اللبنانيون يهتفون «يسقط حكم الأزعر» في صيف النفايات بامتياز «طلعت ريحتكن» وغيره شعارات كسرت هيبة المسؤول فهل كانت موجودة؟

حجم الخط
1

بيروت ـ «القدس العربي»: صبية في نهاية العشرينيات، حملت يافطة ذات رسم لافت في مظاهرة رفض النفايات. ترافقنا معاً في الانسحاب مما تبقى بعد أن وصل التعبير إلى آخر مدى. رسم مميز لجسد مسؤول «كما يفترض» يرتدي بزته الرسمية، ويعتمر على رأسه البراز لماذا كل هذا؟ «لو تذهبين إلى حيث أسكن مع عائلتي في بشامون؟ تكاد النفايات أن تدخل إلينا من شرفاتنا. تركت أطفالي الثلاثة بعهدة والدتي وجئت للمشاركة. وفي كل تحرك سأكون. قررت أنا وزوجي البقاء في وطننا». هكذا تقول الصبية. تعرفت إليها أكثر. خريجة معهد الفنون ـ قسم الرسم، وتمتهن رسم كتب الأطفال، هي مايا فيداوي. وأمثالها كثر تشعرهم النفايات المنتشرة في كل مكان أن كرامتهم كبشر ممتهنة من قبل حكام قاصرين في عقولهم، أو هم يستغبون المواطنين. وهي الكارثة في الحالتين.
«طلعت ريحتكن» هل هو عنوان مطابق للمواصفات، وللمواطن حرية مخاطبة المسؤولين من خلاله؟ وجهات النظر تختلف حياله. الحراك الثاني في مواجهة المسؤولين عن النكد المتراكم في حياة اللبنانيين من النفايات، إلى ندرة الكهرباء والماء، جمع عددا ملفتاً من المواطنين. كبار وصغار، شباب وشيب، وبينهم عدد ملحوظ من أهل الفن والأدب ورجال دين.
«طلعت ريحتكن» من تنظيم ناشطين في العمل الاجتماعي والأهلي والبيئي، جمعوا عدداً من المحتجين في ساحة الشهداء. حشد مسببه الأول النفايات، حديث الصيف اللبناني بامتياز. الحلول معدومة، والسكان مستمرون في استهلاك الطعام وغيره. حمل المحتجون شعارات تنوعت بين السياسي، الاجتماعي، البيئي، والجنسي. ومنهم من لجأ لموهبة فنية، فتقنّع بصورة رأس مسؤول، ولبس كيس نفايات أسود. المحتجون في غاية الاشمئزاز من سلوك المسؤولين المتراكم بالسوء. مظلة «طلعت ريحتكن» هي الأساس. في جولة على الكلام المرفوع عبر الأيدي، ظهر أن المشاركين مارسوا حريتهم بكتابة ما يريدون مخاطبة المسؤول به، بما في ذلك عبارة جنسية ليست مطابقة لهكذا حضور، وإن كانت مطابقة لهكذا مسؤولين. الهتاف الأمثل الذي جاء مطابقاً للمواصفات: «يسقط حكم الأزعر».
وفي توثيق لبعض الشعارات: «مزبلة لبنان التوافقية ترحب بكم. فرقونا بريحة طيبة طلعت ريحتكن. كل طائفة تلم زبالتها من البرلمان. بدنا نتنفس حرية مش زبالة. حلّوها بقا ايدي وجعتني». وغيرها من الشعارات التي ملأت المكان بنبذ الطائفية، والمتمسكين بالطوائف للتحكم بحياة اللبنانيين. وقف الأب عبدو رعد باعتزاز وأمل بين المحتجين والغاضبين. وصفهم: «هؤلاء الشباب هم مستقبل لبنان. وصلنا لمرحلة من الذل والعار أصبح من العيب على كل من مواطن الامتناع عن المشاركة في هكذا تحرك من أجل كرامة الإنسان. لم تقم الحكومات بأي من واجباتها نحو المواطن، وتكافئهم بطمرهم بالنفايات. أقل المطلوب من هؤلاء الانسحاب ودعوة هؤلاء الشباب للحلول في الحكم مكانهم. الكرامة تدفع هؤلاء للإحتجاج لا طوائفهم. الطوائف التي تحترم ذاتها تعمل من أجل كرامة الإنسان، وبغير ذلك تكون أدياننا فاشلة كما حكامنا. الحمد لله أن هؤلاء الشباب يهتفون يسقط حكم الأزعر، ولم يعملوا لقتل الزعماء الذين نكّلوا بهم وبنا». قطع اجازته في بلدته الشمالية للمشاركة في التظاهرة «حملت عنواناً مطابقاً لحكامنا. علينا ان نتحرك بعد أن خدرتنا الطوائف والأحزاب الطائفية. كل من لديه مخ واجبه النزول إلى الشارع. الأمل كبير، وكل الأشياء تبدأ صغيرة، علينا اختراق حاجز الحكام الزعران أمراء الحرب الأهلية». هو كلام طلال ابراهيم صاحب شركة.
