ديكتاتورية الأغلبية وديمقراطية الأخ الأكبر

حجم الخط
0

لا يمكن فصل ما يحدث في العراق حاليا عما يحصل في المنطقة من ثورات عربية أطاحت بدكتاتوريات عتيدة وجاءت ياحزاب إسلامية راديكالية للحكم، بيد أن الوضع في العراق يختلف عن مثيلاته في الدول العربية للتنوع القومي والمذهبي الذي يمتاز به . فالتنوع العرقي والطائفي في العراق موزع بشكل يجعل لكل مكون فيه القدرة على المضي باتجاه يرسخ انتمائه بمعزل عن الأطراف الأخرى، والتوزيع الجغرافي لهذه المكونات وتمركز كل منها في مناطق شاسعة لتشكل فيها الأغلبية وامتلاك كل منها لعمق ستراتيجي له خارج حدود العراق كل ذلك يجعل من الصعب على أي طرف السيطرة على الأطراف الأخرى. مع قصر عهد العراق بالديمقراطية والعملية الانتخابية إلا انه وبنظرة سريعة على الأحداث منذ الإطاحة بحكم صدام حسين ولحد الآن نستنتج أن الحكومة العراقية( الشيعية الصبغة) والتي يمكن تسميتها بحكومة الائتلاف الوطني اختلقت أزمات كثيرة مع المكونين الكردي والسني العربي. وان كانت الأزمات بين حكومة المركز وإقليم كردستان قد أصبحت سمة من سمات العملية السياسة العراقية إلا أن ما تشهده بعض المدن العراقية حاليا من هبة للشارع السني ضد هذه الحكومة تعتبر بداية لازمة من نوع خاص لا يمكن التنبؤ بمجرياتها ولا نتائجها. فما الذي دفع بالشارع السني للخروج والتظاهر للانقلاب على وضع مضى عليه ما يقارب العشر سنوات منذ بدء العملية السياسية بشكلها الحالي؟ أتصور أن هناك سببان رئيسيان أديا بالشارع السني للخروج عن طاعة الحكومة الحالية وإعلان العصيان المدني رفضا للواقع المعاش وهما:- استغلال التجربة الديمقراطية لتكون حسب مقاس مكون واحد- ممارسة دكتاتورية الأغلبية بشكل عام لا يمكن حصر فكرة الديمقراطية في انتخاب الشعوب لمن يحكمها واعتبار الانتخابات هذه صكا موقعا من قبل الشعب يعطي الحاكم الحق في التصرف كما يشاء في مقدرات البلد. فوجود مكون يمثل الأغلبية (في العراق) يعتمد في أساس تكوينه على طرح مذهبي خاص به لا يعطيه الحق في لعب دور الوصي على كل المكونات الأخرى التي تختلف معه حتى فيما يتعلق بإدارة الشئون السياسية العامة كونه ينظر للسياسة من خلال الرؤية المذهبية له و التي لا يشاركها فيها بقية مكونات المجتمع. فالأحزاب الشيعية التي تسيطر على الحكم في العراق تعتمد في أفكارها على طرح ديني استطاع من خلاله حشد الشارع حوله في كل الانتخابات التي جرت في العراق منذ الألفين وثلاثة ولحد الآن وتقوقعت في ائتلاف سمته بالائتلاف الوطني ضمت الأحزاب الشيعية المتبنية لهذا الطرح المذهبي وبعض التيارات العلمانية في الشارع الشيعي، وهنا لابد من الإشارة إلى أن تعبير (علماني شيعي) هو تعبير سياسي غير صحيح كون المذهب الشيعي في أساسه مبني على فكرة إمامة الدولة وقيادتها من قبل جهة دينية، وهكذا فإما أن نقول علماني (وحسب) أو أن تعبير علماني شيعي هو كفر بقاموس المصطلحات السياسية لا يجوز ذكره. إن وجود الائتلاف الوطني بهذه الكيفية ونجاحه في استغلال العاطفة المذهبية للشارع الشيعي وافتقار هذا الشارع (الذي يمثل الأغلبية في العراق) لأحزاب علمانية سياسية جعلت من أجراء أي عملية انتخابية مستقبلا بمثابة هراء سياسي.وكان الأجدى بحكومة الائتلاف الوطني أن تستغل التنوع الطائفي والعرقي في العراق ليصب في الصالح الوطني العام وتدشين علاقات جيدة مع الدول السنية العربية من خلال المكون السني العربي في العراق مع الحفاظ على علاقات جيدة مع إيران وكذلك استغلال التجربة الكردية في العراق وتطبيقها في كل العراق والعمل من خلال الإقليم على نسج شبكة العلاقات الاقتصادية المعقدة مع دول العالم اقتصاديا. لكن ما لاحظناه إن المركز توجه لخلق حالة من الصراع الغير مبرر مع كلا الطرفين والعمل على خنق أي حالة تكاملية معهما. الائتلاف الوطني مطالب الآن أكثر من أي وقت مضى بإدراك أن الظروف الدولية والإقليمية قد تغيرت ولا يمكن العمل وفق مبدأ الأخ الأكبر في الشأن الداخلي للعراق، فقانون الأغلبية والأقلية لا يحسب بلغة الأرقام بل بالتأثير السياسي والقدرة على خلق الحالة الموجبة للدفع بالدولة في اتجاه ديمقراطي حقيقي بعيد عن الطروحات المتشنجة، والخلاف السياسي عندما يكون بعيدا عن التمذهب يكون شاملا لكل العراق بين معارض وموالي بينما التمذهب يجعل من العراق قطعا منفصلة سياسيا تكون فيها المعارضة والموالاة محددة بالانتماء إليها لا إلى الاختلاف الفكري للرؤى كما في الاختلاف السياسي.انس محمود الشيخ مظهر – كردستان العراق [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية