أنصُرْ أخَاك ظالِماً أو مظْلُوماً

حجم الخط
1

‘ما زال النقد خاضعاً لآلية العلاقة الشخصية، صداقة أو عداوة، سلباً أو إيجاباً. ‘أنصر أخاك ظالماً أو مظلوما’: هذا القانون القبلي هو نفسه لا يزال يوجه النقد السائد. ويعمق هذا القانون ويرسخه الوضع السياسي العربي وما يؤدي إليه من التزلف والمداهنة، طمعاً أو خوفاً. فهناك، مثلاً، شعراء لا يسمح بالكتابة عنهم إلا إذا كانت شتيمةً أو تجريحاً’. الكلام لأدونيس، وهو يعود للعام 1977. وهو نفسه ما سيُعيد التأكيد عليه، في حوار آخر، نُشِر في السنة نفسها، لكن هذه المرة سيُضيف في هذا الحوار ظاهرة أخرى، لم يكن أشار إليها من قبل، وهي، كما يقول، وُجود ‘أشخاص يختلقون شعراً، أو ‘يفبركون’ شعراء لكي يحاربوا بهم’.

هل ابْتَعَد النقد اليوم، أي بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة، عن هذا الكلام، وعن هذه الحلقية القبلية، و هذاالتَّزَلُّف والمُداهَنَة السِّيَاسِيَيْن، ومن الشتيمة والتجريح؟ وهل اختلاق ‘شُعراء’ و’شاعرات’، وفبركتهم، لاستعمالهم كأدوات للحرب والقتل، انتهى عند هذا الحد الذي أشار إليه أدونيس في حينه؟

لا شيء تغيَّر، بل إن النقد ازداد سوءاً، وأصبح الناقد خادماً عند الشَّاعِر، يستعمله متى شاء، ويأمره بالكتابة وفق شروط محددة، وفي أوقات وسياقات، لا يختارها الناقد، بل الشَّاعِر هو من يختارها، فالناقد صار سلاحاً في يد الشَّاعر، أو في يد المؤسسة الثقافية أو الشِّعرية، التي باتت هي الأخرى تفرض شعراء ونُقَّاد مُحَدَّدِين، بما تُغدقه عليهم من غنائم النشر، والسفر، واللقاءات التي لم تعد تخرج عن نفس البنية القبلية الحزبية .

هذا الوضع البئيس والمُخْجِل، انتقل من النقد إلى الترجمة، ليزداد الأمر سوءاً، عما كان عليه، في سنوات السبعينيات، كما جاء في حواريْ أدونيس السابقين، وإلى وضع التزكيات، والترشيحات في المهرجانات العربية والدولية، التي صارت نوعاً من التناوب في الحضور، بين نفس الأسماء، ممن باتوا ينوبون عن غيرهم في الكلام، أو صاروا ناطقين باسم الجميع.

شخصياً، لا تزعجني مثل هذه الحلقيات القبلية، أو العائلية، وحتى الحزبية التي هي اليوم بين ما يُفْسِد على القاريء حقيقة ما يجري في المشهد الشِّعري، لأنني أعرف أن هذه الظواهر، هي تشويشٌ على الشِّعر، وتشويش على المعرفة، وليست إفساداً لها، فالتاريخ كفيل بوضع كل واحد في مكانه. ما تُسْهِم فيه مثل هذه الحلقيات، هو تعطيل الإبداع، وتحويل الكتابة إلى سلعة للمُتاجرة، وإلى غنيمة، لا إلى إفق للمعرفة والبحث والتقصي. فمن يقرأ ما يكتبه هؤلاء ممن يتكالبون على النقد والترجمة، والسفريات، واللقاءات، والنشر، في هذه المؤسسة أو تلك، سيجد نفسه أمام كتابة لا ترقى لِما يكتبه غيرهم ممن نَأَوٌا بنفسهم عن هذا اللغط الإعلامي الرخيص، الذي هو تشويش، وتشويه لحقيقة ما يجري في الواقع، وما يمكن أن تقوله الكتابة، أو تكشف عنه.

الشِّعر أكبر من أن نُحَرِّفَه، وأكبر من أن يعبث به أشباه النُّقاد وأشباه الشُّعراء، وحتى الأدعياء، ممن باتت تُغْدِقُ علينا بهم الحانات، أو مَنْ هُم صناعة خُمُور فاسِدَةٍ.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية