■ لنعترف، بلا مكابرة ولا مخاتلة، نحن في محنةٍ خانقة، عابرة للطوائف والمذاهب والمناطق. عنوان المحنة سلطة عاجزة بكل المعايير. عاجزة عن التفكير والتدبير والتقرير والتنفيذ. فإلى متى التخدير والتبرير وإهدار الوقت والفرص والطاقات وتعطيل الاستحقاقات وتعميق الآلام والمعاناة ؟
غالبية اللبنانيين الساحقة ساخطة، ثائرة، مجمعة على إدانة شبكة حاكمة تدير بالمحاصصة نظاماً فاسداً، متعفّناً ومتهاوياً، فإلى متى يحاول المكابرون إحياء العظام وهي رميم؟ فليعلنها المواطنون المتضررون، اذن، بالفم الملآن: إسقاط سلطة العجز استحقاق شعبي ودستوري في آن، وقد آن الأوان.
بعض المكابرين يتذرع بأحداث وتطورات تجري في الجوار والمنطقة ما يتطلّب الانتظار والتأني للإحاطة بنتائجها فيُبنى على الشيء مقتضاه. فهل المكابرون واثقون من أن النتيجة المتوخاه ستكون لصالحهم؟ وهل تأتي النتيجة – الدواء قبل أن يفارق العليل؟
بعضهم الآخر يثير مسألة الشرعية وضرورة التقيّد بأصولها وقواعدها كي لا يأتي التغيير المنشود مشوباً بعيب مخالفة الدستور، فيُطعن به ويجرّ الطعن مشاكل وذيولاً. فهل المعترضون شرعيون أصلاً وقد احتلوا سلطات ومراكز ومددّوا ولايتها لأنفسهم بأنفسهم؟ هل التمديد لمجلس النواب المنتهية ولايته وصلاحيتـه تدبير شرعي؟ وهل يجوز للوكيل (النائب) أن يمدد صلاحية وكالته إلى ما شاء، من دون رضى الموكل (الناخب)؟ وهل يجتمع مجلس النواب اصلاً لينهض بمسؤولياته وهو الذي يعطّل نفسه، حتى في «تشريع الضرورة»، بقرار معلن من نوابٍ ينادون بلاشرعية التشريع أثناء شغور رئاسة الجمهورية؟
الى متى تمدّد سلطة العجز لنفسها في جميع المؤسسات والمرافق العامة؟ هل اضحى العجز في مفهوم الشبكة الحاكمة طريقة حياة؟ لا غلوّ في الجهر بأعلى الأصوات بأن إسقاط سلطة العجز بات استحقاقاً شعبياً ودستورياً في آن، وأن الوفاء به يكون بالشارع وبالشعب او بغيره من التدابير الاستثنائية التي لا تتعارض مع احكام الدستور الاساسية. هو استحقاق شعبي بدلالة «العاميات» المنتفضة في شتى مناطق البلاد، احتجاجاً على سلطةٍ لا تتورع، بعد 17 عاماً من الفشل الذريع في معالجة مشكلة النفايات، عن اعتماد «حلول» لها من طراز المزيد من الشيء نفسه مع الحرص، طبعاً، على تقاسم الأرباح وفق صيغةٍ للمحاصصة مقدسة. وهو استحقاق شعبي بدلالة عودة «التيار الوطني الحر»، صاحب ثاني اكبر كتلة برلمانية لها نواب منتخبون في أربع من محافظات لبنان الخمس الأساسية، إلى الانتفاض ضد سلطة العجز والمحاصصة، طلباً للشراكة الوطنية الصحيحة في الحكم والإدارة والبرلمان ومقاومة «اسرائيل» والإرهاب.
وهو استحقاق شعبي سيتحوّل، بدعمٍ من قوى المقاومة وأنصارها، إلى «تسونامي» جارفة للفساد والمفسدين، خصوصاً اذا ما جرى اعتماد مطالب وطنية واجتماعية، وما اكثرها، في التحركات والتظاهرات والاعتصامات. وهو استحقاق دستوري لأنه يستلهم ارادة الشعب وروح الدستور واحكامه الاساسية، حتى لو اضطر الناهضون به من ابناء الشعب وقواه الوطنية إلى التمرد والعصيان. ذلك أن الدستور ينص في احكامه الاساسية على أن «لا شرعيـة لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك»، والحال أن الشبكة الحاكمة في جميع عهودهـا مارست، بآليات الطائفية والمحاصصة والفساد، سياسات وسلوكيات تناقض ميثاق العيش المشترك، ما حوّل البلاد والعباد فريسة العصبيات المذهبية والفئوية ومسرحاً لتنظيمات الإرهاب والعنف الاعمى. وهو استحقاق دستوري لأن الشبكة الحاكمة، بتنافسها المحموم على المكاسب والمغانم والأسلاب، عطّلت مؤسسات نظامٍ يُفترض أن يكون قائماً بموجب الفقرة «هـ» من الاحكام الاساسية للدستور، على «مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها». والحال ألا سلطـات قائمة، وإن قامت شكلاً فهي شاغرة فعلاً او معطّلة: رئاسة الجمهورية شاغرة منذ 450 يوماً ومجلس النواب عاجز عن ملء شغورها بشتى الاعذار، بل هو عاجز عن التشريع بفعل شتى الاجتهادات والتخريجات، ومجلس الوزراء عاجز عن التقرير بفعل تضارب المصالح والاختلاف على تقاسم الحصص والمغانم، والمجلس الدستوري معطَّل ومهمَل، والقضاء بطيء وعرضة لشتى الضغوط، والمرافق العامة معطَّلة او مقصّرِة في توفير خدماتها، فلا كهرباء، ولا معالجة لتراكم النفايات، ولا اتصالات متوافرة في الزمان والمكان، ولا أمن مستتب في كل المناطق والمرافق، ولا حدود للصفقات والارتكابات، ولا رقابة ولا محاسبة، بل لا ميزانية سنوية منذ عشر سنوات.
باختصار، النظام متهريء ومتهالك وآيل إلى السقوط، واللبنانيون بمختلف مذاهبهم ومشاربهم كفروا بالشبكة الحاكمة وباتوا أكثر قابلية للتمرد والعصيان.
رغم مشروعية إسقاط سلطة العجز وضرورته الماثلة، ثمة خيارٌ بديل ألطف وقعاً يمكن اعتماده إذا قدّم أهل السلطة الحكمةَ والمصلحة الوطنية على المكابرة والمصالح الشخصية. إنه خيار إجراء الانتخابات بالسرعة الممكنة بعد إقرار معجّل التنفيذ لمشروع قانون الانتخابات على اساس النسبية الذي أحالته حكومة نجيب ميقاتي إلى مجلس النواب منذ اكثر من ثلاث سنوات.
تجري الانتخابات، فيقوم برلمان جديد، ينتخب رئيس الجمهورية الجديد، وتنبثق منه حكومة جديدة قادرة على اتخاذ قرارات وإجراء اصلاحات وتعيينات مستحقة واستثنائية. اذا رفضت الشبكة الحاكمة إجراء الانتخابات لأي سبب من الأسباب، يكون الشعب وقواه الوطنية والاجتماعية الحية في حلٍّ من احترام سلطة عاجزة وممعنة في التزام سياسة التأجيل والتسويف والتمديد ومخالفة الدستور والقانون، ويكون إسقاطها بالتمرد والعصيان مشروعاً ومتوافقاً مع روح الدستور واحكامه الاساسية ذات الصلة، كما يكون بمأمن من تدخلاتٍ ميدانية للقوى الخارجية بسبب انشغالها بأزماتها وحروبها على مستوى المنطقة برمتها.
مع إسقاط سلطة العجز يعلن صانعو الحدث قيام مؤتمر وطني للحوار والقرار يترأسه، اذا اراد، رئيس مجلس النواب، ويكون مؤلفاً من اعضاء البرلمان وأغلبية وازنة من ممثلي القوى الوطنية الحية لمختلف الشرائح الاجتماعية في البلاد.
في ظروفٍ استثنائية كهذه، لا بد من اتخاذ تدابير استثنائية، لذلك يقرّ المؤتمر الوطني للحوار والقرار قانوناً ديمقراطياً للانتخابات على اساس التمثيل النسبي في دائرة واحدة تشمل البلاد برمتها، تطبيقاً لروح المادة 27 من الدستور، وتنبثق من البرلمان الجديد المنتخب ذي الطابع التأسيسي حكومة وطنية جامعة تكون مهمتها تطبيق احكام الدستور، ولاسيما المادة 22 التي تقضي بأنه «مع انتخاب اول مجلس نواب على اساس وطني لاطائفي يُستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية»، وتطبيق المادة 95 التي تقضي باتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية. كذلك يكون في وسعها إجراء حزمة من الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والتعيينات الادارية والامنية المستحقة.
لا يجوز بعد كل ما جرى ويجري من انحرافات وارتكابات وسرقات ومفاسد واستبداد وانتهاك للحريات وحقوق الإنسان أن نعالج الازمات المزمنة المتناسلة بمزيد من التسويات والمحاصصات والصفقات الشائنة.
فلنحطم قيود الطائفية البغيضة ولنهدم تقاليد المحاصصة بلا هوادة ، ولنشيّد ركائز الدولة المدنية الديمقراطية بإرادة حرة وصبرٍ وتصميم، مرةً والى الأبد.
٭ كاتب لبناني
د. عصام نعمان