والرياح تعوي في مدايَ، ربّما إقتربتُ من زيتونةٍ حبلى تمسِك تربتها وتعانق التاريخ مثلي، أنتِ الأرض وانا جذوركِ التي أبت واستعصت على الاقتلاع كي تكون، فكنتِ وكنتُ فيكِ أنا ابنكِ، الخالدُ، الصابرُ، المهاجرُ، الرّاحلُ، الراجعُ إليكِ، وإليك راجعون.باسل عبد العالqmn