يأتي الديوان «من حمى الأمكنة»، مزهوا بالرؤى والأحاسيس العالية (غرفة، حانة، طائر، ظلام، لوحة، عزلة، وهم، أغنية، لغة ….) في عبقرية الأمكنة التي تخترقنا بشاعرية السديم.
ويبقى المكان خطوة لتأصيل التخيل الشعري بمشاعر البوح والمعنى. خميرة الشاعر لابتكار شخوصه وتوظيفها في حياة أخرى بمساحات تحرر الواقع من قبضته، وترنو به إلى زوايا مفعمة بروح غامضة، أمكنة تسكننا بصمت القصور، لا يمكن معايشتها إلا بنص شعري يخترقنا من الداخل ويفك شيفرة إحساسات الواقع. إذن عبقرية المكان كيفما كانت بسيطة أو عميقة خطوة إلى متعة الروح في بيت الذاكرة الخصبة التي تلامس طفولة الأمكنة فينا وتحيلها إلى أنفاق من فراشات مضيئة لبراري الروح. كما يقول غاستون باشلار: «إن الأمكنة تخلق سحر القصيدة بحسيتها». ويعتقدها أرثر رامبو: «ملائكة يمنحوننا الوحي لأننا نتأملهم من خلال نافذة البحر غير عابئين بفوضى البحارة».
الشعر الذي يحيلنا إلى متعة الصفاء، معنى أن نكتشف وجوهنا بعد الموت ونعيد بناء الذاكرة، ومعنى أن نمشى بظل الأعمى بأجنحة طيور الضياء نحو فضاءات الروح .
الشاعر عبد الجواد العوفير تسكنه الأمكنة وعالمها الباذخ بالبؤس واليومي والأحلام المؤجلة. شاعر يدهشك بنبوءته للمكان الذي يعشقه لحد الهوس، والذي جعل من ديوان «ضحكات الكركي» سِفر العبور للزمن الضائع فينا.
المكان هو الحقيقة الثابتة في العالم، أما الزمن فهو لحظة من لحظات المصادفة. إن واقع الأمكنة الذي يعيش فيها، يفرض نفسه حتى على القصيدة. يتبين لنا، عبر انحيازه للكتابة الصفر المتحررة من اللغة، قصائده لا تملك بالضرورة خاصية تتماهى مع شعراء الخلود، بل تظهر كيف أن الكائن حاضر في أشكال مختلفة. فالإنسان الذي يكتب من أجله الشاعر يعيش في عالم متأزم، بحيث أن كل شيء محدد بمكان وزمان وفضاء. بوعي شعري يقدمه للاقتراب من العالم كي يعيد صياغته من جديد. يعلمنا بحكمة بوذا كيف نتنفس وكيف نجد الوقت لنمتلك جنون الأمكنة فينا.
عبد الجواد العوفير شاعر إشكالي في ديوانه الأخير «ضحكات الكركي». خلخل مفاهيم جديدة على مستوى الكتابة: المعنى والصورة الشعرية. يكتب المختلف بإيقاع العصر وبموسيقى تجريدية. لأن الشاعر يملك رصيدا من الثقافة تجعله قادراً على إبداع وخلق نماذج شعرية لا تقف عند حدود الوصف الخارجي، بل تسبر لنا الأعماق الإنسانية وتضيء جوانب معتمة في أغوار النفس البشرية، ليبثه للمتلقي بلغة تتناغم مع مقتضيات الحالة الوجودية، وهو يمتلك حسّاً عالياً باستثمار أدواته الشعرية التي أحدثت تماسكاً في رمزية وجمالية منفردة. العزلة /الوهم/الصداقة/الغياب/الحب/المرأة/الموت. ويحيلها بقعا ضوئية في شذرات تلتقط ثنايا تفكيكية لمواقف إنسانية لحياة عابرة.
الإحساس بالأمكنة:
فى الحقيقة كذبنا عليك
يا لوتريامون
نحن الخمسة، لم نكن آباءك
من تقاسمنا معك الأحلام المغشوشة
وكؤوس الشراب الرخيصة
حتى الطائر المنتفخ الأوداج
الذي اجتهدنا في إطلاق اسم سامق عليه
كان أكذوبة
رغم أنه كان يزور السفينة التي اشرعناها في خيالنا
هذا الضوء الماكر
في زاوية البار
هو من أنجبك يا لوتريامون
الضوء الذي نشعل فيه
سجائرنا بخفة، ونغيب.
