ما من شك بأن للمرويات المدرسية دورا في صوغ الوعي العربي في ما يتعلق بالمنجز الحضاري والفكري، ومع ذلك تبقى هذه المرويات تكوينات مؤسساتية تنتهجها السلطات، بالتضافر مع وجود أدوار تاريخية تضطلع بها الذاكرة العربية، لتكريس وترسيخ مقولات حضارية، ربما لا تستجيب للمعايير الحقيقية؛ ولهذا تبقى المرويات أسيرة وعي زائف.
بيد أن خطورة ذلك يكمن في أنه يشكل ذاكرة الأجيال «معرفياً»، ولاسيما مفردة النهضة العربية التي بدت أقرب إلى حتمية تقنية تحديثية، نظراً لكونها قد فارقت المفهوم التثويري التنويري، وشروطه، والذي ينبغي أن تتسم بها أي نهضة حقيقية. وإذا كنا في مقالات سابقة قد توقفنا بالقراءة والنقد لبعض أدوار مثقفي عصر النهضة العربية من المنظور التحليلي لمفهوم المثقف، فإننا في هذه المقالة نستكمل هذا المسلك، عبر إلقاء الضوء على أدوار وتوصيفات كل من محمد عبده، وبطرس البستاني، من حيث مدى الاستجابة لمفهوم المثقف معرفياً وعملياً.
يُشار إلى أن محمد عبده (1849-1905) الملقب بالإمام والشيخ، من مواليد محافظة البحيرة، تعلم في الأزهر، وكان يعدّ من تلاميذ جمال الدين الأفغاني، يذكر عبد المنعم الحفني في موسوعته أن عبده لم يكن ثورياً، حيث إنه كان يقول بالتدرج في سبيل التغيير، على عكس أستاذه الافغاني (الحفني، ص 1251)، ومما يلاحظ أن عبده قد استحوذته المرجعية الدينية، إذ أن قراءة في سيرة هذا الرجل تكشف عن ثقافته وتحصيله العلمي قائم في معظمه على الجانب الديني، فقد تلقى علومه في الأزهر، وعلى الرغم من أن سيرة محمد عبده شهدت لحظات من التصادم مع السلطة، ولا سيما حين نفي من قبل الخديوي توفيق، بسبب دعم الأول لثورة عرابي 1880 غير أن وجوده وموقعه كانا دوماً متصلين بالمؤسسة السلطوية، حيث عينه رياض باشا في مجلة «الوقائع المصرية»، ومع ذلك، فإن هنالك حالات من النفي التي عاناها الرجل في كل من بيروت وباريس، غير أنه عاد سنة 1888، ولكن كي يعين قاضياً، مع الاشتراط بألا يمارس مهنة التدريس، وهنا نتلمس مواقع علاقة المثقف مع السلطة وتجاذباتها، ولكن في المحصلة، فإن رجلاً كمحمد عبده كان في نهاية المطاف موظفاً في المؤسسة، وفي بعض الأحيان كان يتعرض للعقاب كي يعود إلى رشده، ولهذا نراه ينال مكافأة تتمثل بعضوية المجلس التشريعي لمدة عشر سنوات (حوراني ـ ص176).
نستخلص مما سبق بأن محمد عبده كان واقعاً في حبائل السلطة، فدوره كمثقف لم يتجاوز توصيف رجل معرفة، أو نمط من أنماط موظفي الدولة، فقد كان الرجل عضواً مركزياً في السلطة القائمة، فمواقفه وأدواره، وحتى علومه ومعارفه، لم تفارق إطار المؤسسة، أو السلطة، وقد تميزت بأنها ذات مظاهر عامة، على الرغم من أن هنالك إشكالية عميقة شغلت تفكيره، ومنها عنايته بثنائية الديني والدنيوي (حوراني ـ ص170). ومع ذلك فقد كان على قناعة بأن الحلول تكمن في التوفيق، ولاسيما بين النموذجين الإسلامي والغربي، ولكن مع اشتراط نبذ الأفكار أو القوانين المقبلة والمستوردة من الغرب، خاصة حين تتعارض مع القيم الجوهرية للإسلام، وهذا يعني أن عبده كان يرتكن إلى مرجعيات جاهزة، لم تذهب إلى معالجة عقلية لأزمة الشرق، ولهذا كان عبده يبدو قلقاً في تفكيره، فقد آمن بمحاولة هضم قيم الغرب العلمية، ولكن بطابع إسلامي، ولعل هذا يفسر نسقه التوفيقي القائم على الاعتدال والذي يعدّ عهداً أو ربما مسلكاً قطعه للخديوي توفيق حتى يسمح له بالعودة إلى مصر، وهذا يأتي بالتجاور مع محاولته للإبقاء على مرجعية دينية إسلامية بوصفها مركزاً، مع محاولة فهم واستجلاب قيم علمية حضارية غربية، ولكن بعد سلخها عن سياقها الثقافي والحضاري، ولا سيما حين يتعلق الأمر بالتأثير على العقيدة، وهكذا فلا عجب أن ينظر محمد عبده بعين الإعجاب للنموذج الوهابي ولنجاحه، معللاً ذلك بقدرة الوهابية على توظيف البعد الأخلاقي في عملية الإصلاح، من خلال العودة لمجموعة العقائد المتفق عليها، ولهذا كان حريصاً على فكرة الخلافة باعتبارها أداة لتحقيق النموذج المثالي (حوراني ـ ص 191).
يلاحظ أن فكر محمد عبده كان في جوهره استعادياً أخلاقياً، إذ يسعى للإصلاح، ولكن في أنساق قارة ثابتة منجزة، ينبغي إعادة إحيائها وبعثها من جديد، غير أنه كان يرى في السلطة حائطاً يمكن للأمة أن تركن إليه في نهضتها، حيث يقول: «مستبد عادل يستطيع أن يعمل من أجلنا في مدة خمسة عشر عاماً ما لا نستطيع عمله من أجل أنفسنا» (حوراني ـ ص 145)، وهكذا نجد أنه كان يتفق مع بعض مثقفي النهضة، من حيث تفضيل منظومة القهر والاستبداد على فضاء الحرية، وبذلك فإن رواد النهضة بدوا أقرب إلى تثبيت مظاهر السلطة، ونموذجها القهري.
ولعل بطرس البستاني (1819- 1883) من مواليد دير القمر في لبنان، لم يخرج عن دوره التّنويري التقني عبر التأليف في العلوم اللغوية، وإنشاء الموسوعات والترجمة وإنشاء الصحف (الحفني ـ ص 297) ولكن مع الافتتان الواضح بالنموذج الغربي، ولهذا لم يمارس دوراً انتقادياً مؤثراً، على الرغم من دعوته للنهج العروبي، علاوة على دعوته للتخلص من الطائفية والدعوة للوحدة، ولكن خطابه بالمجمل كان خطاب رجل مسيحي، يخاطب المسيحيين كما يقول حوراني (ص 129)، وبذلك فإن ارتهانه لم يكن لسلطة، إنما كان ارتهاناً للطّائفة، مع كل ما يتضح لديه من ملامح داعية للوحدة والتآلف والتعايش، إلا أنه لم يكن يضع في تصوره سوى فئة محددة من المتلقين، ونعني الطائفة المسيحية، وهذا يعني بكل بساطة انتفاء الدور الشمولي للمثقف، أو المعنى الرسولي الذي يتعالى على مرجعياته ووسطه الاجتماعي، أو الديني، أو حتى السياسي، ولكن ذلك لا يخولنا نفي الدور العلمي «التقني» الذي اضطلع به البستاني، من حيث رفد الثقافة العربية بمخرجات ومنتجات علمية، تتصل باللغة والثقافة، وما كان لها من دور في تعميق إدراك الهوية، وبعث مكنوناتها، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لإحداث تحول في البنى العميقة للعقل العربي الذي لم يتعرض عامة لخضات جوهرية تتصل بقضايا عميقة يمكن أن تؤسس لمنظومة فكرية، وحضارية شاملة، تتعالق بالدولة، وهذا الرأي ربما ينسحب على سائر مثقفي تلك الفترة، ونتيجة لهذا فإن البستاني كان أقرب إلى النموذج التقني الذي يذهب إلى ما يمكن أن نطلق عليه من يتحدث في بدهيات النهضة، أو يعرض لمظاهرها التي ينبغي أن يتبعها تصور شمولي وعميق. وبذلك فإن المثقفين ذهبوا إلى أن يكونوا منتمين إلى تيارات، ومهن ومجموعات وجمعيات سرية، حيث كانت تجمعهم مهن التعليم والصحافة والحقوق، أو أنهم ينتمون إلى المؤسسة الدينية (شرابي ـ ص 1 8).
وهكذا يتبدى لنا ذلك الانحياز لنماذج من التفكير والأجندة التي ترتبط بمرجعيات وارتهانات تتصل بالطائفة الدينية، أو بالمشروع السياسي، أو حتى بالوظيفة، والتخصصية، أي أن تعلق بين فلسفتين أو آليتين مما يعوق دون تبني موقف عقلاني وحقيقي، ومتجرد من العواطف والمشاعر والتجاذبات، فلا تكفي بعض المعارف، والوظائف العليا، وبعض المواقف السياسية أن تخلق مثقفاً قادراً على إحداث فرق وتحول عميق، وهنا لنا أن نتساءل عن وجود مثقفين عرب في الفترة التي يؤرخ لها ألبرت حوراني، إذ هم أقرب إلى متعلمين حازوا نصيباً من العلم، كونهم اطلعوا على نماذج غربية، فما كان منهم إلا أن سعوا إلى نقل التجربة، وعلى الرغم من أن المثقف يحقّ له أن يكون موظفاً، غير أنه ينبغي له اتخاذ مواقف فكرية تجاه منظومات فاسدة، ولعل هذا لم يتحقق على مستوى مثقفي عصر النهضة ما جعلهم أقرب إلى نموذج المثقف الأديب، وما أنتجوه كان أقرب إلى الأدب التقني القائم على المزج بين معارف واختصاصات متعددة كما يذكر عزمي بشارة في إحدى دراساته، ومع أن القيمة الحقيقية لهذا المنجز لا بد أن تنال التقدير، غير أنها هذه المواصفات والأدوار لم ترق إلى مستوى تعريفات المثقف والنهضوي القادر على إحداث تحولات بنيوية عميقة في العقل العربي، نظراً لمحدودية الرؤية، بالتراصف مع الارتهانات المُحكمة على الوعي العربي الجمعي، وتحديداً في ما بات يعرف لدى المرويات المدرسية بعصر النهضة العربية.
كاتب أردني
رامي أبو شهاب