أتذكرُ المكان جيداً وتفاصيل اللقاء المفاجئ، الذي باغتنا ذات ليل في سنة 2007، وكانت الشمس تفترش سماء أبو ظبي بضوئها الكامل والمتكامل، وأنت على موعدٍ مع الشعر فيها، كانت المرة الأولى التي ألتقي فيها محمود درويش وجهاً لوجهٍ، في منتصف الليل وفي بهو الفندق البحري، حيث كان القلب يشي بقدومهِ وينتظر موعد لقائنا هناك، كنت أنا وصديقي يومها نعدٌّ الدقائق والساعات وندرس كيف سوف نهرب من العمل نهاراً لكي نكون هناك في الوقت المناسب، وقد علمنا أن محمود درويش سيأتي بعد الظهر إلى الفندق الأقرب إلى منطقتنا لكي يستريح يوماً أو يومين، ليبدأ امسيتهُ في اليوم التالي. هناكَ كان النسيم خفيفاً يأتي من جهةِ البحر إلينا ونحن شاردين في المكان وفي الشعر وقامة درويش المنتظر دوماً ونسأل في كل حين «أتى لم يأت»؟ لعلّهُ تأخر قليلاً في الطريق الساحلي المطلِّ على المدينة، كلّما نظرتُ في ساعتي سألتُ الغياب: أين أنت يا درويش؟ أين أنت؟ غيابكَ يشعلُ فينا نار التوجّس من المجهول، ربما لن يأتي اليوم وقد تأجل اللقاء إلى الغد، قال صديقي الذي يرافقني: كل الاحتمالات ممكنة، لكنني سأرى درويش شخصيّا، سأراهُ وأجلس معهُ هنا في بهو الفندق والآن، هكذا قلتُ: سنراهُ، وانتظر الليل كلّهُ لعلّهُ يأتي، كم الساعةُ الآن؟ قال التاسعة مساء، يا صاحبي الكلمات تنهشني من ثناياي وتحرّضني على الكتابة، الكلمات تختفي وتظهر في نفسي كأنها قصيدة تولدُ وتولدُ من رحم البحر الواسع، ما شكلُ هذا اليوم الخارج من رغبةٍ جامحةٍ إلى فرحٍ مؤجل.
دخل درويش من باب الفندق وحيداً لا حقيبة في يدهِ، بطيئاً خفيفاً لطيفاً كنسمةٍ عابرةٍ من البحر إلى الفندق لم يرنا ولم ينتبه إلى أننا مشتعلون بهِ، قال الرجل الذي كان أمامنا لدرويش: سيدي هؤلاء الشباب ينتظرونكَ «من المغرب» فاستغرب درويش وقال لهُ: أتوا من المغرب من أجلي فقط ؟ قال الرجل لا، هم ينتظرون من وقت المغرب، ضحكنا معاً نحن ودرويش وقال انتظرتم والآن أتيت، كان وجههُ كالقمر الخارج توّاً من السماء أبيضَ أبيضَ وابتسامتهُ الشاعرية الخجلى كأنها بيتٌ سلسٌ في قصيدة فرحٍ نسبي.
ليس في وسعنا سوى أننا وقفنا أمامهُ ونحن نلقي السلام عليه واقفين جنباً إلى جنبٍ كأننا حذرين من ازعاجهِ فقلنا لهُ: لا بأس علينا، يمكنك أن تستريح في غرفتك ونأتي في وقتٍ لاحقٍ، قال: لا، وأصرّ على بقائنا معهُ وقد طلب منّا أن نشرب قهوتنا معهُ في مقهى الفندق، فقلنا لهُ لا بأس الساعة الآن 12 ليلاً، قال وما المشكلة؟ فجلسنا متأملين درويش وهو يتحرّك أمامنا كطيرٍ يعانق شجر الليل على مرمى من هواءٍ بحريٍ وريشهُ يرقص، وكنّا نقول مع أنفسنا، ما أجمل هذا الطائر الساحر بصوته العذب وروحهُ الخفّاقة، يا لهُ من شاعرٍ رائعٍ على هذه الأرض.
والسؤال هنا: هل فهمنا درويش؟ وهل نحن نستحق درويش الغائب الحاضر فينا؟ لا سؤال يخرجُ منّي لهُ سوى نحبّك كم نحبك فيردُّ: شكراً، شكراً… لا كلام، لا صمت، لا شرود، لا هبوب، سوى درويش الذي يسأل ويصمت: ماذا تفعلون في هذه الحياة؟ أجبتُ نكتب، قال: ماذا؟ قلتُ أنا أكتب الشعر وصديقي يكتب المقالة والنثر، قال موفقين.
دار إليّ وقال: ما الشعر الذي تكتبهُ؟ قلتُ مرتبكاً منهُ، شعر التفعيلة أجاب غاضباً: أرجوك لا تقل شعر التفعيلة ليس هناك من شعر يسمّى التفعيلة، الشعر هو الشعر فقط، لا تفسير ولا نقاش، قلتُ : كيف إنهُ التفعيلة، فلم يردّ قليلاً، ثم عاد وقال: أنت لا تقصد السيمفونية لكي تقول إنها شعر تفعيلة، قل أكتب الشعر فقط، قلتُ له حسناً أستاذي، لا أكتب شيئاً سوى أنّني أحبّكَ.
الليل يمشي معنا كهدوء الشعر، أنا وصديقي نعسنا قليلاً، ثم وقف درويش وقال: تصبحون على خير، أريد الصعود إلى غرفتي، صافحنا سريعاً وغاب.
ولكنّهُ لم يغب عن حدسنا الناري ومن حبّنا لهُ ولشعرهِ المرابط فينا كلّما خطرت في البال قصيدة يلمع وجههُ القمريّ فينا، لم يغب كالغياب ولكنّهُ حضر ليس كالحضور الواقعيّ فينا، نعسنا كأنّنا ننام ونحن نخرجُ ويوقظنا درويش من فكرةٍ في الرأس، لم نفهم درويش جيداً، لو نفهم حكمة درويش الباقية، نريد الابتعاد عن أسلوب درويش وعن صوت درويش وعن هيئة درويش لكي نقترب في ما يشبهنا في الشعر واحتراماً لقامة درويش نتعلم منهُ ولكن لا نكرّرهُ، فاصعد يا درويش لتستريح هناك ونحن فلنكمل طريقنا إلى البيت بعد هذا اللقاء السريع واليوم الاحتفالي بك، لا تتأخر علينا في لقائك المقبل، لا تبتعد أكثر عنا أيّها الباقي فينا مثل الضوء ينيرُ درب الحقيقة إلى مبتغاها، لم يمت درويش تماماً هو مازال في قلب النص يُحلّق بخيالهِ الواسع ورؤيتهِ الكبرى سيرتهِ هي كسيرة شعبٍ كاملٍ وقضيّتهِ هي قضيتنا الكبرى «فلسطين» الذي يشبهها كثيراً وهو الرافع رايتها واسمها ومكانتها في العالم، سلامي عليك أيّها النابض في قلب اللغة.
فقدناهُ وطناً وشمساً ونحن نحتاجُ إليه دوماً في هذا الزمان الليل، محمود درويش.. سميح القاسم.. ما أوحش هذا الغياب وفي هذا الوقت بالذات، في هذه الذكرى التي تطلّ علينا في كل سنةٍ ونحن نلمّ جراحنا فوق الأرض، الأرض التي تستحق الحياة كما قال عنها درويش ذات منفى، لو تعلم يا درويش كم اتسع هذا المنفى فينا وكم ابتعدت الأرض عنا، لو تعلم ما حل فينا يا درويش، لو تعلم.
كاتب فلسطيني
باسل عبد العال