(اعترافات للوتريامون)
يؤكد موقفه من هذا الاغتراب النفسي في أمكنة معينة داخل جسد مدن لا تشبهنا، المبني على الغموض والتلاشي في العلاقات الإنسانية والجحود وإقصاء الآخر، الذي لم يترك لنا سوى الفراغ في العلاقة مع أشيائنا الحميمة التي تؤثث ليوميات جميلة نحلم بها. وأصبح الإنسان على حد تعبير الفرنسي جون كوكتو: «أكذوبة تتقول الحقيقة». موقف صريح من شاعر يتبنى المواقف في علاقته مع الأشياء، يصرح أمام الجميع أننا نعيش وهما عاليا في زمن رخو أجل كل أحلامنا الإبداعية، لا يعرف قيمة الشعر وقوته في صنع الإنسان. ويكون فيها الشاعر حامل رؤية وضمير أمة ومستشرف أفقها المستقبلي، مع الحنين الدائم للحرية الداخلية، كما يقول نيتشه: «أن تكون حرا تماما وظهرك للحائط»، مغامرة ماكرة ليضع فيها القارئ في زاوية التعميم والاستقصاء من مواقفه المقبلة وفلسفته نحو الأشياء الكبرى التي نادى بها في ديوانه الأول «راعي الفراغ». وهي وليدة أفكار نسجها على صوف عنكبوت منعزل في مدينة الفراغ . لديه شجاعة الزمن الذي يعيشه ويأخذ مواقفه منه، بلغة شعرية معاصرة ذات رؤى دلالية، تترك مساحة للقارئ ليتعمق في نظرته للعالم، بصعوبة ترافقها لذة الاستكشاف أو الفهم. يخرج القصيدة من إطار الذاتية الضيقة لتكون ذات فضاء أرحب، كما قال نيتشه على الشعر:» من كل ما كتب لا أحب إلا ما كتب المرء بدمه». لكن مع التأمل الذكي نجد أن الشاعر يريدنا أن نصل إلى معان معاصرة تحاصرنا كل ليلة في جسد أمكنة ضائعة.. بلغة سهلة ذات كثافة عميقة في صياغة مفردة المستقبل وبتقنية معرفية تشد القارئ.
ضحكات طائر الكركي
تمنح صخبا لباب الأحد، هذا المساء.
تنورة المتسولة، كانت كافية
لنتخيل طائر كركي سعيد.
(الكركي)
بالمفردة الدالة والمختزلة لدلالات فلسفية في المكان والزمان تجعل المتلقي يدمج وعيه بمجرى النص الشعري ويتفاعل معه، ويجعل من القارئ الواعي مشاركا ليس فقط من خلال الاستنتاج أو البحث عن مفردة من الجملة الشعرية، بل يترك الصورة الشعرية تصل أحيانا إلى التقطيع السينمائي. الصورة داخل الصورة/تركيبة المونتاج، ما يمنح حميمية لدى القارئ على الرغم من تميز قصيدته بالاختزال.
سنحتسي كأسا
ونلوث هواء الغرفة بأفكارنا.
(شجرة عزلة في الغرفة)
كان فولتير يقول «العدو الأول للمسرح هو الملل»، وكذلك ينطبق هذا القول على كل الأجناس الإبداعية الأخرى، بما فيها الشعر، وكان الشاعر عبد الجواد العوفير واعيا لهذه الخاصية، وجعل التنوع والتفرد قيمة أساسا في ديوانه الأخير.
العزلة/ الغياب/ المرأة/ الحب/ الوهم/الموت/الغنائية/ الحلم/ الدعاء/ الآلهة..
لقد تعب القارئ العربي من فوضى الغموض (على قول ما لا يفهم) الغموض شيء والعمق شيء آخر، فالأعمال الكبيرة عميقة وليست غامضة. مهمة الشاعر أو المبدع عموما هو فك أسرار الغموض المضروب حولهم من قضاياهم الإنسانية الكبرى وحتى مشاعرهم اليومية البسيطة والمركبة:
معلمة الإنشاء
كانت ترتجف بين يديها الشمس
تنورتها الصغيرة علمتنا اللغة
وأنا الآن أنظر للشمس
تغيب التنورة
تغيب اللغة.
(لغة)
نحن نحتاج إلى قصيدة تمسك بأصابع مكسورة على جرح العتمة، الأمكنة فينا، وإن لم تكن قادرة على ذلك، فعلى الأقل تمضي بنا نحو مفاتيح تفك شيفرة المكان.
تحدث أشياء في الظلام
كأن نشم بيتنا يحترق
وليس هناك بيت غير أفكارنا
(ظلام)
القصيدة ابنة الحياة .. ابنة أحلامنا الصغيرة المجهضة وأحلامنا الكبيرة الضائعة، وأقصد أن كل القصائد الحقيقية هي قصائد تحريضية تحرض ضد الموت الذي يعاني منه الكائن البشري.
حياتي قصيرة مثل الآلهة
لكنني أفتح نافذة البيت لتدخل الأبدية
وتبقى وحيدة.
(موت صباحي صغير)
الأمكنة والعزلة
تبقى العزلة في زمن الاغتراب النفسي، من العسير استخدامها بوصفها مفهوما، من دون أن يكون للمعنى ظلاله ومن دون أن يكون سياق استخدامها مفتوحا على التأويل. تزرع فينا العزلة، الجمال الغريب والمخيف. تلد فينا الشعر الحقيقي وكذلك الطفل العزلة، وكما قال عمر الخيام: «تنكفئ الروح العميقة إلى العزلة».
العزلة عند الشاعر عبد الجواد العوفير: تربية ذاتية، سِفر لعبور إنسانيتنا وسط ضجيج اليومي المعاش. عزلة تتيح لنا الاشتغال على ذخيرة الذاكرة الموشومة بالسؤال. وتتماهى مع عزلة تتيح له إنتاج ذاته من جديد بأفكار تشاكس أحلامه المفقودة على وسادة غيمة عاقر.
كهوف العزلة في أمكنة متعددة أتاحت له التطهر من الحواجز الوهمية ورؤية العالم بعيون بلورية، منحته بصيرة الإبداع. تشبه حبه المغيب ورائحة السعادة البريئة في مدينة لا تشبهه. عزلته قدر جميل، اختيار واع، انطواء ممتع فيه قبس نبوءة جذور الآتي.
حينما أكون غائبا عن البيت
تستقبل العزلة أصدقائي الموتى
وتضاجعهم
واحدا
واحدا
(عزلة لبقة)
الأمكنة والآلهة
آهٍ، إلى كلّ شخصٍ وحيد: دون إله؛ دون معلم، حملُ الأيام مفزعٌ.
(ألبير كامو)
في أمكنة العزلة يصبح الشعراء الكهنة الجدد الذين يتلقون وحيا ملتبسا، هم أنبياء بلا مريدين لأنهم بخلاف أنبياء السماء الذي يتحدثون عن جنة ونار وعن فردوس خارج حدود وجوده. بينما الشاعر يكون جزءا لا ينفصل عن خياله، يعيد صياغته. مستوحيا منه رؤاه الشعرية بحس أسطوري يستشرف المستقبل. الشاعر الحامل للرؤي المتبصرة والمشحونة بالخيال هو شاعرٌ كونيٌّ يخاطب الإنسان.
في مقاربة إبستمولوجية جديدة مع مفهوم الله أو الإله بعلاقتنا به وعلاقته بنا بعيدا عن المفهوم الأسطوري أو الديني، أي خروج الآلهة من المعابد، يقدم الشاعر عبد الجواد العوفير نظرة إلى إله جديد يسكن الأمكنة التي يزورها ويبث فراغا للروح والغياب. إله يشبهنا ويتماهى معنا بأحلامنا، إله لبق وبسيط ينزل علينا من عليائه ليصاحبنا بأشيائه اليومية ويكون شريكا في أمكنة الوهم، إله يشبه الدعاء الصغير/ إله يشبه امرأة الجسد القديم..
أيكون لي شكل الله الآن؟
تقول المرأة وقد غادرها الجسد القديم
(سماء بضفيرتين)
تنفرد هذه التجربة الشعرية للشاعر عبد الجواد العوفير في ديوان «ضحكات الكركي» بثنائية وجودية تفكيكية للمكان ووحيه فيها. وعلاقة ديالكتيكية بين الشاعر وشخوصه في المكان. مما أعطانا مساحات من نصوص تخترقنا من الداخل، تجعلنا شهودا على عصر الأمكنة فينا بامتياز: صراع الأزمنة/ ثنائية الموت والحياة.
تتشكل وفق معمار شعري معاصر مختزل، يجعل القصيدة مكتنزة بصور ومعان ذات دلالات وجودية كبيرة، تحفزنا على اختراق قراءتها وفك رموزها. مدركا لآليات الكتابة الصفر، من حيث التأثير على المتلقي بخميرة لغوية غنية بمفاهيم جديدة على المستوى الابستمولوجي لفهم الذات والعالم، تصيبه بصدمة حضارية وتكسر بداخله رتابة الرؤية للمكان التقليدية وتعيده لصياغة مفاهيم جديدة مع المكان فيه.
كانت الموسيقى التجريدية في القصائد تخاطب الحواس بصور شعرية ترتقي بضائقته إلى حد التناغم التام مع الوجدان الإنساني فيه. رؤية تفكيكية كمرايا مقعرة للمكان بكل تناقضاته الجميلة، من دون إخفاء موقف العوفير من حقيقة المكان (تدوين المكان بعطر الخلود والموت) نبوءة بالمكان منصفة ومحققة للحرية الداخلية له وللمتلقي، حتى أصبحت نصوصه الشعرية ترانيم للإنسان المؤجل. إنسان يبحث عن فردوس مفقود لا يجده إلا بأقصى الروح، كما يقول هيدغر: «مصير العالم يعلن عن نفسه في أعمال الشّعراء، من دون أن يكون قد ظهر وتجلّى كتاريخ للوجود».
كاتب وتشكيلي مغربي
عبد الله الحيمر