مفارقة اساسية تراجيدية في التفكير بالجنس البشري تتصل بأعمال فظيعة، يقتنع منفذوها أنهم أكثر علوا من الناحية الاخلاقية. قتل «الكفار»، تدمير «الآخرين» استخدام «الدونيين» كعبيد. هذه الامور لا تنبع من السادية المجردة بل تعتبر مبررة واخلاقية من منفذيها.
الاستعداد للموت والقتل من اجل الايمان له ايجابية ايضا. على مر التاريخ البشري ساهم هذا الاستعداد في تحقيق الاهداف السامية، ومنها اقامة دولة اسرائيل. إلا أن الفرق بين الاهداف السامية وبين الفظاعة لا يمكن محاكمته بشكل عقلاني، بل هو مرتبط بالايمان الشخصي والجماعي. هنا تكمن حرية الاختيار والمسؤولية الاخلاقية لبني البشر. فهم هذه الحقيقة الاساسية مهم لفهم عمق الصراع الاسرائيلي العربي والتطرف اليهودي في اسرائيل. لا يجب الاستغراب من وجود تطرف كهذا في البلاد، ومن لم يتوقع ذلك فانه لا يفهم العمليات الاجتماعية.
الصهيونية، على أساسها اليهودي، هي حركة اصولية متطرفة. جوهرها بعيد عن التطرف، لكن حركة تلتصق بالايديولوجيا المطلبية هي ايضا دفيئة للتطرف. يضاف إلى ذلك الاحداث المهمة لاقامة الدولة وانجازاتها الكبيرة، بما في ذلك «معجزة» حرب الايام الستة، احتلال اجزاء من ارض الميعاد وتحرير القدس ـ الامر الذي أوجد عادات روحانية والايمان المسيحاني. ايضا الصراع المتواصل مع الاصولية والتطرف العربي ويشمل ذلك الإرهاب، عزز هذا التطرف.
كل ذلك تسبب في ظهور المتطرفين اليهود الذين يعتبرون مبادئهم مطلقة وملزمة أكثر من قوانين الدولة والديمقراطية. ومن يؤيد مباديء غير هذه يعتبرونه عدوا وخائنا. قبل حرب الايام الستة تحدثت مجموعات هامشية فقط عن حرب مفتعلة لتحرير ارض الآباء من السلطة الاجنبية. إلا أن الاحتلال حوّل حلم ارض اسرائيل الكاملة إلى موضوع عملي يغذي الاصولية والتطرف.
المقارنة مع فرنسا هي مسألة مهمة وملفتة: عندما أصبح موضوع الجزائر فعليا، تسبب بنشوء الاصولية والتطرف والاعمال المتطرفة ضد «الاعداء والخونة» وزعزعة الرسمية. أما في اسرائيل فان كل طرف اصولي يعمل على خلق وقائع تُصعب على الحسم الذي يناقض موقفه. على سبيل المثال استيطان «فتيان التلال» من اليمين ونقل المعلومات إلى جهات اجنبية من اليسار، تتسبب بالضغط على دولة اسرائيل. يضاف إلى ذلك اعمال الإرهاب اليهودي التي يتوقع أن تزداد كلما طرح مستقبل يهودا والسامرة والقدس وأصبح موضوعا للحسم.
كل ذلك يوضح لماذا ما زالت الاجراءات ضد الاصوليين المتطرفين من غير فائدة حقيقية. جهود الاقناع العقلانية والردع بواسطة القوانين وتشديد العقوبات وابعاد هذا القائد المتطرف أو ذاك عن الساحة الجماهيرية وهكذا دواليك ـ كل ذلك من غير فائدة في مقابل المباديء التي يوجد لها مغزى عملي. لهذا فان اجراءات الاجهزة الامنية وتشديد القوانين ضد الاعمال الإرهابية اليهودية لن تفيد كثيرا. وفقط «تحييد» جميع النشطاء الاصوليين ومؤيديهم من شأنه قليص الاعمال المتطرفة. لكن اجراء كهذا غير وارد في اسرائيل الديمقراطية إلا في حالات الطواريء.
من هنا تنشأ الضرورة لـ «المعالجة من الجذور»، وهي: التخلص من الموضوع الذي يركز عليه المتطرف اليهودي، من خلال حسم واضح ونهائي لمستقبل المناطق. عندما أخرج شارل ديغول فرنسا من الجزائر كانت هناك نقاشات شديدة واتهامات متبادلة، لكن لم يكن مغزى عملي ولهذا توقفت. وبشكل مشابه، فان حسم سريع وواضح في اطار عملية السلام حول «ارض اسرائيل الكاملة»، وبهذا سيُسحب البساط من تحت المواقف المتناقضة الامر الذي سيؤدي إلى اندثار الاصولية اليهودية.
هناك مجالات المراوحة تناسبها، والجوهر اليهودي للدولة هو موضوع مختلف فيه لدرجة الاصولية والتطرف من قبل البعض، لكن هذا الموضوع غير قابل للحسم، بل العلاج عن طريق الحلول الوسط. والحسم الشامل هو موضوع للاجيال القادمة. لكن هذا يختلف عن موضوع ارض اسرائيل الكاملة الذي تشجع المراوحة فيه التطرف والاصولية اليهودية.
الخلاصة واضحة: المراوحة المستمرة ـ المسماة ادارة الصراع ـ اضافة إلى الاشكالية السياسية الامنية للصراع التي ينبعث منها سم الاصولية والتطرف للمجتمع الاسرائيلي. والطريق لمواجهة ذلك هي الحسم الواضح والمصمم حول مستقبل يهودا والسامرة والقدس في اطار عملية سلام شامل. إن حسم كهذا سيؤدي في المدى القريب إلى ردود متطرفة من «الطرف الخاسر». وهناك حاجة للاستعداد إلى ذلك، لكن كلما كان الحسم مصمما فان التطرف العملي سيتراجع بشكل أسرع بسبب «التقادم».
هآرتس 17/8/2015
يحزقيل درور