تصدر للشاعرة المصرية فاطمة وهيدي مجموعة شعرية جديدة قريبا، هي الثالثة لها، ونموذجها: «القصيدة الومضة».
في «تراتيل» فاطمة وهيدي خروج بالشعري على «مألوف الشعر»، شكلاً وعبارةً وتعبيراً. فإذا كانت الشاعرة قد وضعت من قبل نمطها هذا في «ومضات»، أو وجدت نصّها يتعيَّن في «نبضات» فيهما من عُمق الاحساس ونفاذ الرؤية ما أتاح لها التعبير المميَّز عما تُحس وبه تشعر.. فهي في «تراتيلها»، التي يجمعها هذا العمل، لا تبتعد شكلاً عما يتعيَّن به «المقول فناً»، متخذةً من «الترتيل» عنواناً جامعاً تُجسّد به استجاباتها الروحية، فإذا «النص ـ الترتيلة» يتواصل بتكثيف بالغ، مع ما في الروح من وجد، وما للقلب من حيوية الحياة والحركة.
ومن هنا يمكن القول إننا أمام نصوص شعرية متميزة، ومختلفة عما عليه النصوص المعتادة، إن بلغتها أم بالصورة الشعرية فيها، ما يضع هذا العمل في سياق شعري محكم البناء. وبقدر ما يثير هذا العمل، بنصوصه مجتمعة، من تساؤل حول الشعر، طبيعة فنية ورؤية تكوينية، فإنه يُقدّم «نموذجاً/ نمطاً» له خصوصيته ـ التي هي أبعد من كونها «خصوصية شكل»، إلى ما هو «خصوصية بناء وتعبير» يُحكِم التواصل بين «الذات الشاعرة» و»موضوعها الشعري».. إذ يتعيَّن «الشعر» و»الشعري» هنا في «حالة تساكن» بين «الرؤية/ الرؤيا» أفقاً للتكوين قولاً، و«المرئي صورة»، من خلال الانفتاح على الذات في علاقتها بـ«ذات الآخرـ المخاطَب»: وجوداً متعيّناً بكيانه الإنساني، وحلماً تعتمد الشاعرة في «تعبيرها» عنه كل ما اكتنزتْ من شعرية الخطاب متمثلاً في ما تقول:
ـ«العاشقة التي كنتها/ لم تبكِ حين غادر حبيبها/ ظلّتْ تذرفُ حروفاً…»
ـ«خواص الـ«شوق»:/ يتجدد وينشطر على ذاته/ ولا يَفنى ولا يُستحدث من عدم»
ـ«أدمنتُ المكوث على قارعة الانتظار/ لعلّ الفرح يتعثّر بي صدفةً»
لذلك أقول: إن هذا العمل يستلزم وقفة تأمل، وقراءة تأخذه بفكرة الحداثة وأساليب التجريب الشعري فيها. فهو يجتمع على نصوص متمهلة في ما تُصدر عنه الشاعرة من رؤية لها خصوصية التشكيل باللغة.. فإن كان يجمعها صوت واحد، متعدد الرؤى، فإن المخاطَب فيها، هو الآخر، واحد ـ تجتمع حوله هذه الرؤى، وتجعل منه مدار الرؤيا، كما هو مدار القول بلغة لها إيقاعها الذاتي، وانثيالها الذي نجده، بكثافته وتفرد صوره الشعرية، متمثلاً في حالتين: حالة الحضور، وحالة الغياب ـ برجاء الحضور.
نصوص هذا العمل (أو لأقل: تراتيله ـ كما شاءت الشاعرة أن تُطلق عليها) عمادها الحب. والشاعرة في «تجربة الحب» هذه لا «تتقنَّع» في ما تقول إلا بلغتها، فتجربتها القائمة على نقاء النظرة وصفاء التواصل تتحدث «أبجديتها»، وهي أبجدية واقع ترتفع به إلى مصاف المتخيَّل، وجذبها إلى تخييل شعري أفرد عبارتها/ صورتها الشعرية بخصائص جعلتها تبتكر «المعنى» في ما تقول، كما تبتكر «التعبير» عن هذا المعنى الذي يتجسد في صور عالية من الإحساس والشعور:
ـ«ليتني أنشطرُ/ لـ أشتّتَ وجعي»
ـ«كِسرَةٌ من حنانك/ تجبر كَسْرةَ قلبي في غيابك».
إن فاطمة وهيدي شاعرة تقف، في ما تكتب، عند عتبة الذات لتسائلَ أعماقها و»الآخر» الذي يسكنها. فإذا كانت رؤياها تُشكّل نقطة ارتكازها، فإن اللحظة التي تجعل لهذه الرؤيا مصافها هي عماد التعبير عندها، وفُسحته.. وهو تعبير يستدرج اللغة إلى «المكاشفة» و»الكشف».. وهي اللغة ذاتها التي تستدرجها «قولاً» إلى «مساكنة الحبيب» في عالم أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع:
ـ«كل المسافات التي تفصلني عنكَ «تنوح»/ ليتكَ «تحنو» وتسكنني».
فنحن مع شاعرة تحلم، وحلمها لا يتجاوز هذا «الكون الشخصي»، وإن كان كوناً شاملاً يستوعب تجلياتها (بما يُداخل هذه التجليات من روح أقرب ما تكون إلى الروح الصوفي) التي تسلك بها مسلكها الخاص إلى مُقام المُحَبّ/ الحبيب ـ وهنا تعانق «العبارة» منها «العاطفة»، وتغدو «الرؤيا» جوهر صيرورة «الوجود المخاطَب». فإذا جاز القول عن لغة شعر كهذا إنها «لغة وديعة» فهي هنا لغة من صلب الوداعة، وإن توثّبتْ روحاً، وتصاعدتْ إحساساً. إنها «تكتب الحبيب» أكثر مما «تكتب عن الحبيب».. وتكتب «لغة الحب»، أكثر مما تكتب بلغة الحب.. فتأتي بتكثيف بارع، وأسلوب له مقوماته التعبيرية غير المعتادة في مألوف الشعر. فإذا ما أثارت السؤال من خلال هذا كلّه، جاء سؤالاً عن «معنى الحب» في حياة تستعيد جدواها، وتحاول به/ ومن خلاله أن تملأ الفجوة بين «حلم مضاع» و»أمل متاح»، لتكتب كينونة نفسها بما هي «ذات» تتحدث لغتها، وهي لغة ببعد صوفي يتردد في «تراتيل»، للقول فيها خصوصية التعبير عما تعيش، وبه تُحس وتشعر.
ناقد وكاتب عراقي
ماجـد صالح السامرائي