طفل وقف بين والديه وحمل يافطة «ما بدي أكبر بالزبالة». تقول يارسيك ساركيسيان: من الآن نعلم ابننا رفض الاهمال الذي يمارسه المسؤولون بحق الشعب. أقل حقوقنا أن نعيش مع النظافة. نحن رواد الأمل، وهذا ما تقوله سنوات الحروب الطويلة التي عشناها.
مسؤول حملة مقاطعة إسرائيل في لبنان الدكتور سماح ادريس جذبه الاحتجاج، وبخاصة الدعوة لإسقاط النظام الطائفي. نسأله عن الأمل؟ يقول: «أنتمي للقضية العادلة حتى لو انعدم الأمل. أتصور حراكاً يشكل بداية نحو مسار مختلف». والطوائف ليست قدراً بنظره. معظم الناس ضد حكم الطوائف، إنما يفشلون في تنظيم تحركهم. «للأسف القوى العلمانية التي يفرض أن تقود تحركاً بوجه الطوائف غير فاعلة الآن».
سيدة ستينية نشيطة جداً في حركتها تحمل يافطة كتب عليها «الحق مش ع بلدية بيروت الحق ع اللي انتخبوها». لا ترى فائدة لذكر اسمها بل لذكر رأيها المنصوص عنه باليافظة. تقول بأنها شاركت في حوالي 50 مظاهرة على مدار حياتها. «أشارك لأني دائما أحمل أملاً بالتغيير، حكم الطوائف لم يجعلني استسلم». نسألها عن مهنتها في الحياة: فقط أتظاهر وأناضل. ولاحقاً علمت من زميل مصور أنها من عائلة بيروتية عريقة، وعضو مجلس إدارة في مصرف كبير، وخالة وزير حمل حقيبة سيادية في الحكومة السابقة.
شاركت الفنانة التشكلية سهى صبّاغ في الحراك الأول «الناجح» في رأيها، وجذبها الحراك الثاني، إنما «طلعت بخذلان». في السياق تستغرب صبّاغ أن «يولعها» اللبنانيون استنكاراً عبر فيسبوك، وينكفئون عن النزول إلى الشارع؟ صبّاغ لا تمارس عملها حالياً «هل أرسم وأتنشق روائح النفايات طازجة تصلني من الشباك»؟ في تعثر آمالها من الحراك الثاني تقول: المطالب غير محددة. تمّ تحميل المسؤولية لأشخاص، فيما الجميع مسؤول ومذنب. بالسؤال عن تعبير فني للواقع اللبناني تقول: ثمة فكرة تختمر عندي.
من منظمي هذا الحراك المدني المخرج المسرحي لوسيان بو رجيلي، حمل في عنقه بطاقة تُعرّف عنه كمنظم. وقف يصغي للخطباء بانتباه شديد. «وصلنا إلى مرحلة لم يعد طبيعياً ملازمة منازلنا وبلدنا يُسرق، ومسؤوليه يعرّضون صحتنا للخطر. كذلك مستقبلنا جميعاً بخطر. ان لم نضح من أجل التغيير لن يكون لنا وطن». هكذا عبّر عن رأيه لنا.
الناشطة والباحثة في الفكر الاجتماعي والسياسي الدكتورة فهمية شرف الدين قرأت في توجه المواطن نحو المسؤول بالقول «طلعت ريحتكن» انطلاقاً من الزمان والمكان. «منذ اندلاع الثورات في البلدان العربية قبل أربع سنوات واللبنانيون رهينة الانتظار…لسنا بصدد اسقاط النظام السياسي، فهو إلى حد ما مقبول، مشكلته في عدم تطبيقه. السياسيون يتقنون الدفاع عن مصالحهم. الشباب المحتجون يضربون «البندورة» أو حجراً ويرفعون شعاراً، يعتقلون من قبل قوى الأمن يضربون «كفين» ويعادون إلى منازلهم، فليس في لبنان سجون سياسية. حالياً نحن في حالة حرب باردة، ومشكلتنا أننا لا نعترف بهذا الواقع. نعم كُسرت هيبة المسؤول، وهذا ما يحدث في الحروب. ليس عندنا هيبة دولة بالأساس. فقط القوى الأمنية تحافظ على حد أدنى مما يُسمى هيبة دولة. ما نشاهده في الشارع ناتج عن تخلي المسؤولين عن واجباتهم تجاه الناس. وهذه فضيحة فعلية، وإن كنت شخصياً لا أوافق على نوع وشكل المخاطبة. المطلوب هو الحوار للوصول إلى حلول بين المواطن والمسؤول. وتشير شرف الدين إلى المأزق الشخصي الذي يعيشه الشباب المتظاهرين لجهة «العلم والعمل».
لم تشارك شرف الدين في هذا الحراك. «في رأي كان يجب أن تكون الحملة أكبر. ضروري أن نعبر عن استيائنا من المسؤولين الذين شكلوا لجنة لمعالجة مشكلة النفايات بعد أن صارت جبالاً في بيروت وسواها من لبنان. لقد تخلّى المسؤولون كلياً عن الشعب، هم منشغلون بقضايا أخرى. في حين أن الشباب اختاروا الحراك في أمر محدد، وليس لي أن أكون معهم تحت هذا الشعار».
بين الهتاف بـ»يسقط حكم العسكر» عربياً، و»يسقط حكم الأزعر» لبنانياً أين يكمن الفرق أو المفارقة؟ الفرق شاسع، تقول شرف الدين. وتضيف: في البلدان العربية هناك «دكتاتورية النظام الذي شكل عصا الاستبداد في السياسة. في لبنان لا يدخل الجيش بيتاً دون أمر من النيابة العامة». وتضيف: نحن ندعو لإسقاط النظام الطائفي فيما دستورنا جيد لو تم تتطبيقه. يصعب الآن تحقيق أي من المطالب. نحن دون رئيس للجمهورية، وكذلك مع حكومة شبه معطلة. علينا الانتباه جيداً أننا في حالة حرب، وفي خلالها تحاول الشعوب وكذلك المسؤولين ايجاد وسيلة للعيش بأقل الخسائر الممكنة.
«ناقصنا زبالين تنلم زبالتنا… وكياس ملونين نستر فيها مصيبتنا… ببلاد الفرز الطائفي… والجيي يللي طايفي… هالعيشي ما بتنطاق … شو حلوي يا دولتنا… متنا». وللأغنية إضافة تفصيلية غنية ومعبرة جداً عن واقعنا. أغنية وصلت عبر مذياع المنصة في ختام الكلام المُعد ليُلقى على الجمهور. الصوت مجهول، والموسيقى جميلة. صبية تعتلي المنصة تجهل كاتب الكلام، ملحنه ومنشده. كيف وصلك اذاً؟ اعطوني «سي دي» ووضعته في اللابتوب؟ جواب يزيد الغموض. تكرر السؤال والإلحاح على أكثر من ناشط بتنظيم الحراك الشعبي، ولا جواب. بعد بحث كنت وجهاً لوجه مع الشاب الفنان سليمان زيدان. نعم أنا الكاتب، الملحن والمؤدي. قالها بخفر الشاب الذي يشق طريقة دون حروب من أجل الأنا. كيف ترضى أن يبث عملك وتعبك دون ذكر اسمك؟ المهم أن يصل الكلام. ليس هذا العمل الاجتماعي الاول لزيدان «لدي الكثير من النقد الاجتماعي، ولبعضه منحى فكاهي ساخر. نحن شعب مسلوب الحقوق. وكل منا بداخله شاعر يمكنه الكتابة و»فش» خلقه بما يبكي الحجر لشدة الممارسات اللامسؤولة التي يقوم بها المسؤولين بحقنا. وصل «سي دي» إلى منصة الحراك عبر صديقة لي سمعت الأغنية. شعر المعنيون أنها من وحي القضية التي نعيش فتمّ بثها. بدأت مع هذا الحراك، وسوف اتابع حتى نصل إلى نتيجة ويسقط «حكم الأزعر» دون أن يحل مكانه أزعر آخر. المشوار طويل وهذا ما يجب ادراكه. يخلص زيدان للقول.
في مكان آخر كانت الكلبة «لي لي» ترافق صاحبتها بانتظام خلال المسيرة، تتفقد من حولها باهتمام عبر النظر بكل الاتجاهات. تقول صاحبتها: «صارت مزعوجة من الريحة ولا ترغب بالنزول إلى الشارع». فهل صار لنا نصير مضاف؟
سواء كان الشعار «طلعت ريحتكن» أو سواه، من من شاركوا في الحراك في ساحة الشهداء، ينتظرون خطوات أخرى ترقى إلى الواقع المأزوم الذي يعيشه الشعب اللبناني مع حاكميه.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية