في ذكرى انطلاق ‘القدس العربي’

حجم الخط
1

في عدد الأمس من ‘القدس العربي’ كتب صديقي عبد الباري عطوان، مقالته السنوية في ذكرى إطلاق صحيفته، التي سلخت من العمر أربعا وعشرين سنة، فدخلت عامها الخامس والعشرين. وحقّ للزميل المثابر، أن يفخر بما تأسس للصحيفة، من حضور، بدأ ورقياً وحيثما أمكن التوزيع، ثم استطال واتسع، عبر الشبكة العنكبوتية، ليعم الدنيا كلها، إذ باتت الصحيفة، في متناول القارئ العربي أينما كان، فضلاً عن إحراز ‘القدس العربي’ مكانتها، كمصدر تغذية لعدد كبير من المواقع والصحف الإلكترونية.
مرّ على صفحات هذه الجريدة، كتّاب من كل الأصقاع العربية، وصل الكثيرون منهم، فيما بعد، الى مواقع أو مراكز سياسية متقدمة في أوطانهم، منهم من أصبح رئيساً للوزراء أو وزيراً للخارجية، أو رئيساً للجمهورية كالمنصف المرزوقي.
ففي الوقت الذي كانت تُرمى فيه الصحيفة، بجريرة خطها التحريري، بالتبعية للعراق، فيما هي تنطلق من رؤية قومية بوصلتها الحرص على عدم فتح بطون الأوطان، كان رموز المعارضة العراقية الذين يحكم بعضهم الآن، يجدون فيها متنفساً للتعبير عن آرائهم، دونما كابح طائفي أو عرقي، فقد كان هوشيار زيباري، وزير الخارجية الآن، من كتابها الدائمين، وكان يكتب نوري المالكي بين الحين والآخر. وفي الحقيقة، أغفل عبد الباري في مقالته، الحديث عن قدرته الباهرة على تحمل التخرصات والأقاويل الجزافية التي تناولت شخصه وصحيفته، ومعظمها كان يدور حول مصادر التمويل، باستفهامات تقريرية حول قدرة الصحيفة على الاستمرار بغير أحجام تمويل معتبرة. فالرجل ظل يتمثل المنطق الذي كرّسه العاملون الإنكليز في الصحافة، وهو يساكنهم بلدهم: إن من يكترث بثرثرات ردود الأفعال الحانقة، ويلتفت الى الوراء، لن يتمكن من العمل في اليوم التالي. كأنما صديقي قد تأبط فكرة بسيطة اعتبرها أكثر من كافية، لكي يحافظ على رباطة جأشه، وهي أن ‘القدس العربي’ مقروءة بامتياز من قبل من يخالفونها الرأي، بقدر ما هي مقروءة ممن يماثلونها في الوجهة والرؤية والموقف. إن رباطة الجأش هذه، هي قيمة فلسفية مهمة. وليس من قبيل الصدفة، أن تكون المفردة اللغوية الدالة على رباطة الجأش، بالإنكليزية، هي نفسها الدالة على الفلسفة من حيث هي يقين أو رؤية، يلتزم بها صاحبها. فوصف أي عمل أو موقف، بأنه يتسم برباطة جأش، هو Phillosophic.
مع انطلاقة ‘القدس العربي’ بدأ الفقير الى الله كاتب هذه السطور مواكبته لها، مدفوعاً بمحبة للإعلام الحر المستقل، وبمشاعر الحب لهذه المهنة النبيلة إن كانت ذات رسالة. وكان لعبد الباري وجهته الصائبة، التي حرص خلالها على ألا تنحصر الصحيفة في الشأن الفلسطيني، باعتبار أن واقع فلسطين، هو محصلة واقع الأمة في أوطانها، وهنا تتجلى الروح القومية في الممارسة الإعلامية.
في سياق رحلة الصحيفة، نشأت وتعمقت صداقتي لعبد الباري، ومرت هذه الصداقة التي لم تنقطع، بظروف صعبة موضوعياً. فقد كان الشهيد الرمز والزعيم الوطني ياسر عرفات، هو مظلة الانطلاق، وقد سبق ذلك الانطلاق، لقاء تحضيري مع أمير الشهداء (أبو جهاد). وما هي إلا سنوات قليلة، حتى مرّت القيادة الفلسطينية بظروف مالية عسيرة، لم تستطع خلالها تلبية المتطلبات المتواضعة لإصدار الصحيفة، ما جعل عبد الباري يعاني في تدبر أموره مع المطبعة ومع شركة التوزيع، ومع أجور مجموعته الصغيرة من العاملين في المقر المتواضع للصحيفة، وحيثما يكمن أمجد ناصر، الشاعر والمحرر الثقافي البديع، في غرفة أشبه بكُشك ضيق لبيع المثلجات، أو بالمساحة المتاحة أسفل ‘دَرجْ’ بناية صغيرة. ومع بدء عملية ‘أوسلو’ للتسوية، هجم على ‘القدس العربي’ نفرٌ من المتنفذين المتحمسين لما كانوا يسمونه ‘السلام’ وكانوا يظنون أن أبا عمار يعتنق هذا المنحى ولا يؤمن بسواه، فبدا أنهم لا يعرفون ياسر عرفات وإن كانوا قريبين منه. فمخالفة الرأي الرسمي الفلسطيني، عند هؤلاء، يؤخذ باعتباره خصومة. لكن الزعيم الوطني، كان يرى في الصوت المضاد لسياقه السياسي، عنصر إضافة مهماً، طالما أنه لا ينطلق من معسكرات الخصوم التاريخيين للحركة الوطنية الفلسطينية. وفي الحقيقة، لم يتأثر موقف ياسر عرفات من ‘القدس العربي’ ولا من رئيس تحريرها ولا من كتابها الرئيسيين وكنت واحداً منهم. ومثلما أشار عبد الباري في مقالته، فقد كانت آراؤنا منطقية وقائمة على تحليل موضوعي، فلا تنـزع الى التخوين، ولا تتوخى سوى النُصح والتنبيه. وأستذكر في هذا المقام، كيف كنت أتوقع ردة فعل غاضبة من أبي عمّار، كلما زادت جرعة النقد في مقالتي لمسار ‘أوسلو’ العقيم. كنت أسست موقفي على فرضية هندسية بسيطة، حسمت بها مسألة الصدقية لهذه العملية المخادعة. قوام هذه الفرضية، أن حل النزاعات المعقدة والتاريخية، لن يتاح لمريدي الحل، حين تنقلب الأولويات، بحيث يُصار الى التنفيذ بالجملة بينما الحل نفسه بالقطاعي. فقد جرى ضخ ‘المنظمة’ بكادرها ومؤسساتها وناسها، الى بُنية السلطة، بينما هذه الأخيرة تنتظر الخطوة التالية وصولاً الى الخطوة الألف. المنطق يقول أن يُصار الى رسم خطة الحل، من ألفها الى يائها، بحيث تستجيب ولو الى الحد الأدنى من الثوابت الوطنية، فتنعقد صفقة الحل بالجملة، على أن يكون التنفيذ هو الذي بالقطاعي، أي خطوة خطوة، حسب خارطة طريق مرسوم وملزم. لقد قلت هذا لأبي عمار شفاهة، ووافقني عليه قائلاً: وماذا أفعل، حليفك الدولي تفكك وانهار، وحليفك العربي هزم نفسه، وكان يقصد الاتحاد السوفييتي والعراق.
لا مجال في هذه المساحة، لأن أكتب كل شيء مرّ في علاقتي مع عبد الباري ومع ‘القدس العربي’. فمع دخول الصحيفة عامها الخامس والعشرين، أتذكر المعاناة والمغالبة التي عشتها على هذا الصعيد، وأتذكر ظروفاً صعبة جعلتنا، عبد الباري وأنا، ذات يوم، ننام في فندق باريسي متواضع، وفي حجرة صغيرة واحدة، وعلى سريرين مفردين متلاصقيْن حُكما، لينطلق شخيرانا معاً، بعد يوم من المشي المرهق على أرجلنا، ثم ‘يطفش’ عبد الباري الى لا مكان في الحجرة الصغيرة.
لقد صمدت ‘القدس العربي’ في مواجهة الأعاصير. استفادت قليلاً في بعض أيامها، من رياء بعض رجالات السلطة العربية لها. مدوا لها حبل الوداد، وظنوا أنهم سيؤثرون في خطها التحريري لتتبدى على هواهم، لكنهم فشلوا بامتياز، وتبدل ودادهم الى حنق وجفاء.
في مناسبة ذكراها، اقدر بامتنان كبير، أن أتاحت لي ‘القدس العربي’ ضخ ذوب الروح وتسجيل الموقف الوطني الذي اعتقدت أنه الصائب، وأحسب أن كل ما كتبناه كان مثلما اعتقدنا، وقد برهنت الأيام على ذلك.

‘ كاتب وسياسي فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية